شهدت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات القليلة الماضية حملات وُصفت بـ"التشويه الممنهج"؛ لمقاطعة السياحة التركية بدعوى تردي الوضع الأمني والعنف، سخَّرت خلالها الإمارات والسعودية ما يُسمى بـ"الذباب الإلكتروني" للتحريض على تركيا، عبر حملات تعدي فيها المغردين الحديث عن مقاطعة السياحة إلى الحديث عن الجرائم المجتمعية ضد النساء في تركيا، في إطار التخويف من السياحة هناك.

حملة تشويه ممنهجة

بدأت رائحة الحملة في الظهور مع تحذيرات للسفير التركي بالرياض، أردوغان كوك من وجود أطراف ووسائل إعلام وصحفيين يعملون على تخريب العلاقات التركية السعودية المتجذرة والعميقة، ويحاولون نشر الإشاعات والسموم فيها، وذلك خلال الملتقى الإعلامي التركي السعودي، الذي أقيم في العاصمة التركية أنقرة، مساء الأربعاء الماضي، بمشاركة عدد كبير من الدبلوماسيين والإعلاميين من تركيا والسعودية، بينهم 29 إعلاميًا سعوديًا.

وردًا على كلام السفير التركي، حملت كلمات نظيره سفير المملكة لدى أنقرة وليد بن عبد الكريم الخريجي، بعض المزايدات على وجود "أقلام مشبوهة تسعى لإحداث شرخ بين تركيا والسعودية"، لكنها تصريحاته على هامش الملتقى لم تخل في نفس الوقت من مخاوف ملتبسة بشأن السياحة في تركيا وإجراءات السفارة السعودية هناك، والتي نقلها الإعلامي السعودي، سعد الحربي، قائلاً الخريجي قال إنه "لو هناك محظور ستقوم السفارة السعودية بدورها بالتنبيه.

بيد أن تطيمنات المسئولين لم تروق لبعض وسائل الإعلام السعودي التي تتبع السياسات الحاكمة، وجاءت تفسيراتها بما أثَّر بالفعل على العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، حاملةً اتهامات لوسائل إعلام تركية وصحافيين أتراك لتخريب العلاقات بين البلدين، وهو ما سرع من القيام بحملة لضرب الساحة التركية، لم تخل منها أيادي الجارة الإمارات.  

لكن هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها تركيا حملات من هذا القبيل، فقد سبق أن انتشرت دعوات إلكترونية لمقاطعة السياحة في تركيا من جانب سعوديين وإماراتيين في ديسمبر/كانون الأول 2017، على خلفية التوترات السياسية بين تركيا من جانب والسعودية والإمارات من جانب آخر.

ويأتي تصعيد حملات مقاطعة السياحة في تركيا يأتي هذه المرة قبل نحو شهر من تنظيم الانتخابات العامة التركية المبكرة التي دعا إليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ما دفع مراقبون إلى تفسير هذه الخطوة أنها تسعى إلى إلحاق الضرر بتركيا مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية (في 24 حزيران/ يونيو القادم).  

يقول كريم البوشي المتخصص في السياحة الخليجية، إن "حملات تشويه السياحة والطعن في الأمان بتركيا خلال الأيام الأخيرة، تستهدف الإساءة لتركيا قبل الانتخابات، ليس إلا"

كما تأتي الحملة التي تقودها أيادي خليجية متزامنةً مع هجوم دولي حاد على الاقتصاد التركي، وتعرض الليرة التركية لضغوط دفعتها إلى تراجع حاد خلال الفترة الماضية، ما أرجعه محللون إلى عوامل سياسية، بهدف الحد من شعبية أردوغان، في ظلّ استطلاعات الرأي التي تُظهر تقدّمه المتوقّع في الانتخابات المقبلة.  

في سياق ذلك، يقول كريم البوشي المتخصص في السياحة الخليجية، في حديث لصحيفة "العربي الجديد"، إن "حملات تشويه السياحة والطعن في الأمان بتركيا خلال الأيام الأخيرة، تستهدف الإساءة لتركيا قبل الانتخابات، ليس إلا". ويضيف: "لم نبلغ بمقاطعة شركات سعودية السياحة في تركيا، وكل ما ورد على تويتر، قد يكون وراءه شركات ومكاتب حجز وهمية أو مؤسسات انخرطت ضمن حملة استهداف السياحة التركية".

تسخير "الذباب الإلكتروني"

بدأت حرب تغريدات، جنودها لا يخفون على أحد، وأسلحتها الحواسيب، وساحتها منصات التواصل الاجتماعي، وتمثلت في حملة أطلق عليها مجموعة من المغردين الإماراتيين وسمًا "هاشتاغ" يدعون من خلاله لمقاطعة السياحة في تركيا، سبقها دعوات للجهات الرسمية بإصدار تحذيراً واضحاً لمواطنيها بعدم السفر الى تركيا.

