عادت السوشيال للواجهة والزخم مرة أخرى، بعدما تأكد للجميع أنها كانت وراء انتزاع قرار "سعودي ـ مصري" بتغيير الروح والبنية الدرامية لمسلسل "أرض النفاق" الذي يقوم بدور البطولة فيه الكوميديان المصري محمد هنيدي، بسبب مشاركة الكاتب الصحفي المصري إبراهيم عيسى في المسلسل وبأحده الأدوار الرئيسية، وهو الشيطان الأكبر عند السعوديين، ويعتبرونه أحد ألد أعدائهم، بسبب تنظيراته الدائمة في الأصولية واتهامه المستمر للمملكة بتزويد المنطقة بالعنف والرجعية.

كيف أجهزت السوشيال ميديا على إبراهيم عيسى؟

الإعلامي والكاتب الصحفي المثير للجدل إبراهيم عيسى، وعلى مدار الأسابيع الماضية، كان محل سخط  الرأي العام السعودي بمجرد الإعلان عن "أرض النفاق" المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للأديب المصري يوسف السباعي، وجسد نفس دور عيسى سابقًا في الفيلم الشهير الذي يحمل نفس اسم المسلسل، الفنان عبد الرحيم الزرقاني عام 1968، لتدور منصة صواريخ الاتهامات وتصوب نيرانها تجاه كل من أتى بإبراهيم عيسى ليحل ضيفًا ثقيلاً على العائلات السعودية طوال شهر كامل، بل ورفض السعوديون دفاع المصريين عنه الذي تزامن مع حملات رفضه في المملكة.

كان محمد هنيدي ومعه صناع المسلسل يعلمون جيدًا الأوضاع المادية الصعبة في مصر بسوق الإنتاج، بجانب قيود الاتفاق المبرم بين المحطات المصرية، والقاضي بعدم شراء مسلسل تزيد قيمته الإنتاجية على 75 مليون جنيه، لذا قرروا الاتجاه نحو التليفزيون السعودي الذي يحاول مواكبة عملية تحديث المملكة، حسب برنامج محمد بن سلمان ولي العهد، بما جعل السوق السعودية، وجهة مفضلة لنجوم الدراما بمصر وعلى رأسهم عادل إمام الذي يعرض في السعودية حصريًا مسلسله الجديد "عوالم خفية".  

وجاءت الحملات الممنهجة على الإعلامي السعودي الشهير داوود الشريان الذي دخل قائمة المسيئين للمملكة، وحركتها السوشيال ميديا في السعودية، لمنع المسلسل، خصوصًا أن الشريان كان وراء التعاقد مع العمل، ليبث على محطة "إس بي سي" التي يتولى مجلس إدارتها.

حاول الشريان في البداية، تجاهل صيحات السوشيال ميديا؛ فالرجل ضمن المقربين لرجال الحكم في السعودية ومعروف أن كل رجال الأنظمة القديمة التي لم تطالها حمى التغيير خلال ثورات الربيع العربي، تكن لأدوات العصر التي فعلت المستحيل وفي القلب منها السوشيال ميديا، حالة من الجفاء والاستعلاء، إلا أن الفارق الكبير في تأثير هذه الوسائط بين الاجتماعي والسياسي. وما الذي يمكن أن تتفاعل معه السلطة إرضاءً للجماهير، خاصة إن كان عدوًا مشتركًا مثل إبراهيم عيسى، دعا الرجل للتراجع سريعًا وعلق مصير المسلسل وأسر بذلك لصناع العمل الذين تفاعلوا سريعًا مع الحدث لمعالجة الأزمة.

من داخل الكواليس تسربت أنباء كثيرة عن تدخل المستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني لمنع عيسى من الظهور على الإعلام السعودي، خصوصًا بعدما علم القصر أن الشريان يريد أن يتعاقد مع ألد أعداء السعودية لإظهار وجه ليبرالي للمملكة أمام العالم، بما يتماشى مع التوجه الجديد، ولكن "ما في القلب في القلب" بحسب التعبير الدارج المصري.

توصلت الشركة لفكرة سحرية وسابقة جديدة في تاريخ الدراما المصرية وأنتجوا نسختين من العمل، واحدة مصرية خالصة تعرض على شاشة "سي بي سي" المحلية، وأخرى خاصة بالسعودية وتبث على محطة "إس بي سي" السعودية

ورغم عدم احترافية إبراهيم عيسى، بل وضعف موهبته في التمثيل إذا ما قورنت بالضجة التي أثارها في أعماله الأدبية بجانب عمله الصحفي والإعلامي وولعه بتحليل التاريخ والإسلامي منه على وجه الخصوص، فإن شركة العدل جروب والفنان محمد هنيدي اعتمدا على حيلة جديدة من نوعها لإبقاء عيسى في العمل ظنًا منهم أنه الأصلح له.

فمن وجهة نظرهم، منّ يمكنه التعامل مع التاريخ والواقع أمام المشاهدين كرجل يمسك بتلابيبه مثل عيسى الذي كوّن جماهيرية تخطت حدود الشارع المصري وأصبح يحتل علامة تسويقية في هذا المجال على المستوى العربي ـ اتفقت أو اختلفت معه ــ لذا لجأت إليه فضائيات عريية ليتحدث عن التاريخ الإسلامي من وجهة نظر نقدية، كما هي طريقته المعتادة.  

