يصف سكان المدينة عملية حفتر العسكرية بالاحتلال الأجنبي

في الوقت الذي تعمل فيه عديد من الجهات المحلية والدولية الرسمية وغير الرسمية على إيجاد حل للأزمة الليبية المتواصلة منذ سنوات بطريقة سلمية، أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر بدء عمليات عسكرية لما وصفه بـ"تحرير درنة"، رغم رفض السلطات الشرعية في البلاد لهذه الخطوة "الخطيرة".

بدء العمليات العسكرية

إعلان حفتر بدء العمليات على مدينة درنة، جاء بعد ثلاث سنوات من حصارها بريًا وبحريًا، وتكتسي المدينة أهمية إستراتيجية نظرًا لموقعها الجغرافي بالقرب من الحدود مع مصر على الطريق المؤدي إلى بنغازي ووقوعها على الساحل الليبي في منطقة الشرق.

وأكد حفتر خلال كلمة ألقاها في الـ7 من مايو/أيار 2018، في حفل تخريج الدفعة الحادية والخمسين من الكلية العسكرية، أن "ساعة الصفر لتحرير درنة قد دقت، وأضاف "المساعي السلمية لمدينة درنة استمرت أكثر من ثلاث سنوات بواسطة عقلاء المدينة ونشطاء من شباب لنجنبها ويلات الحرب حتى بلغت تلك المساعي طريقًا مسدودًا".

خلال سنوات الحصار نفذ سلاح الجو المصري غارتين على الأقل ضد مواقع مدنية في المدينة

وتحاصر قوات الكرامة التابعة لحفتر درنة، ويهدد حفتر منذ فترة طويلة ببدء عمليات برية هناك، ولكن حملته اقتصرت حتى الآن على تطويق المدينة مع شن غارات جوية وقصف بين الحين والآخر، ونشر قوات حفتر في الأسابيع القليلة الماضية وحدات جديدة في منطقة درنة وقام حفتر في نهاية الشهر الماضي بزيارة نادرة لقوات متمركزة خارج المدينة عقب عودته من رحلة علاجية في فرنسا.

وبدأت قوات حفتر الاشتباك مع مقاتلي "مجلس شورى درنة"، في محيط المدينة، بالتزامن مع تواصل تعرض أحياء المدينة لضربات جوية متفرقة، وسبق أن أكد مقاتلو "شورى درنة" استعدادهم للقتال لحماية المدينة مما وصفوه بالاحتلال الأجنبي.

ويصف حفتر وأتباعه مجلس شورى المدينة المسيطر عليها بـ"الإرهابي"، لكن المجلس الذي تكون عام 2014، والمؤلف من عناصر الثوار السابقين ومقاتلين إسلاميين تلقوا الدعم والشرعية من المؤتمر الوطني (البرلمان السابق)، يرفض هذا الوصف، مؤكدًا أن رفضه لسيطرة حفتر على المدينة رفض لعودة حكم العسكر للبلاد.

دعم إماراتي مصري

تدخل حفتر في درنة، لم يكن ليتم لولا الدعم المصري الإماراتي له، وفقًا لعديد من الخبراء، وتقول تقارير إعلامية إن الإمارات خصصت طائرات مسيرة تنطلق من قاعدة الأبرق التي تبعد نحو مئة كيلومتر عن درنة لمعاضدة قوات حفتر في هجومها على المدينة، وتقول ذات التقارير إن أبو ظبي نقلت هذه الطائرات من قاعدة الخادم العسكرية التي أقامتها في شرق ليبيا إلى مطار الأبرق، وشاركت بفاعلية في القصف الذي طال المدينة في الفترة الأخيرة.

وسبق أن أكدت أطراف ليبية، أن من يشرفون على قاعدة الأبرق الجوية القريبة من درنة هم ضباط مصريون وإماراتيون، وكان مجلس شورى مجاهدي درنة الإرهابي أكد في عديد من المناسبات السابقة استعانة قوات حفتر بعناصر أجنبية، وخلال سنوات الحصار نفذ سلاح الجو المصري غارتين على الأقل ضد مواقع مدنية في المدينة بدعوى مكافحة الإرهاب، أولى تلك الغارات في شهر فبراير/شباط 2015، أما الغارة الثانية فكانت في نهاية شهر مايو/أيار السنة الماضية.

طائرات مصرية شاركت في قصف المدينة

وأوضح ليبيون أن ضباطًا مصريين وصلوا أكثر من مرة إلى معسكر لملودة القريب من درنة، في إطار إعداد الخطط العسكرية اللازمة لاقتحام المدينة التي تتم تحت إشراف مصري كامل، وتتألف القوات المحاصرة للمدينة من عناصر مسلحة قبلية من المناطق المحيطة بدرنة، والناقمة على مسلحي درنة بسبب خلافات قبلية، أو بسبب اتهام مسلحي درنة بالتورط في تفجيرات شهدتها منطقة القبة قبل سنتين.

