"لقد عشتُ 19 سنةً في هذا العالم، في تلك الليلة المشؤومة كان يجب أن أكون أنا القتيلة، كان جسدي ليُلقى في إحدى زوايا المدينة؛ وبعد أيام كانت الشرطة ستأخذكِ إلى مكتب الطبيب الشرعي لتتعرفي على الجثة؛ وكنتِ ستعرفين حينها أني قد اغتُصبت. لم يكن أحدٌ ليتوصل إلى هوية القاتل، لأننا لا نملك أموالهم ولا نفوذهم. عندئذٍ كنتِ ستُكملين بقية حياتكِ في معاناة وعار، وكنتِ ستموتين كمدًا بعد بضع سنين، وكانت القصة ستنتهي". جزء من رسالة الشابة الإيرانية ريحانة جباري لأمها، كتبتها قبل أن تُعدم في عام 2014 بعد إدانتها بقتل مسؤول سابق في الاستخبارات الإيرانية أكدت أنه حاول اغتصابها فطعنته بسكينٍ دفاعًا عن نفسها.

ولإن هذه الحادثة لا تشبه السيناريوهات التقليدية التي تنتهي عادةً بالعثور على المغتصبة مقتولة أو مسلوبة، اعتقلت جباري لسنواتٍ طويلة بين الحبس الانفرادي والإذلال المقصود، ولسوء الحظ، لم تنجح النداءات المتكررة والاحتجاجات الدولية، مثل مطالبات الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوق المرأة والإنسان، بإنقاذ جباري من إصرار المحكمة العليا على اتهامها بالقتل مع سبق الإصرار، لتنتهي حياتها باسم القانون.

نورا حسين تتزوج قاصرًا وتجبر على معاشرة زوجها قسرًا

في قصةٍ مشابهة لجباري، نشر نشطاء منصات التواصل الاجتماعي خبر حكم بإعدام السودانية نورة حسين (19 عامًا) بعد أن قتلت زوجها، وذلك بسبب استعانته بثلاثة من أقاربه للإمساك بها وتقييدها ليتمكن من ممارسة الجنس معها غصبًا، ووفقًا للقانون السوداني الجنائي للمادة 130 فإن هذا يعتبر قتل متعمد، خاصةً أن القانون السوداني لا يعترف بالاغتصاب الزوجي ولا يجرم المعاشرة الزوجية بالعنف والإكراه.

تفاصيل القصة تقول بأن نورا أجبرت على الزواج من قبل أبيها، لكنها رفضت هذا الوضع وهربت إلى منزل عمتها وعاشت لمدة ثلاث سنوات هنا عازمة إنهاء تعليمها، وعندما علمت بأن خطط تزويجها قد انتهت، عادت لمنزل أهلها، لكن من الواضح أن نورا خدعت واستمرت مراسيم الزواج وزوجت للرجل دون رضاها، وخلال الأيام الأولى من العيش معه رفضت الطفلة السودانية معاشرته لذلك استنجد زوجها بمجموعة من أقاربه لتقييدها ونيل غايته.

في اليوم التالي، أراد الزوج تكرار فعلته، ورفضت نورا مجددًا مهددة إياه بالطعن، ولكنه لم يهتم لما تقوله فقتل لتهرب هي إلى منزل عائلتها التي سلمتها لاحقًا إلى الشرطة، وذلك بحسب رواية سارة الحسن، الناشطة التي تدعم تدعم قضية نورا.

ورغم أن نورة زوجت بالإجبار بعمر 16 عامًا، وهو سن تحت القانون، إلا أن محكمة أم درمان الوسطى أصدرت حكمها بالإعدام، لاسيما أن أهل الرجل لم يتراجعوا عن موقفهم من القصاص، عدا عن محام الاتهام، على حسين عبد الرحمن، الذي قال "لقد سلكت سلوكًا بشعًا ولم تعطِ المجني عليه فرصة للاستغاثة. العادات القبلية جعلت أهلها يتخلون عنها ويرحلون خوفًا من الثأر".

