بدأت السلطات الفرنسية تحضيراتها لعقد مؤتمر دولي في الـ29 من شهر مايو/أيار الحاليّ لمناقشة مبادرة لها لحل الأزمة الليبية، مبادرة جديدة تأتي بعد أقل من سنة من مبادرة أولى قدمتها باريس لتسهيل التفاهم السياسي بين أبرز الأطراف الليبية على رأسها رئيس المجلس الرئاسي الليبي فائز السراج وقائد قوات الكرامة اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

مبادرة جديدة

رغم عدم وجود تأكيد رسمي إلى الآن، كشفت تقارير إعلامية ومصادر دبلوماسية هذه القمة المرتقبة، ونشرت وكالة رويترز برقية دبلوماسية أرسلت إلى عدد من الدول، بينها إيطاليا وتركيا وقطر والإمارات وعدد من دول الجوار، إضافة إلى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيعقد الاجتماع في وقت قريب للغاية في العاصمة الفرنسية باريس.

هذه البرقية ذكرت أن الهدف من الاجتماع التوصل إلى اتفاق بين الأطراف الليبية تحت رعاية مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة، لتبني الترتيبات اللازمة لإجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن هذا العام.

تأتي هذه المبادرة بعد أيام من إعلان اللجنة الرباعية حول ليبيا دعمها لضرورة إجراء الانتخابات قبل نهاية العام الحاليّ

ومن المتوقع حضور 4 أطراف ليبية، وهي رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج ورئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري (أو أحد نوابه) وقائد قوات الكرامة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، فضلًا عن ممثلين عن كل من مصر والجزائر وتشاد والصين وألمانيا وإيطاليا والمغرب والنيجر وقطر وروسيا والسودان وتونس وتركيا والمملكة المتحدة والإمارات والولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية.

ومن المنتظر أن يناقش الحضور المبادرة الفرنسية الجديدة وبنودها، على أن يتم اعتمادها والتوقيع عليها من الشخصيات الليبية الـ4، بالإضافة إلى اعتمادها من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، الممثلة جميعها في المؤتمر، وتأتي هذه المبادرة بعد أيام من إعلان اللجنة الرباعية حول ليبيا دعمها لضرورة إجراء الانتخابات قبل نهاية العام الحاليّ، وتضم اللجنة الرباعية كل من الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي وبعثة الأمم المتحدة في ليبيا.

12 بندًا

هذه المبادرة الفرنسية الجديدة من المنتظر أن تتضمن 12 بندًا، على رأسها الاتفاق على إجراء الانتخابات قبل نهاية عام 2018 بناءً على جدول زمني تعلنه البعثة الأممية، وبإشرافٍ من المفوضية العليا للانتخابات وحكومة الوفاق الوطني، على أن تضمن قوى الأمن الليبية بالتنسيق مع الأمم المتحدة والاتحادين الأوروبي والإفريقي والجامعة العربية أمن التحضير للانتخابات في البلاد، وعملية الاقتراع تحت إشراف دولي بالتوازي مع فرض عقوبات من المجتمع الدولي على أي معرقل أو معيق أو متدخل في عملية الاقتراع.

تنص هذه المبادرة على وقف إطلاق النار

إلى جانب توحيد مؤسسات الدولة السيادية وأولها المصرف المركزي، وإنهاء كل المؤسسات الموازية للإدارات الرئيسية، وإعادة فتح دورة جديدة لتسجيل الناخبين في منظومة الانتخابات لفترة إضافية مدتها 60 يومًا، وحث الأطراف على الاعتراف بالدستور الذي وضعته هيئة صياغة الدستور كأساس لأي كيان للدولة وسيادتها، ووضع جدول زمني محدد للاستفتاء عليه.

فضلًا عن ذلك، من المنتظر أن تنص هذه المبادرة على الالتزام بدعم الحوار العسكري الليبي الجاري في القاهرة، والالتزام بدعم توحيد الجيش وتشكيل الهيكلة العسكرية الوطنية التي ستعتمد بعد الانتخابات، على أن يكون الجيش تحت قيادة مدنية بالتزامن مع العملية الانتخابية، تلتزم الدول المعنية بالملف الليبي بدعم ليبيا والسلطات الليبية، من أجل تحسين الخدمات المقدمة إلى المواطنين (الوصول للماء والكهرباء)، وتدعو المبادرة إلى مؤتمر ليبي بعد 3 أشهر لمتابعة تنفيذ الاتفاق الفرنسي.

مبادرة استعراضية

هذه المبادرة تأتي تتمة لمبادرة سابقة قدمتها باريس نهاية شهر يوليو/تموز الماضي، تعهد على إثرها السراج وحفتر على العمل معًا لإخراج بلادهما من الفوضى، ودعوا في بيان تضمن 10 نقاط لوقف إطلاق نار لا يشمل مكافحة الإرهاب وإجراء انتخابات بالتعاون مع المؤسسات المعنية، وبدعم وإشراف منظمة الأمم المتحدة.

تلك المبادرة لم تتجاوز الورقة التي كتبت فيها، حيث لم يتحقق أي بند فيها بعد أن تنصل حفتر وجماعته من جميع ما تم الاتفاق عليه، مع أن الإليزيه حينها أوضح أهداف اتفاق المبادئ قائلًا في بيانه إن الأهداف الأساسية لإدارة ماكرون في ليبيا هي إعادة الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب ووضع حد للهجرة غير الشرعية من السواحل الليبية.