يشار إلى أن مصادر عسكرية مقربة من حفتر كانت قد كشفت في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي عن جانبٍ من تفاصيل خطط عسكرية وضعها ضباط مصريون خلال زيارات سابقة لمعسكر لملودة، لافتة إلى أن "معسكر خالد بن الوليد، ومركز التجييش في أم الرزم، ومركزًا آخر في خليج البمبه، بالإضافة إلى الثانوية الجوية في مرتوبة ومعسكر لملودة، ستستقبل دعمًا عسكريًا ضمن تحضيرات العملية العسكرية، فيما سيساهم الطيران المصري في قصف أهداف لمسلحي مجلس شورى مجاهدي درنة، بالتوازي مع الإشراف على قيادة المعركة".

طالب تجمع أهالي درنة، السلطات المحلية للدولة الليبية بالتدخل لمنع الحرب على المدينة

وكان حفتر قد زار القاهرة في طريق عودته إلى ليبيا، بعد تلقيه العلاج في فرنسا، على خلفية وعكة صحية شديدة، قبل العودة إلى ليبيا مرة أخرى، وسط شكوك في قدرته على استكمال مهامه كقائد للقوات التابعة لبرلمان طبرق بالشكل الذي كان عليه الحال قبل مرضه.

معارضة رسمية وشعبية

هذه الحرب المعلنة من حفتر على درنة، وجدت رفضًا كبيرًا من الليبيين، حيث دعا المجلس الأعلى للدولة في ليبيا المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، ومجلس النواب وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى وقف التحشيد العسكري على المدينة.

وطالب الأعلى للدولة بمعالجة الحصار الذي تفرضه قوات عملية الكرامة على المدينة، وتسهيل دخول المواد الغذائية إليها ومساعدة المستشفيات وتزويدها بالمواد الطبية الضرورية، وشدد المجلس في بيان له على ضرورة تسهيل دخول وخروج أهالي المدينة، وعدم التعرض لهم أو وقوعهم تحت أي تمييز بسبب الهوية.

وأوضح أن الانتهاكات والحصار الذي يتعرض له أهالي درنة يعد أمرًا مخالفًا للقانون والدين والشرائع السماوية، وتوجه المجلس الأعلى للدولة بالدعوة للقبائل المجاورة لمدينة درنة وقبائل برقة بضرورة التدخل، وتجنيب المدينة وأهلها المدنيين ويلات الحروب، والمساهمة مع مؤسسات الدولة والمجتمع الدولي في رفع الحصار عن المدينة، وإيجاد حل تحت الشرعية الليبية.

قصف عنيف تتعرض له أحياء المدينة

كما دعا مجلس حكماء ليبيا مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي إلى ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار ورفع الحصار عن مدينة درنة، وطالب المجلس في بيان له أمس الأربعاء أعيان وشيوخ القبائل بالمنطقة الشرقية إلى تحمل مسؤولياتهم تجاه ما يجري في درنة، والعمل على تحكيم صوت العقل لتجنيب المنطقة ويلات الحروب التي عبثت بالنسيج الاجتماعي، بحسب نص البيان.

محمد العماري: هذا التصعيد يهدف إلى تعميق الأزمة في البلاد

ودعا التجمع في بيانه الإثنين، جميع المنظمات الحقوقية والإنسانية بالوقوف إلى جانب مدينة درنة التي تدك بصواريخ الطيران الحربي الأجنبي وتعرض حياة المدنيين للخطر وتهددهم بالموت، وناشد التجمع، رئيس الأمم المتحدة بإعطاء الإيعاز إلى بعثة الأمم المتحدة في ليبيا للتحرك السريع لمنع الحرب على المدينة، مطالبًا جميع القبائل الليبية بالحضور إلى درنة من أجل حقن الدماء والمصالحة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد.

وأكد عضو المجلس الرئاسي، محمد العماري في بيان رسمي ليل الإثنين، إدانته الشديدة للتصعيد العسكري حول درنة، معبرًا عن مخاوفه من إمكانية تعرض المدنيين بالمدينة لأضرار الحرب، مشددًا على ضرورة أن يعلن المجلس الرئاسي الذي يمتلك صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة، وفق الاتفاق السياسي، موقفه من هذه الحرب التي تستهدف المدينة وتعرض المدنيين فيها للخطر.

كما أعرب العماري عن استغرابه من موقف البعثة الأممية والمجتمع الدولي تجاه ما يجري في المدينة، معتبرًا أن هذا التصعيد يهدف إلى تعميق الأزمة في البلاد، وإصرار على الحل العسكري وسفك مزيد من دماء الليبيين ونسف لكل جهود المصالحة والحوار، على حد قوله.