"مرة جديدة يثبت مركز استهداف تمويل الإرهاب حرصه الشديد على الأمن الدولي، من خلال تعطيل دور ونفوذ إيران وحزب الله في عدم الاستقرار في المنطقة، فمن خلال استهداف مجلس الشورى التابع لحزب الله، تكون الدول الأعضاء قد رفضت بشكل جماعي التمييز الزائف بين ما يسمى الجناح السياسي والجناح الإرهابي العالمي لحزب الله.

جاء ذلك في بيان لوزارة الخزانة الأمريكية، أعلنت فيه فرض عقوبات جديدة على حزب الله اللبناني، طالت هذه المرة أسماء قيادات بارزة بالحزب في مقدمتهم الأمين العام للحزب حسن نصرالله.

الخطوة الأمريكية تزامنت مع إعلان السعودية إلى جانب دول خليجية وضع الأمين العام لحزب الله وقيادات أخرى في الحزب على "قوائم الإرهاب" الخاصة بها، إضافة إلى أربع شركات قالت إنها مرتبطة بالحزب "وأمرت بتجميد أصول وأرصدة الأفراد".

العقوبات على حزب الله ليست جديدة، لكنها طالت الأمين العام لحزب الله اللبناني ونائبه نعيم قاسم

عقوبات أمريكية خليجية مزدوجة

بحسب بيان وزارة الخزانة الأمريكية على موقعها الإلكتروني، فإن قائمة الأسماء التي تشملها العقوبات طالت أربعة أفراد آخرين هم: نائب نصر الله نعيم قاسم ورئيس الهيئة الشرعية في حزب الله محمد يزبك ومعاون نصر الله للشؤون السياسية حسين الخليل ورئيس المجلس السياسي في حزب الله إبراهيم أمين السيد.  

وبموجب العقوبات التي تأتي بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف المشاركة في الاتفاق النووي مع إيران، والشروع في إعادة فرض العقوبات، تُصادر جميع أملاك وأصول الشخصيات المستهدفة، وتفرض قيودًا مشددة على فتح حسابات مصرفية لصالح حزب الله.

لكن لا يمكن فصل العقوبات الأمريكية على عدد من قادة حزب الله البارزين، عن العقوبات الخليجية المشابهة التي صدرت في اليوم نفسه (الأربعاء الماضي)، وعن الحملة التي تقودها واشنطن مؤخرًا بهدف الحد من نفوذ إيران، ومن أنشطتها المثيرة للجدل في دول عربية عدة.  

لا يمكن فصل العقوبات الأمريكية على عدد من قادة حزب الله البارزين، عن العقوبات الخليجية المشابهة التي صدرت في اليوم نفسه

في هذا اليوم، أدرجت السعودية وحلفاؤها في مركز استهداف تمويل الإرهاب (البحرين والكويت وسلطنة عمان وقطر والإمارات) عشرة من قادة حزب الله على قوائم الإرهاب، بينهم الخمسة الواردة أسماؤهم في العقوبات الأمريكية.

وإلى جانب نصرالله وقاسم والشيخ محمد يزبك وخليل وأمين السيد، فإن السعودية صنّفت أيضًا طلال حمية وعلي يوسف شرارة ومجموعة سبيكترم (الطيف) وحسن إبراهيمي وشركة ماهر للتجارة والمقاولات، على لوائح الإرهاب متهمة إياهم بالعمل على تمويل حزب الله من أراضي المملكة.

اللافت في جولة الضغوط الجديدة هو تنسيق سيناريو العقوبات بين عدد من الدول الخليجية ووزارة الخزانة الأمريكية

تنسيق سيناريو العقوبات

تأتي الجولة الثالثة من العقوبات التي تعلنها واشنطن منذ انسحبت من اتفاق إيران النووي الأسبوع الماضي، بالتزامن مع معلومات تتردد عن أن واشنطن ترغب في تأسيس تحالف دولي ضد إيران، يشمل كل أنشطة طهران، ومن المتوقع أن تظهر تفاصيل هذا التحالف خلال الأيام القادمة.