ونتيجة لهذه الإجراءات، شنت مجموعة "لا لقهر النساء" السودانية حملة واسعة النطاق ضد حكم الإدانة الذي أصدرته المحكمة السودانية ضد نورا، إضافة إلى تدشين وسم "العدالة لنورا" لعرض قصتها لرأي العام وإيصالها إلى الجهات المختصة بحقوق المرأة والإنسان، على أمل تغيير مصير الضحية قبل أن يفوت الأوان.

ومن الناحية القانونية، تقول تارا كاري في منظمة "المساواة الآن" بإن "تجريم نورا لدفاعها عن نفسها، والحكم عليها بالإعدام هو انتهاك صريح لحقوقها بموجب الدستور السوداني والقانون الدولي، فلقد تعرضت نورا للإيذاء الجسدي والعقلي من قبل عائلتها وزوجها، وهذا اختراق للمادة 14 التي تنص على حماية الأطفال، والمادة 15 التي تذكر "لا يتم الزواج بدون موافقة حرة وكاملة"".

واحدة من كل ثلاث نساء سودانيات يتزوجن قبل سن 18، أي أن أكثر من 37% من الأطفال والمراهقات معرضات لفقدان حقهم في التعليم والمستقبل الصحي الجسدي والنفسي المستقر

إلى جانب ذلك، لامت منظمة العفو الدولة السلطات السودانية على انتشار هذه الظاهرة في مجتمعها، فقالت "إن الحكم بإعدام امرأة قتلت زوجها المغتصب دفاعًا عن نفسها، دليل على فشل السلطات في معاجلة قضايا زواج الأطفال، والزواج القسري، واغتصاب الأزواج"، مضيفةً "نورا حسين ضحية والحكم عليها قاسٍ ولا يمكن تحمله، وعلى السلطات السودانية إلغاء الحكم وضمان محاكمة عادلة تأخذ بعين الاعتبار الظروف المخففة"

جدير بالذكر، أن واحدة من كل ثلاث نساء سودانيات يتزوجن قبل سن 18، أي أن أكثر من 37% من الطفلات المراهقات السودانيات معرضات لفقدان حقهن في التعليم والمستقبل الصحي الجسدي والنفسي المستقر.

دور الجمعيات النسوية ومواقع التواصل الاجتماعي

يعد الاغتصاب الزوجي من أكثر المسائل تعقيدًا في العالم العربي، إما لعدم اعتراف القانون به أو صعوبة إثبات حدوثه إن لم يكن هناك آثار جانبية للاغتصاب، أما فيما يخص دول العالم الغربي، فلقد جرم القانون البريطاني هذا الفعل منذ عام 1991، وكذلك القانون الفرنسي بعده بعام، والأمريكي أيضًا، لكن في أي حال لا زالت الجمعيات النسوية والمنظمات الحقوقية تضغط على المراكز القانونية لحماية المرأة من العنف الجنسي تحت غطاء الزواج.

والجانب المشرق في هذه المطالبات، هو استجابة بعض السلطات العربية العام الماضي لقانون عقوبة المغتصب، وذلك شمل تعديلات في القوانين في لبنان والأردن وتونس والمغرب، وأصبحت ضحية الاغتصاب تحصل على حقها من المغتصب بعقوبات قاسية نوعًا ما، بدلًا من الأحكام التي كانت تلغي عنه الحكم بحال الزواج منها أو السجن لبضعة أشهر فقط، لذلك يعتبر البعض أن هذه الإضافات تشجع الأصوات النسوية على الصمود تجاه قضاياهن.

لذلك يعد الضغط الشعبي من أهم الوسائل الحالية في تغيير القرارات السلطوية، وهذا ما تحقق في قضية امرأة من جنوب إفريقيا قتلت مغتصب ابنتها العام الماضي، فحكم عليها بالإعدام، لكن مع اجتماع النداءات الشعبية والدولية في تخفيف الحكم، ألغت المحكمة حكمها وفرضت غرامة مالية، ومع ذلك، رفض نشطاء قضيتها هذا الأمر وأصروا على توقيف المحاكمة بشكل كامل، ليتم العفو عنها تمامًا.

هذه بعض الحوادث التي استطاعت أن تحدث جلبة وجدلًا واسعًا، في محاولة علنية وشجاعة لصنع تغيير ما في أحكام السلطات العليا، أملًا في الحصول على عدالة وإنصاف القوانين الدستورية وإنهاء للصراعات مع الأعراف الاجتماعية.