رؤساء مجموعة دول شرق إفريقيا

تحتضن العاصمة الفرنسية باريس، غدًا الثلاثاء، مؤتمرًا دوليًا برعاية الأمم المتحدة، تلتقي خلاله الأطراف الليبية المتنافسة للاتفاق على خريطة طريق تهدف إلى حل القضايا المتنازع عليها لتمهيد الطريق لإجراء انتخابات تدعمها الأمم المتحدة قبل نهاية 2018.

لئن كان الهدف من هذا المؤتمر "توفير الظروف للخروج من الأزمة" في ليبيا وذلك عبر "إشعار الفاعلين الوطنيين والدوليين كافة بمسؤولياتهم"، وفقًا للرئاسة الفرنسية، فقد شككت وسائل إعلام إيطالية ومسؤولون رسميون في إيطاليا في الهدف الفرنسي منه.

انتخابات قبل نهاية 2018

هذا المؤتمر، من المنتظر أن يحضره أبرز أربعة أطراف في ليبيا وهم رئيس حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا فايز السراج ورئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري (أو أحد نوابه) وقائد قوات الكرامة اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

ووافق هؤلاء على توقيع إعلان "يحدد إطار عملية سياسية" تنص على تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية إذا أمكن قبل نهاية 2018، وفق الرئاسة الفرنسية، وسيتم قطع هذا التعهد بحضور ممثلي 19 دولة معنية بالملف وهي دول الجوار (تونس والجزائر ومصر وتشاد) وأخرى من المنطقة (المغرب والسعودية والكويت والإمارات وقطر وتركيا) وإيطاليا (القوة الاستعمارية سابقًا) والدول الخمسة الدائمة العضوية في مجلس الأمن (روسيا والصين وفرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة) إضافة إلى ألمانيا.

تحرص فرنسا على إجراء انتخابات ليبية في أقرب وقت ممكن رغم المخاطر التي يمكن أن تنجر عن ذلك

كما سيشارك في الاجتماع رئيس الكونغو دنيس ساسو نغيسو بوصفه رئيسًا للجنة العليا للاتحاد الإفريقي بشأن ليبيا وكذلك رئيس بعثة الأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة المكلف بالإشراف على العملية، وسيتم بالمناسبة تفعيل "مسؤولية المجتمع الدولي" بشأن مستقبل ليبيا.

وتنصّ هذه المبادرة الفرنسية التي من المنتظر أن تتضمن 12 بندًا، فضلاً عن الدعوة للانتخابات، دعوة لتوحيد مؤسسات الدولة السيادية وأولها المصرف المركزي وإنهاء كل المؤسسات الموازية للإدارات الرئيسية، والالتزام بدعم تشكيل جيش وطني والموافقة على عقد مؤتمر سياسي شامل خلال ثلاثة أشهر، وتهدد المسودة بفرض عقوبات دولية على من يعرقلون الاتفاق أو يتنازعون على نتيجة الانتخابات.

رفض إيطالي

هذه المبادرة الفرنسية الجديدة لاقت رفضًا إيطاليًا كبيرًا، حيث حذر السفير الإيطالي لدى ليبيا جوزيبي بيروني، اليوم الأحد، من أن الانقسامات والمبادرات غير المنظمة تساهم في عودة قوارب الموت، في إشارة إلى المبادرة الفرنسية لحل الأزمة الليبية.

https://twitter.com/Assafir_Perrone/status/1000687367802556417

واعتبر السفير الإيطالي، في مقابلة مع جريدة "لاماتينو" الإيطالية، أن "الهدف ليس زيادة الالتزامات، بل تنفيذ ما جرى الالتزام عليه بشأن ليبيا"، وأوضح أن خطة عمل المبعوث الأممي لدى ليبيا غسان سلامة هي الطريق الذي يجب أن يتبع، مضيفًا: "دستور، قانون انتخابي، أمن ومصالحة تأتي كمقدمة للانتخابات في أقرب وقت".

وترتكز خريطة المبعوث الأممي غسان سلامة التي أعلنها في 20 من سبتمبر/أيلول الماضي، على 3 مراحل رئيسية، تشمل تعديل الاتفاق السياسي وعقد مؤتمر وطني يهدف لفتح الباب أمام المستبعدين من جولات الحوار السابق وإجراء استفتاء لاعتماد الدستور وانتخابات برلمانية ورئاسية.

تخشى إيطاليا من تنامي الدور الفرنسي في ليبيا

إلى جانب ذلك، اتهمت صحيفة "إل جورنالي" الإيطالية، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمحاولة سرقة ثروات ليبيا، مشيرة في مقال ورد في إحدى صفحاتها إلى ما قالت إنها أطماع ماكرون في ثروات المستعمرة الإيطالية السابقة وثرواتها الغنية، واتهمت الصحيفة الإيطالية الصادرة أمس الأحد، الرئيس ماكرون بالسعي لضرب المصالح الإيطالية في ليبيا خاصة في حقول الغاز والنفط.

وتحرص فرنسا على إجراء انتخابات ليبية في أقرب وقت ممكن رغم المخاطر التي يمكن أن تنجر عن ذلك، ويؤكد متابعون صعوبة تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية هذه السنة، والحال أنه لم يتم بعد الاستفتاء على الدستور، كما أن البلاد لا تمتلك المؤسسات التي يمكن لها أن تشرف على انتخابات نزيهة وديمقراطية، كما أن الحديث عن وقف إطلاق النار في غياب آليات وطرق ذلك وفي ظل انتشار كبير للسلاح والمليشيات الخارجة عن القانون لن يؤدي إلى تحقيق المبتغى.