ورغم أن إدراج قيادات حزب الله على لائحة العقوبات الأمريكية ليس جديدًا على قيادات في الحزب، فاللافت في جولة الضغوط الجديدة هو تنسيق سيناريو العقوبات بين عدد من الدول الخليجية ووزارة الخزانة الأمريكية.   

ترغب واشنطن في "خنق" إيران من كل الاتجاهات، عن طريق معاقبة كل "وكلائها" في المنطقة، معتمدة على خزائن الخليج المفتوحة على مصراعيها لدعم هذه الخطوة

لكن المملكة السعودية بررت ذلك بأن القرار يأتي بالتنسيق مع أمريكا (الرئيس المشارك لمركز استهداف تمويل الإرهاب)، عملًا بنظام مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله في السعودية، وبما يتماشى مع قرار الأمم المتحدة الذي يستهدف الإرهابيين الذين يقدمون الدعم للإرهابيين أو الأعمال الإرهابية، بحسب ما نقلت وكالة "واس" السعودية.   

ويرى محللون أن العقوبات الجديدة على حزب الله، وإن كانت متوقعة خصوصًا في هذا التوقيت إلا أنها تشير إلى رغبة واشنطن في "خنق" إيران من كل الاتجاهات، عن طريق معاقبة كل وكلائها في المنطقة، معتمدة على خزائن الخليج المفتوحة على مصراعيها لدعم هذه الخطوة.

لكن لم يكن من المنتظر صدور قرار من هذا النوع بهذه السرّعة، خصوصًا فيما يتعلّق بلبنان، لأن كل التوقعات كانت تشير إلى أن التصعيد آتٍ، ولكن بعد الاستشارات النيابية وإعادة تكليف الرئيس سعد الحريري بتشكيل الحكومة، كي تضمن السعودية حصتها السياسية في المعادلة اللبنانية.   

المملكة السعودية.. رأس حربة في هذه الجولة

موقف دول الخليج الذي صدر مؤخرًا بدا في حد ذاته "إعلان دعم مطلق" لكل القرارات الأمريكية المتعلقة بإيران، لكن الأهم من القرار الأمريكي توازيه مع قرار سعودي صنّف عشرة أسماء من الحزب على قوائم الإرهاب.  

فقد كانت السعودية أكثر تماهيًا مع القرار الأمريكي، إذ أعلنت أنها ستواصل بالشراكة مع حلفائها "العمل على وقف تأثير حزب الله وإيران المزعزع للاستقرار في المنطقة، من خلال استهداف قادتهم بمَن فيهم الأعضاء الخمس التابعين لمجلس شورى حزب الله".

القرار السعودي هذه المرّة كان أكثر قسوة ومباشرة، مما دفع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى وصفه بـ"مواكبة الرياض لواشنطن

وعلى نحو أقل حدة، أعلنت الإمارات والبحرين والكويت عقوبات اقتصادية على قيادات في "مجلس شورى" الحزب اللبناني؛ الهيئة التي تتخذ القرارات في الحزب الشيعي اللبناني الذي أنشئ عام 1982.  

القرار السعودي هذه المرّة كان أكثر قسوة ومباشرة؛ ما دفع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى وصفه بـ"مواكبة الرياض لواشنطن في فرض عقوبات على حزب الله اللبناني"، واصفًا الأمر بأنه "أمر مخزٍ للسعودية".

وغرد ظريف عبر حسابه الرسمي على تويتر قائلًا: "القناصة الإسرائيليون أصابوا في يوم واحد أكثر من 2000 متظاهر فلسطيني عزل، فما الرد السعودي على أعتاب شهر رمضان؟ إنه التضامن مع أمريكا في فرض الحظر على أول قوة تمكنت بتحريرها أراضٍ عربية من تحطيم أسطورة "إسرائيل" التي لا تُقهر. خزي بعد خزي".