المبادرة الفرنسية الجديدة، وصفها بعض المراقبين بكونها لا تعدو أن تكون مبادرة استعراضية، حيث تواجه صعوبات عديدة حتى تطبق كما حصل مع المبادرات التي سبقتها، فرغم مرور قرابة السنتين ونصف على إبرام مختلف الأطراف المتدخلة في الشأن الليبي للاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات المغربية بمباركة دولية وأممية، فإن هذا الاتفاق ظل حبرًا على ورق ولم يطبق على الأرض، مما زاد من تعقيد الوضع الميداني والسياسي في البلد الذي يعاني من انتشار كبير للسلاح ويشكو الفوضى في معظم أنحائه.

يعكس هذا الاجتماع المنتظر رغبة رئاسية فرنسية في لعب دور ريادي في الملف الليبي بعد غياب

من الأسباب التي يمكن أن تفشل هذا الاتفاق الأخير، انفراد باريس بالإعداد له وإقصائها دول الجوار الليبي وإيطاليا، بحثًا لها عن نفوذ فقدته في المنطقة، وضمان موطئ قدم واضح وثابت على مستوى الملف الليبي، كما أن باريس تسعى من خلال الملف الليبي إلى العودة لشمال إفريقيا والإمساك بزمام الأمور هناك.

ويعكس هذا الاجتماع المنتظر رغبة رئاسية فرنسية في لعب دور ريادي في الملف الليبي بعد غياب، لما يحتضنه من تحديات في 3 ميادين هي الاستقرار في شمال إفريقيا وبلدان الساحل، والحرب على الإرهاب والخوف من تحول ليبيا إلى بيئة رئيسية حاضنة لـ"داعش" والتنظيمات الإرهابية المختلفة، وأخيرًا تدفق تيارات الهجرة نحو الاتحاد الأوروبي انطلاقًا من الشواطئ الليبية بسبب غياب الدولة والافتقار إلى الرقابة.

إضافة إلى ذلك، يرى مراقبون صعوبة نجاح مبادرة باريس بالنظر إلى الوضع الليبي الراهن الذي يتسم بالتعقيد والفوضى التي تسود البلاد منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي نهاية 2011 وسط تنازع السلطة وتهديدات المليشيات المسلحة وتهريب الأسلحة والبشر، ويضاف إلى كل ذلك ضلوع قوى إقليمية عدة في النزاع ودفعها نحو المزيد من تعقيده.

وتعيش ليبيا منذ سنة 2014 على وقع انقسام سياسي كبير، أثر على كامل مناحي البلاد، حيث تدار بـ3 حكومات منفصلة، واحدة في الشرق يقودها عبد الله الثني، في حين تدار العاصمة طرابلس بحكومتين هما حكومة الوفاق الوطني المدعومة دوليًا برئاسة فايز السراج، وحكومة الإنقاذ الوطني التي يقودها خليفة الغويل، بعد فشل اتفاق الصخيرات الموقع في 17 من ديسمبر/كانون الأول في إحلال السلام في البلاد.

الانتخابات

تحرص فرنسا على الدفع بعجلة الانتخابات الليبية منذ إعلان المفوضية الوطنية العليا للانتخابات رسميًا البدء في عملية تسجيل الناخبين وتحديث السجل الانتخابي مطلع ديسمبر الماضي، حين سارعت فرنسا عن طريق سفيرتها لدى ليبيا بريجيت كورمي إلى توقيع اتفاق مساهمة فرنسا بـ200 ألف يورو لصندوق المشروع الانتخابي الليبي، وأشارت السفيرة الفرنسية خلال حفل توقيع الاتفاق حينها إلى أن نجاح الانتخابات مسؤولية مشتركة بين الليبيين والمجتمع الدولي.

هذا الحرص الفرنسي لإنجاز الانتخابات، حتى قبل إقرار الدستور يلاقي معارضة كبيرة من أطراف ليبية عدة، حيث تصر هذه الأطراف على رأسها مجلس الدولة الذي يترأسه خالد المشري، على ضرورة تنظيم استفتاء على الدستور قبل المضي في الانتخابات وفقًا لمقترح المبعوث الأممي غسان سلامة، وتمكين الليبيين من التصويت عليه ليكون أساسًا لإنهاء ما أسماه نزيف المراحل الانتقالية والعبور بالبلاد نحو الاستقرار.

تضارب وجهات النظر بخصوص الانتخابات

تأكيد مجلس الدولة ضرورة اعتماد الدستور الجديد قبل إجراء الانتخابات، جاء نتيجة خشيتهم من إطالة أمد الفترة الانتقالية التي تعرفها البلاد، ذلك أن إجراء الانتخابات قبل اعتماد دستور جديد سيؤدي إلى إطالة المدة الانتقالية وسريان حالة من الشك، بما يأتي معها من اضطراب سياسي وصراع مسلح.

ومن شأن اعتماد دستور جديد، حسب هؤلاء الخبراء، تمهيد الطريق لحل الاضطرابات الليبية وضمان الانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية مبنية على التعددية الفكرية والسياسية والثقافية، تستجيب لطموحات الليبيين وتطلعاتهم، ويضمن لهم العدالة الاجتماعية والمشاركة في الحياة السياسية.

ويعتبر هذا الدستور "كارثة" بالنسبة لدعاة الانقسام في ليبيا، ذلك أنه سينهي كل الأجسام الحاليّة التي جاءت نتيجة الانقسام في البلاد وتضارب المصالح والنفوذ، وسيدلي الستار على المرحلة الانتقالية ويبدأ في مرحلة دستورية دائمة تضع حدًا للميليشيات المنتشرة في ليبيا التي تتغذى من الانقسام الحاصل في هذا البلد العربي.