في شتاء سنة 2010 عندما كانت الأجواء تتجه نحو عهدة جديدة لزين العابدين بن علي وسط حديث عن توريث لأحد أفراد العائلة "الحاكمة"، فجر محمد البوعزيزي موجة غضب شعبية عارمة سرعان ما تجاوزت حدود ولاية سيدي بوزيد إلى باقي مناطق البلاد وتسارعت وتيرة الأحداث إلى حين لحظة "مفاجئة" عشية الـ14من يناير/جانفي 2011 أذيع فيها خبر هروب بن علي.

منذ تلك اللحظة وإلى اليوم تتجه الأنظار نحو تونس بشكل كبير، فهي التي انطلقت منها شرارة الثورات وتكسرت على عتباتها المؤامرات والانقلابات وبدأت تكرس معالم تجربة نموذجية فريدة من نوعها.

عندما كانت رياح الانقلابات تعصف بالثورات العربية سنة 2013 اختار الفرقاء والفاعلون الاجتماعيون والسياسيون في تونس أن يسلكوا طريقًا آخر بدأ بلقاء جمع "الشيخين" راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة والباجي قائد السبسي مؤسس نداء تونس في العاصمة الفرنسية باريس وانتهى إلى حوار وطني تم بموجبها إصدار الدستور الديمقراطي الجديد للبلاد وتخلت بعدها حركة النهضة عن السلطة طوعًا لتعود بعد تشريعيات ورئاسيات 2014 كضلع رئيسي من أضلاع التوافق.

تخلي حركة النهضة عن السلطة في مطلع سنة 2014 وكذا تخلي نداء تونس عن الخطاب الإقصائي، مثلت أبرز مخرجات الحوار الوطني الذي نالت تونس بنجاحه جائزة نوبل للسلام لسنة 2015، لتوجه رسالة إلى الداخل والخارج عنوانها قدرة الأطراف الوطنية على إدارة اختلافاتها والخروج بأخف الأضرار للبلد ومسار انتقاله الديمقراطي ولهذه الأطراف نفسها.

في الواقع لم تتمكن شجرة الانتقال الديمقراطي من الصمود في وجه رياح الانقلابات والمؤامرات التي تحاك ضد الديمقراطية فحسب، بل تمكنت برشاقة كبيرة من الصمود في وجه رياح عاتية كثيرة ليس أقلها الضربات الإرهابية الغادرة والاغتيالات السياسية التي كادت تعصف بالتجربة التونسية، ومع كل ذلك فقد كان أفق "حل التوافق الوطني" حاضرًا بقوة في كل الأزمات ليحدد معالم المخرج لأزمات شتى.

في الفترة الأخيرة عاد الجدل بقوة في البلاد عما بات يسمى بـ"أزمة الحكم" رغم نجاح البلاد في تنظيم أول انتخابات بلدية في ظل الدستور الجديد

بعد انتخابات نهاية سنة 2014 تشريعية ورئاسية تم كسر الاستقطاب الثنائي المبني على التنافي والإقصاء لأجل مصلحة وطنية أكبر من الأحزاب والإيديولوجيات وهو أفق كانت ضريبة باهظة بسبب تربص عدة أطراف إقليمية بالتجربة التونسية ومع ذلك تمكن الفاعلون السياسيون والاجتماعيون من حشد سند واسع في "وثيقة قرطاج" كقاعدة أوسع للتوافق والمشاركة حتى لمن لم تفرزهم صناديق الاقتراع بهدف ضمان أحسن مناخات تمكن من القيام بإصلاحات منتظرة.

تمكنت تونس بفضل التوافق من استرجاع مقومات الأمن والقضاء على الإرهاب والانطلاق في الإصلاحات وتعبئة الموارد والاستثمارات للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة خاصة بعد انهيار الدينار وبعد التصنيفات الجائرة للبلاد مؤخرًا وهو ما مكن من تحقيق قفزة نوعية في نسبة النمو التي تجاوزت في الثلث الأول من السنة الحاليّة عتبة الـ2%.

في الفترة الأخيرة عاد الجدل بقوة في البلاد عما بات يسمى بـ"أزمة الحكم" رغم نجاح البلاد في تنظيم أول انتخابات بلدية في ظل الدستور الجديد الذي ينص بوضوح على الديمقراطية المحلية، وكان تعليق رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي لجلسات الحوار بشأن "وثيقة قرطاج 2" مدخلاً لزعزعة الاستقرار ولحديث البعض عن أزمة صلب منظومة التوافق غير أن التفاصيل تثبت عكس ذلك تمامًا.

انعكست الأزمة الخانقة التي مرت بها حركة نداء تونس على المشهد العام برمته وألقت بظلالها على حوارات قرطاج خاصة بعد فوز حركة النهضة بالانتخابات البلدية وهو ما ساهم في بروز خطابات صلب قيادة النداء يقول محللون إنها "مزاجية" وبلا عقلانية وهو ما يبدو أن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي قد تفطن إليه خاصة في الظرف الحساس الذي تمر به البلاد وما يتطلبه من مقومات استقرار على جميع الأصعدة.

أفق الحل السياسي الذي طرحه رئيس الحكومة التونسية في كلمة أثارت جدلاً واسعًا في البلاد خاصة بعد مهاجمته للمدير التنفيذي لحزبه

علق رئيس الجمهورية جلسات الحوار وخرج بعده رئيس الحكومة يوسف الشاهد متحدثًا عن شروط الحفاظ على الاستقرار وما يتطلبه من تضحيات ومن توافقات موجهًا رسائل لداخل حزبه نداء تونس وكذا لكل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين طارحًا تعديلاً وزاريًا يأتي بعد تقييم علمي للآداء الحكومي وبهدف معلن وواضح يتمثل في استجماع شروط النجاح في إنجاز إصلاحات كبرى منتظرة.

أفق الحل السياسي الذي طرحه رئيس الحكومة التونسية في كلمة أثارت جدلاً واسعًا في البلاد خاصة بعد مهاجمته للمدير التنفيذي لحزبه، هو نفسه أفق الحل السياسي الذي تطرحه حركة النهضة منذ أشهر وهو نفسه ما كانت كل الأطراف المشاركة في الحوار ترفعه قبل أشهر قليلة، وهو حسب رأي المتابعين للتجربة التونسية من الداخل والخارج ما يجب أن يكون حفاظًا على مسار انتقال ديمقراطي صعب.

كما تمكنت من إسقاط نظام المخلوع دون أضرار كبيرة وبشكل سلمي، تمكنت تونس بالحوار في البداية من فرض إدارة التعددية والاختلاف بعيدًا عن التنافي والانقلابات تمت من إجراء مصالحة حررت كثيرًا من الأيادي المكبلة وصولاً إلى تجاوزها برشاقة وبأخف الأضرار للأزمة الأمنية على خلفية الإرهاب الغادر وللأزمة السياسية فيما بعد وصولاً إلى قدرتها حاليًّا على الخروج من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية بأخف الأضرار وهو خروج يتطلب استقرارًا أمنيًا وسياسيًا وإصلاحات كبرى قد يكون بعضها مؤلمًا ولكن لا بد منه.