تأتي العقوبات بعد نتائج الانتخابات النيابية اللبنانية ما قد يصعّب عملية تكليف الحريري بتشكيل الحكومة

السؤال هنا عن التداعيات المحتملة على المشهد اللبناني

في التطابق السعودي الأمريكي ما يشير إلى أن التصعيد سيبلغ أوجَّه، خصوصًا أن الإجراءات استهدفت نصرالله، وقادة بارزين ومعروفين في الحزب، بخلاف القرارات السابقة التي كانت تستهدف شخصيات متمولة غير معروفة، وليس لها علاقة بالممارسة السياسية.

ولا شك أن حزمة العقوبات الأمريكية العربية ستترك أثرًا على الحياة السياسية في لبنان، لا سيما أن السعودية تشكل رأس حربة في هذه الجولة، التي تأتي قبل أيام من بدء المشاروات النيابية لتشكيل حكومة جديدة لا يزال المرشح الأول لرئاستها أقوى حلفاء المملكة في لبنان سعد الحريري.

والأهم أيضًا تأكيد السعودية أنها لا تفصل بين الجناح السياسي والعسكري في الحزب، وهذه أيضًا تعتبر فيتو جديد صريح وواضح يرفض مشاركة حزب الله في أي حكومة مقبلة، أو إذا ما شارك، فهذا يعني أن السعودية قد تذهب إلى التعامل مع لبنان كأنه دولة إرهابية أو دولة تتعامل مع الإرهاب وتوفر له الغطاء الرسمي والشرعي.

يتعلّق الهدف السياسي من العقوبات بتعزيز موازين القوى في الساحة اللبنانية، خصوصًا بعد نتائج الانتخابات النيابية، ما يصعب عملية تكليف الحريري بتشكيل الحكومة

ويرى مراقبون أن عدم التفريق بين الجناحين العسكري والسياسي لحزب الله من السعودية وجيرانها في الخليج يعتبر خطوة خطيرة في ميدان العلاقات اللبنانية الخليجية، لا سيما أن الحزب يشكل "بيضة قبان" في الميزان السياسي اللبناني، نظرًا لتمثيله الواسع في مجلس لنواب والوزراء، الأمر الذي لا بد أن يؤدي إلى تأخير وعرقلة تشكيل الحكومة اللبنانية العتيدة.

ويتعلّق الهدف السياسي من العقوبات بتعزيز موازين القوى في الساحة اللبنانية، خصوصًا بعد نتائج الانتخابات النيابية، ما يصعّب عملية تكليف الحريري بتشكيل الحكومة، كما أنها ستؤخر ولادة الحكومة؛ لأن حزب الله سيتشدد في الداخل كما ستتشدد إيران في الخارج، ما قد يفتح الباب أمام كثير من الاحتمالات، وهي إيجاد إيران ثغرة تستطيع من خلالها الردّ على ما تتعرض له ومحورها من ضغوط، وهذا قد يكون من خلال التصعيد الحاصل في فلسطين المحتلة.

فيما يعتبر البعض أن هذه الإجراءات محاولة خليجية لعدم تسمية الحريري لرئاسة الحكومة، ودفع حزب الله إلى تشكيل حكومة من حلفائه، وحينها سيكون هناك راحة في فرض مزيد من العقوبات على لبنان ككل، والضغط السياسي على اللبنانيين كافة، لإثبات مدى خطورة مخاصمة دول الخليج وأهمية دور الحريري على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

وفي انتظار كشف العقوبات التي تندرج ضمن سلة العقوبات الأمريكية الخليجية، يبقى لبنان ساحة للتكهن بشأن الخطوات اللازمة لمواجهة التداعيات المحتملة للعقوبات الأمريكية الخليجية على المستويين الداخلي والخارجي.