وتوصلت الشركة لفكرة سحرية وسابقة جديدة في تاريخ الدراما المصرية وأنتجوا نسختين من العمل، واحدة مصرية خالصة تعرض على شاشة "سي بي سي" المحلية، وأخرى خاصة بالسعودية، وتبث على محطة "إس بي سي" السعودية، ويشارك فيها الفنان سامي مغاوري، بدلاً من إبراهيم عيسى، وبهذا نجحت الشركة المنتجة في التغلب على الموقف، وزف البشرى، أحد الحسابات الموالية للإعلام السعودي على السوشيال ميديا.

فضل شاكر.. التائب المطارد من جماهير "السوشيال ميديا"  

على طريقة استبعاد إبراهيم عيسى بسبب السوشيال ميديا، جاء أيضًا استبعاد الفنان والمطرب اللبناني فضل شاكر من غناء تتر المسلسل المصري "لدينا أقوال أخرى" الذي تقوم ببطولته الفنانة يسرا، بعد جدل طويل وانقسام بين الجماهير العربية بشأن تأييد أو رفض هجوم اللبنانيين على فضل شاكر، وعودته بهذه الطريقة قبل محاسبته، خصوصًا أنه لا يزال مطلوب أمنيًا في لبنان، ولا تزال أزمته مع القضاء اللبناني غير محلولة.

ورغم حالة الفرح التي انتابت الكثير من الجماهير العاشقة للطرب الأصيل، بعودة سلطان الطرب إلى الغناء مرة أخرى، فإن الضغط المكثف على السوشيال ميديا، دعا شركة العدل جروب وهي المنتجة أيضًا لنفس العمل، للتراجع عن إعطاء التتر لصوت فضل، وفضلت تغييره خوفًا من التأثير على عوائد المسلسل، رغم طرح التتر بالفعل على اليوتيوب وتحقيقه نجاحًا ساحقًا، ووصلت مشاهداته إلى أكثر من مليوني مشاهدة، في أسبوع واحد فقط، ليطرح السؤال نفسه: هل السوشيال ميديا ما زالت قادرة على تشكيل رأي عام موازٍ في أي المجالات؟ ولماذا لا تؤثر سياسيًا في المنطقة بنفس القدر الذي تؤثر فيه في الاجتماعيات والأحداث الثانوية والدراما؟

أغنية شبعنا من التمثيل للنجم فضل شاكر - تتر مسلسل لدينا أقوال أخرى بطولة يسرا - رمضان 2018

مصير الإعلام الاجتماعي

حتى الآن لا يمكن الاتفاق على تعريف محدد لمفهوم السوشيال ميديا ودوائر التأثير فيها بعدما تجاوزت دورها إلى آفاق غير مسبوقة وأعطت مستخدميها فرصًا كبرى للتأثير والانتقال عبر الحدود بلا قيود أو رقابة إلا النسبي والمحدود منها في ظل الحملات عليها، والطعن فيها، خصوصًا بعدما أوجدت تقنيات البث المباشر وأوقفت احتكار صناعة الرسالة الإعلامية، لتنقلها إلى مدى أوسع وأكثر شمولية، وعبر تأثير وتفاعل لم يكن يتصورها أعتى خبراء الاتصال.

وبحسب العديد من البحوث التي قدمت في هذه المفصلية، ولماذا لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي أهلاً للتغيير السياسي كما كانت قبل 8 سنوات، كما هو الحال في الاجتماعيات والقضايا الهامشية، أرجع البعض القضية إلى ضرورة تهيئة متطلبات التغيير عن طريق تكوين الوعي في نظرة الإنسان إلى مجتمعه والعالم، فالمضمون الذي تتوجه به عبر رسائل إخبارية أو ثقافية أو ترفيهية أو غيرها في الإعلام التقليدي، لا يؤدي بالضرورة إلى إدراك الحقيقة فقط، بل يسهم في تكوين الحقيقة، وحل إشكالياتها، بخلاف السوشيال الميديا التي لا أب لها ولا أم.

أي تغيير جديد يريده المجتمع في ظل تعطل دور السوشيال ميديا، يجب أن يكون نشاطًا حقيقيًا يرتكز على منظمات المجتمع المدني، بغض النظر عن التضييقات عليها

ويرى الكثير من الباحثين ضرورة تغيير الذهنيات والعقليات والبنية الثقافية ككل للمجتمع العربي، حتى يمكن الاستفادة من السوشيال في الحشد الإيجابي، وبما يضبط السلوك الإنساني للتماشي مع النظام العالمي الجديد، من عوامل الإنتاج المعرفي، بجانب أن الحشد في الأنظمة الحديثة يرتكز على مشاركة مواطنين حقيقيين لديهم تدريب كافٍ وتنشئة اجتماعية مناسبة للتدريب على الديمقراطية في مجالات أخرى، حتى يصبح الإعلام البديل، صاحب دور حقيقي في تغيير السلبيات في جميع المجالات وليس الهامشي منها فقط.

إعلام المرحلة على جميع المستويات يعد أفضل اختصار للمرحلة الانتقالية التي نحياها من الركود السياسي، مما يعني أن أي تغيير جديد يريده المجتمع في ظل تعطل دور السوشيال ميديا، يجب أن يكون نشاطًا حقيقيًا يرتكز على منظمات المجتمع المدني، بغض النظر عن التضييقات عليها، بما يحقق رغبات الشباب العربي الذي سينتقل تدريجيًا من التفاعل غير المحسوب على الإنترنت إلى شباب صاحب تأثير حقيقي في العملية السياسية، وعند حدوث ذلك، سيكون هناك تحول في الخطاب السياسي، بجانب دور حقيقي للسوشيال ميديا أكبر وأوضح تأثيرًا.