وحملت التغريدات قوالب ركزت على مجموعة من النقاط لحث المتابعين عن الامتناع عن قضاء العطلة في إسطنبول وغيرها من المدن التركية، ونشرت مقاطع فيديو معدة بشكل موحد للحديث عن "فساد الشرطة والاحتيال على الخليجيين وانتشار السرقة والحقد العثماني على العرب"، وفق وصف الناشرين

كان لافتا دعوة بعض المغردين الإماراتيين لمقاطعة السياحة في تركيا بحجة أن الأخيرة تملك علاقات مع إسرائيل على الرغم من التقارير الغربية التي تتحدث عن تواصل سري بين أبو ظبي وتل أبيب.

وظهر من بين من تفاعلوا مع هذا الهاشتاغ اثنان من أشهر مغردي الإمارات وهما ماجد الرئيسي وحسن سجواني المقربان من السلطات واللذان يعدان من المغردين المثيرين للجدل بآرائهم

وكان لافتا دعوة بعض المغردين الإماراتيين لمقاطعة السياحة في تركيا بحجة أن الأخيرة تملك علاقات مع إسرائيل على الرغم من التقارير الغربية التي تتحدث عن تواصل سري بين أبو ظبي وتل أبيب.   

في المقابل، أطلق ناشطون من دول عربية، مساء أمس الأحد، حملة على مواقع التواصل الاجتماعي لدعم الاقتصاد التركي، ولقي شعار الحملة الذي حمل وسم "#صيفنا_في_تركيا_أحلى" رواجاً كبيرا فور انطلاقه على تويتر.

وتأتي الحملة، وفق مطلقيها، بهدف دعم اقتصاد تركيا وتشجيع السياح لقضاء عطلة صيف هذا العام، وإظهار التأييد للشعب التركي والحكومة التركية في ما يتعرضان له من مكائد خارجية تسعى لضرب اقتصاد البلاد وعملتها الوطنية قبيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي تشهدها تركيا في 24 يونيو/حزيران المقبل.

وبالنظر إلى فتح العديد من المطارات الحديثة في معظم المدن التركية، إضافة إلى بناء مطار حديث، ربما سيكون من أكبر المطارات العالمية، في مدينة إسطنبول، فإن هناك مؤشرات على تجاوز أرقام التوقعات في عدد الطائرات التي تستخدمها المطارات التركية، وخصوصاً مطار إسطنبول الجديد، وكذلك في عدد السياح الأجانب الذين يصطافون في المنتجعات التركية السياحية والصحية والمدن والمواقع الأثرية.

فتش عن السعودية والإمارات 

لم تقف المشاركة في الحملة الموجهة عند حد التغريدات والمنشورات المتداولة مواقع التواصل الاجتماعي، والتي شارك فيها أشهر مغردي الإمارات والسعودية، بل تعدى الأمر إلى تسخير وسائل الإعلام الحكومية، ما  حمل انطباعًا بوجود أطراف سعودية وإماراتية مدعومة رسمياً لشنّ حرب كلامية وتحريضيّة ضد تركيا.

واشتركت مواقع إخبارية إماراتية في الدعوة للمقاطعة، ومن بينها موقع برق الإمارات محذرًا السياح من "تحول العطلة إلى كابوس"، كما تذيلت مصر كالعادة القائمة بالتبيعة، وعملت وسائل الإعلام الموالية المحسوبة على النظام على الترويج للأخبار والدعوات التي تستهدف السياحة التركية على مواقع التواصل.

تناولت صحيفة "عكاظ" السعودية مقالاً سخر من الرئيس التركي

ومنذ أيام، واصلت أطراف سعودية الحرب الكلامية التي وصلت إلى حدِّ الإساءة المباشرة للرئيس أردوغان في إحدى أهم الصحف الورقية السعودية، إذ تناولت صحيفة "عكاظ" مقالاً سخر من الرئيس التركي حمل عنوان "أردوغان.. أوهام السلطان"، قالت فيه: "زواج متعة.. بين العثمانية والإخوانية"، نُشر الخميس 24 مايو.                    

لكن السفير السعودي في تركيا، وليد الخريجي، حاول النأي بالنفس عن هذه الحملة، وسعى أيضًا من خلال تصريحاته التي جاءت على هامش الملتقى الإعلامي التركي السعودي، الذي انعقد مساء الأربعاء 23 مايو الجاري، أن يتلافى المشهد الذي بدا جلياً في وسائل الإعلام السعودية ونشطاء البلاد المعروفين على موقع تويتر.  

وباستدعاء العداء الإماراتي والسعودي لتركيا، تبدو صورة العين المتربصة لامعة في الظلام، فالإمارات لم تُخفِ عداءها لتركيا؛ بل امتدَّت محاولاتها لإيجاد موطئ قدم لها في المؤسَّسات المالية التركية الخاصة، والانضمام إلى اللوبي المالي بالبلاد المعارض لحزب الرئيس أردوغان؛ في محاولة لإضعاف حكومته.