تحذير من دور فرنسي "مشبوه"

ترى إيطاليا أن ماكرون يسعى من خلال هذه المبادرة إلى القفز على جهود العديد من الدول والمنظمات تجاه الأزمة الليبية خاصة المبادرة الأممية، وجاءت مبادرة فرنسا عقب إحاطة المبعوث الأممي غسان سلامة أمام مجلس الأمن التي نبه فيها إلى ضرورة توحيد الخطاب والأفعال بين أعضاء مجلس الأمن، لتجنب إطالة أمد الأزمة بليبيا.

فضلاً عن ذلك يرى مسؤولون إيطاليون أن فرنسا أهملت دور بلادهم الفعال في ليبيا، وذلك من خلال عدم تشريكها في صياغة هذه المبادرة، ويؤكّد هؤلاء أن باريس تسعى من خلال تجاهل دور بلادهم إلى البحث عن نفوذ لها في المنطقة، وهو ما يتعارض مع التوجه الإيطالي.

ويؤكّد خبراء أن باريس مأخوذة في ليبيا بمطامع تاريخية في الجنوب الليبي الذي كان ضمن مستعمراتها في شمال إفريقيا، كما أنها تنظر إلى تمدد الجماعات المسلحة على أنه أحد أكبر التهديدات لأمنها الاقتصادي في منطقة الصحراء الكبرى التي تنشط فيها كبريات الشركات الفرنسية بحثًا عن الذهب واليورانيوم والنفط.

ويرى الجانب الإيطالي في ليبيا منطقة نفوذ له، فجغرافيًا لا تفصل ليبيا عن إيطاليا إلا أمواج المتوسط، وتاريخيًا كانت ليبيا أهم المستعمرات الإيطالية في إفريقيا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ولم تنقطع الصلات بين البلدين حتى عندما كانت ليبيا في عزلة جراء العقوبات التي فرضت عليها عام 1992، فقد ظلت شركة "إيني" الإيطالية المستثمر الأساسي في الغاز والنفط الليبي، وكانت روما إحدى بوابات عودة ليبيا للمجتمع الدولي التي بدأت تدريجيًا 2003.

تسعى إيطاليا لاستغلال الأزمة الليبية لإعادة تموضعها الجيوسياسي

وسبق أن تولت إيطاليا قيادة الجهود الرامية إلى إحلال السلام في مستعمرتها السابقة، وتحملت عبء الموجات المتعاقبة من المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين الذين يعبرون البحر المتوسط انطلاقًا من الشواطئ الليبية نحو شواطئ جزيرة لامبادوزا، وترى إيطاليا في فرنسا المسؤولة الأولى عما وصلت له ليبيا عقب التدخل العسكري ضدها سنة 2011، ودعتها إلى عدم تكرار الأخطاء التي اُرتُكبت في ليبيا بالماضي.

السياسة الإيطالية في ليبيا، ترتكز حسب مسؤولين في روما، على ثلاثة مسارات، أهمها دعم حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج ومساعدة الفصائل الليبية في التوصل إلى توافق والحفاظ على موقف دولي موحد بشأن التوصل إلى تسوية سلمية للأزمة.

ماذا عن الدور الإيطالي؟

هذا الرفض الإيطالي للمبادرة الفرنسية، الهدف منه ليس حماية ليبيا كما يروّج له الإيطاليون، فهم أيضًا يسعون إلى تثبيت مكانتهم في هذا البلد العربي الذي يعاني الانقسام منذ سنة 2014، حيث تحكمه العديد من المؤسسات المتناحرة التي تفتقد معظمها إلى الشرعية رغم ادعاء امتلاكها.

وتعتبر إيطاليا، ليبيا "المستعمرة" القديمة التي لا يجب مزاحمتها عليها، فليبيا بالنسبة إليها مجال حيوي خاص وأرض خصبة لا يجب أن يكثر حولها الطامعون، لذلك فهي تسعى إلى عدم تهميش دورها في العملية السياسية في ليبيا والحفاظ على مصالحها النفطية وضمان إدارة عملية مكافحة تهريب اللاجئين.

تسعى إيطاليا للسيطرة على منافذ المهاجرين البرية والبحرية

وتسعى إيطاليا لاستغلال الأزمة الليبية لإعادة تموضعها الجيوسياسي وتعزيز علاقاتها مع الجوار المتوسطي، فهي ترى أن الحل الرئيسي للأزمة الأمنية والاقتصادية الإيطالية يكمن في التوجه نحو الضفة الجنوبية للمتوسط.

وتأمل روما في الحصول على النصيب الأكبر من السوق الليبية وتأمين أسواق مستقبلية لإصلاح اقتصادها المتردي، في ظل المنافسة مع العديد من القوى الإقليمية في ليبيا خاصة بمجال النفط، فليبيا تحتوي على ثروات هائلة من النفط وتقدر احتياطاتها بنحو 46.6 مليار برميل، وهي الأكبر في إفريقيا.

صعوبة الوصول إلى حل

هذا الصراع الفرنسي الإيطالي بخصوص الملف الليبي من شأنه أن يزيد تعقيد الأزمة هناك، ويظهر عدم اتفاق باريس وروما على رؤى موحدة في ليبيا من خلال حالة التضارب في آليات حل الأزمة لكلا البلدين، ففي الوقت الذي تدعم فرنسا خليفة حفتر عسكريًا وماليًا، تدعم روما حكومة الوفاق الوطني وتعتبرها المعبر الشرعي الوحيد عن الشعب الليبي.