لا يخلو المشهد الرمضانيّ العربيّ من الأناشيد والتواشيح التي تغنّت بالشهر الكريم وبمظاهره ومكانته، وتلك التي ودّعته في العشر الأواخر منه بألم المحبّ الذي يتمنى بقاء حبيبه ويستوحش ذهابه. ومنذ ثلاثينات القرن الماضي تقريبًا، اشتهر عدد كبير من الأغاني التي ارتبطت بالشهر المبارك، وأصبحت واحدةً من طقوسه، فلا يكاد يبدأ دون الاستماع لها، سواء على القنوات التلفزيونية أو تشغيلها على موقع يوتيوب وغيره.

ووفقًا لكتب التاريخ، فقد عرف المصريّون الغناء والأناشيد الخاصة بشهر رمضان منذ عهد الدولة الفاطمية، إذ ظهرت وظيفة "المسحرّاتي" الذي يتولّى إنشاد التسابيح والابتهالات الخاصة بليالي رمضان وقت السحَر وإيقاظه الخليفة والشعب قبيل أذان الفجر لتناول السحور.

ثمّ ورث المماليك معظم عادات الفاطميين الاحتفالية، فيذكر مؤرّخو ذلك العصر أنّ الناس كانوا ينتظرون المسحراتي للاستماع إلى أدعيته وابتهالاته وارتجالاته، وأنّ الشجن يبلغ بهم منتهاه في أواخر الشهر عندما يقترب رمضان من نهايته، فيغنون موشّحاتٍ صيغت بشكلٍ خاص للعشر الأواخر من الشهر ولياليها، وهو ما أطلقوا عليه اسم "التواحيش"، حيث كانت تبدأ دومًا بعبارة "لا أوحش الله منك يا شهر الصيام". ولا تزال هذه العادة معروفة في كثيرٍ من المدن العربيّة حتى يومنا هذا.

من الأغنيات التي استقبلت الشهر الكريم ورحّبت به أيما ترحاب،  أغنية "رمضان جانا" لمحمد عبد المطلب، من كلمات حسين طنطاوي وألحان محمود الشريف

ولم يلمع نجم الأغنية الرمضانية في العالم العربيّ على امتداده إلا بعد نشأة الإذاعة المصرية عام 1936، واهتمامها بتكليف الشعراء والملحّنين بتأليف وتلحين القصائد والكلمات الخاصة برمضان، وبثّها للمستمعين، سواء على شكل فواصل إذاعية أو أغنياتٍ كاملة، إلى جانب تلك الأغاني التي عُرفت عن طريق البرامج الغنائية.

وعلى اختلاف مواضيع تلك الأغاني الإذاعية، يمكن تصنيفها بشكلٍ عام إلى أربعة موضوعات؛ فمنها الأغاني التي تحدثت كلماتها عن رؤية الهلال واستقبال الشهر الكريم والمشاعر المرتبطة به من فرحٍ وحماسٍ وتشوقٍ وما إلى ذلك. وهناك أغنياتٌ عن المظاهر التي يمتاز بها شهر رمضان عن غيره من الشهور من زينة وفوانيس وحلويات ومشروبات وغيرها. وأغنيات في فضائل صومه وأيامه ولياليه، وهناك أغنيات التواحيش التي تقال في وداعه في العشر الأواخر من لياليه.

أمّا الأغنيات التي استقبلت الشهر الكريم ورحّبت به أيما ترحاب، فلعلّ أشهرها هي أغنية "رمضان جانا" لمحمد عبد المطلب، من كلمات حسين طنطاوي وألحان محمود الشريف، والتي يُطلق عليها البعض "النشيد الرسمي لرمضان"، إذ تتحدث عن فرحة استقبال الشهر بعد غياب عامٍ كامل، وعن الاستعداد له والتشوق للقائه، بكلماتٍ مصحوبة بموسيقى صوتِ الناي والطبل اللذين يرتبطان بالفن الإسلاميّ، فينقلان إحساسًا شبيهًا بأجواء بداية الشهر والاستعداد لها.

في التراث الشاميّ، فقد برع عددٌ كبير من المنشدين السوريّين، لا سيّما الحلبيّين، في إنشاد الأناشيد والتوشيحات المتعلّقة بشهر رمضان والتغنّي بقدومه

وقد غنى عبد المطلب "رمضان جانا" في بداية الخمسينيات، متقاضيًا عنها مبلغ 6 جنيهات فقط، إلا أنها حققت شهرةً واسعة وأصبحت الأكثر تداولًا على مدى سنين طويلة مع كلّ بدايةٍ للشهر الكريم، لدرجة أنّ عبد المطلب نفسه قال مازحًا ذات مرة أنه لو أخذ جنيهًا عن كل مرة تذاع فيها الأغنية لأصبح مليونيرًا مع الوقت.

كما تحتوي مكتبة الإذاعة المصرية على الكثير من الأغاني الشهيرة الأخرى، مثل "مرحب شهر الصوم" لعبد العزيز محمود، و"هاتوا الفوانيس يا اولاد" لمحمد فوزي، و"رمضان أهو جا يا ولاد" للثلاثي المرح سهام توفيق وصفاء لطفي وسناء الباروني، حيث أصبحت من أكثر الأغنيات التي تنشر الإحساس بالبهجة والفرح بقدوم رمضان بكلمات بسيطة "أهوه جيه يا ولاد، هيصوا يا ولاد، أهوه جيه يا ولاد، زقططوا يا ولاد، في كل عام ويانا معاد، وعمره ما بيخلفش معاد". 

إضافةً للعديد من الأغاني الأخرى المتنوعة في ألحانها وكلماتها والمواضيع التي تركّز عليها، مثل "هليت علينا يا شهر الصوم" و"لما هلالك هل وبان"، و"نورت يا رمضان"، وأخرى في وداعه لعلّ من أشهرها أغنية "تم البدر بدري والله لسه بدري يا شهر الصيام" لشريفة فاضل.

أمّا في التراث الشاميّ، فقد برع عددٌ كبير من المنشدين السوريّين، لا سيّما الحلبيّين، في إنشاد الأناشيد والتوشيحات المتعلّقة بشهر رمضان والتغنّي بقدومه. مثل هذا الموشّح الحلبيّ الشهير، الذي كتب كلماته محمد عاصي، ولحّنه صبري مدلل، وأدّاه المنشد الحلبي محمد أنيس.

ولعلّ الكثيرين أيضًا لا يزالون حتى يومنا هذا يستمعون إلى "رمضان تجلّى وابتسم.. طوبى للعبد إذا اغتنمَ"، مع اقتراب شهر رمضان أو بعد دخول أيامه، كنوعٍ من الحنين والنوستالجيا لذلك الزمن الذي كانت فيه الشام تصدح بهذه التواشيح والأناشيد، خاصة بصوت توفيق المنجد وفرقته التي بدأت منذ عام 1947 ببثّ أناشيدها عبر إذاعة دمشق، أو من داخل الجامع الأمويّ.

كثيرٌ من الفرق والمنشدين أعادوا غناء تلك الأناشيد محافظين على اللحن نفسه أو بتغيير فيه، في سبيل إحياء التراث الدينيّ الرمضانيّ الأثير. استمع لهذه النسخة من أغنيتي رمضان جانا ورمضان تجلى وابتسم، التي أدتها فرقة الأخوة أبو شعر بطريقةٍ مفعمة بالجمال والحنين الأصيل.