حاولت الإمارات استغلال قضية رجل الأعمال التركي رضا ضراب، التي باتت تعرف إعلاميا بـ"قضية ضرّاب"، أثناء اعتقاله في دبي عام 2015، لضرب الاقتصاد التركي

كما حاولت الإمارات استغلال قضية رجل الأعمال التركي رضا ضراب، التي باتت تعرف إعلاميا بـ"قضية ضرّاب"، أثناء اعتقاله في دبي عام 2015، لضرب الاقتصاد التركي وتشويه صورة أردوغان قبيل الانتخابات الرئاسية، ليتم الإفراج عنه في نهاية القضية، بعد أن يؤدي دوره وفقًا للصفقة الإماراتية المبرمة.  

وعقب اتّهامات وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان؛ العثمانيين بارتكاب انتهاكات في المدينة المنوَّرة بالسعودية، قبل قرن من الزمن، شنّت الإمارات حملة أخرى ضد تركيا، عقب مواجهة الرئيس التركي لهذه الاتهام بموجة ردود غاضبة.  

كما أثار موقف أنقرة الرافض لحصار قطر غضب الدولتين؛ وزاد من العداء لتركيا إمدادها (أنقرة) الدوحة بالأغذية وإرسال القوات العسكرية إلى هناك، هذا الأمر دفع السعودية إلى التلويح بالورقة الكردية في وجه تركيا رداً على مساعدتها لقطر. 

تغريدات خارج السرب

رغم الدعوات الإلكترونية للمقاطعة السياحية، أظهرت بيانات رسمية صادرة عن وزارة الثقافة والسياحة التركية أن عدد السائحين خلال الربع الأول من العام الجاري وصل إلى 5.1 مليون سائح، بعائدات وصلت إلى 4.4 مليارات دولار، محققة زيادة بنسبة 35% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

كما تبيّن الأرقام أن الإمارات والسعودية تأتيان بالمرتبة الثانية والثالثة من حيث السياحة العربية في تركيا، خلال عام 2017، كما تعدّ تركيا أفضل الوجهات السياحية لدى دول الخليج العربي عامة.

وتظهر البيانات أن عدد السياح الخليجيين والسعوديين خاصة، بلغ نحو 500 ألف شخص العام الماضي، وتذهب التوقعات، بحسب تصريح إعلامي سابق، للسفير السعودي بتركيا، وليد الخريجي، أن يصل عدد السياح السعوديين بموسم عام 2018، إلى نحو 700 ألف.

وفي مقابل حملات المقاطعة للسياحة، فإن بيانات هيئة الإحصاء التركية، تشير إلى تصدر السعوديين قوائم شراة العقارات في تركيا، بعد أن حلَّوا ثانياً العام الماضي بعد العراقيين، حيث اشترى الأجانب نحو 22.2 ألف منزل.

وفي ضوء الأرقام والبيانات، يرى محللون هذه الحملات متوقعة ومن دول خليجية وأوروبية محددة، بهدف محاولة النيل من السياحة، التي تعول فيها تركيا على عائدات بنحو 32 مليار دولار من خلال جذب نحو 40 مليون سائح خلال العام الجاري.

توقع الخبير الاقتصادي التركي خليل أوزون، في تصريحات لصحيفة العربي الجديد، أن تشهد تركيا واقتصادها على وجه التحديد، جملة من الاستهدافات المنظمة

وتوقع الخبير الاقتصادي التركي خليل أوزون، في تصريحات لصحيفة العربي الجديد، أن تشهد تركيا واقتصادها على وجه التحديد، جملة من الاستهدافات المنظمة، فبعد المضاربات التي شهدتها السوق النقدية وأثرت على الليرة التركية، ها هي محاولات ضرب الموسم السياحي بدأت تظهر، ولم يبق إلا أن يحاولوا تشويه الإنتاج التركي، لأن أهم أرقام العام الماضي، كانت بالنمو الذي بلغ 7.2% والصادرات التي بلغت نحو 160 مليار دولار والسياحة التي جذبت نحو 32 مليون سائح بعائدات زادت عن 26 مليار دولار".  

ويشير إلى أن اقتصاد بلاده أقوى وأكثر صلابة ومتانة من كل تلك المحاولات، كما أن تركيا تأخذ جميع التدابير لتقليل من آثار الهجمات على الاقتصاد والمستوى المعيشي، متوقعاً تصاعد حملات الإساءة للاقتصاد من بعض الدول الخليجية والأوروبية، حتى نهاية الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي ستشهدها تركيا في 24 يونيو/حزيران المقبل.

وتبقى هذه الحملات كغيرها في طي النسيان، فقد أعتادت تركيا على أخذ جميع التدابير للتقليل من آثار الهجمات على الاقتصاد والمستوى المعيشي، في ظل تكرار هذه الحملات في الأعوام الأخيرة، وذلك لا ينفصل عن طموحات جرت على مدار 16 عامًا الماضية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.

وفي هذا الشأن، أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، منذ ساعات، أن بلاده تستهدف استقبال 50 مليون سائح خلال الخمسة أعوام القادمة، مضيفًا في كلمة له خلال لقاء بولاية أنطاليا حول السياحة، أن إيرادات السياحة ستبلغ 50 مليار دولار أمريكي، بحلول عام 2023، الذي يصادف الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية.