مع اختلاف ثقافات الدول العربية تختلف العادات بينهم، ولكنها في الوقت نفسه قد تتشابه في بعضها خاصة فيما يتعلق بالمناسبات الاجتماعية والدينية التي تجمعها، مثل عيد الفطر الذي تستقبله كل بلد بطقوس معينة ومراسم احتفالية لا تخلو من الملابس الجديدة والتجمعات العائلية وأنواع مختلفة من الحلوى التي يتضاعف الطلب عليها مع اقتراب هذه المناسبة.

تحاول كل دولة مسلمة الترحيب بهذه الأيام المبهجة بأجواء خاصة ومميزة تزيد من ارتباطنا بهذه المناسبة التي تبدأ عادةً بانشغال ربات المنزل في تحضير المأكولات والحلويات التي لا تغيب عن موائد الضيافة في أول أيام العيد، فقديمًا كانت تتجمع نساء القرية في منزل واحد لإعداد هذه الأطعمة، ليتم أخذها إلى الأفران والمخابز، ولكن مع ظهور الأجهزة المنزلية لم تعد هذه العادة موجودة بحيث انفردت كل عائلة في تجهيزها بأشكالٍ متشابهة، وفي أحيان أخرى قد تختلف في طرق التزيين والمكونات مثل العجوة والمكسرات.

ما يزيد من أهمية المأكولات في هذه المناسبة رمزيتها العاطفية وما تشكله للمسلمين من ذكريات قد تثير مشاعر الانتماء والحنين إلى هذه العادات والأجواء، ففي حال غيابها يفقد جزء مهم من مظاهر الاحتفال، ومن أبرز هذه الأطباق التي تحرص العوائل على تقديمها سنويًا:

المعمول والكعك في بلاد الشام ومصر


كعك الأساور الشامي

تعد من الأطباق الرئيسية التي تزين مائدة العيد وتقدم باستمرار للزائرين بجانب القهوة العربية بالهيل أو الشاي، وغالبًا ما تكون معدة في المنزل وليست مجهزة في الخارج، لسهولة تحضيرها وقلة تكلفتها، فمكوناتها لا تزيد على الطحين والسميد والعجوة والينسون، وقد يزينها البعض ببعض المكسرات.

جدير بالذكر أن هناك اختلافًا في تسمية الكعك وشكله الخارجي وحشوته بين مصر وبلاد الشام، فعادة ما يكون الكعك الشامي على شكل أساور ويقدم بحشوة التمر، وبالنسبة إلى المعمول فيكون عبارة عن أقراص مستديرة ومصنوع من المكسرات والسميد والجوز والفستق، أما الكعك المصري فيكون على شكل أقراص ومحشو بالعجوة.

ويقال إن تاريخ هذه الحلوى يعود لعهد الإمارة الإسلامية الطولونية التي أسسها أحمد بن طولون التغزغزي التركي في مصر، وتمددت لاحقًا نحو بلاد الشام، اعتاد شعبها صناعتها بقوالب مكتوب عليها "كل واشكر"، ومع انهيار الدولة الطولونية تميزت هذه الحلويات بشكلٍ أوسع في عصر الإخشيديين، فيقال إن الوزير أبو الماد رالي اهتم بصناعة الكعك وأطلق عليه اسم "افطن له" وكانت تقدم في دار الفقراء على مائدة طولها 200 متر وعرضها 7 أمتار.

كما اعتنى بها الفاطميون، إذ يقال بأن الخليفة الفاطمي خصص مبلغ 20 ألف دينار لصناعة كعك عيد الفطر، فكانت المصانع تتفرغ لإعداده منذ منتصف شهر رجب، وكان الخليفة يتولى توزيعها بنفسه وكانت مائدته التي يبلغ طولها 1350 مترًا تحمل 60 صنفًا من الكعك والغريبة.

الكعك المصري

هذا وأنشئت في عهده أول دار لصناعة الكعك سميت (دار الفطرة) وكانت الكعكة في حجم رغيف الخبز، وكانت الأوقاف تهتم بشكل كبير في توزيع الكعك بمختلف أنواعه وأشكاله على العاملين والموظفين، جدير بالذكر أنه وجدت قوالب كعك في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة منقوش عليها عبارات مثل "كل هنيئًا واشكر" و"كل واشكر مولاك" و"بالشكر تدوم النعم" وعبارات أخرى لها نفس المعنى.

ومن جهة أخرى، تقول المصادر التاريخية إن الفراعنة أول من صنعوا الكعك، حيث كان خبازو البلاط الفرعوني يتفننوا في صناعته بأشكال مختلفة وصلت إلى 100 نقشة، منها اللولبية والمستطيلة والمستديرة، ومن المتعارف عليه أنهم كانوا يضيفون عليه العسل الأبيض ونقشوا عليه صورة الشمس التي عرفت عند الفراعنة بالإله "آتون" لتنتشر هذه الحلوى في بلاد الشام وجمهورية مصر مع اختلافات بسيطة.

الكليجة في العراق والسعودية


الكليجة العراقية

هي كلمة تشير إلى أنواع مختلفة من الكعك المنتشر في كل من العراق والسعودية، ويعتقد بأنها كلمة فارسية تعني خبز صغير معجون بالزبد، وفي مصادر أخرى تقول إن أصل التسمية تركي والبعض الآخر يوضح بأنها كلمة عربية محرفة من كلمة "كيالجة" التي تعني المكيال.

موطن نشأتها العراق ولكنها انتشرت فيما بعد لدول الخليج وتحديدًا السعودية، ومع ذلك تختلف طريقة صنعها وتحضيرها بين البلدين، ففي العراق تبرع الموصليات في إعدادها ولا يكتمل العيد إلا بتقديمها بحشوة التمر المضاف إليه الهيل وماء الورد والسمسم وبعض المكسرات مثل الجوز والفستق الحلبي، كما تقدم مقطعة وباردة بالجانب إلى الشاي العراقي المغلي بالهيل.

الكليجة القصيمية

أما في السعودية، فتتميز بها مدينتي القصيم وحائل ويضاف إليها توابل الزنجبيل والدارصيني وتكون مستديرة، وعلى العكس من العراقية فهي تقدم ساخنة ولا يقتصر تقديمها على العيد فقط، بل تعد أيضًا في احتفالات الزواج، كما يقام لها مهرجان سنوي في مدينة بريدة كنوع من الحفاظ والتشجيع على هذا الموروث التقليدي.

ذكرها المستشرق رينهارت دوزي في "تكملة المعاجم العربية" وتحدث عنها ابن بطوطة في رحلته "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" في أثناء زيارته لأمير خوارزم قطلو دمور، وذكر أن مائدته فيها "الطعام من الدجاج المشوي والكراكي وأفراخ الحمام، وخبز معجون بالسمن يسمونه الكليجا، والكعك والحلوى".

أنواع مختلفة من الحلويات في بلاد المغرب العربي


تتجمل موائد المغرب العربي بمجموعة مميزة من الحلويات متنوعة بالشكل واللون والمذاق، وتختلف كل دولة في أطباقها المقدمة، فعلى سبيل المثال تقدم تونس "كعك الورقة" المكون من الدقيق والزبدة وماء الورد وبودرة اللوز والسكر، إضافة إلى البقلاوة التونسية المحشوة باللوز والبندق والفستق، وآخر الأنواع هي الحمصية المكونة من مسحوق الحمص والزبدة والسكر.

وفيما يخص الجزائر، فإن البقلاوة الحلوى الرئيسية، ويعود أصلها إلى بلاد الرافدين في القرن الثالث عشر ميلادي وانتشرت لبلاد الشام، وهذا بالجانب من التشاراك المكون من العجين المحشو بالتمر أو المكسرات ويكون لونه أبيض.

أما المغرب، فيشتهر بحلوى "كعب الغزال" المحشو باللوز، والزليجة المكونة من العجين والشيكولاتة التي تُقطع على شكل مربعات فسيفسائية، والمحنشة المكونة من عجينة ورقية ملفوفة حول حشوة من اللوز وتأخذ الشكل الحلزوني.

يعتقد بأن الحلويات المغربية جاءت من المطبخ الأندلسي الموريكسي المنقولة ثقافته من الذين هاجروا إلى المغرب منذ القرن الثالث عشر ميلادي، لتؤكل مع الشاي المغربي الشهير.

وكما جرت العادة، تشترك هذه الدول بأنواع معينة من الحلويات مثل المقروض الذي ينتشر في تونس وليبيا بالأخص، وهو عبارة عن نوع من الحلويات المصنوعة من السميد والتمر، وقد يضاف إليه بعض الفواكه المجففة واللوز والسمسم ونبات الجلجلان، ويقلى بالزيت وينقع بشراب العسل أو قشر البرتقال ويترك ليقدم باردًا.

تعود أصوله إلى الدولة الأغلبية التي حكمت المغرب العربي مع جنوب إيطاليا، وتقول الحكاية إن المهاجرين الجزائريين أول من أدخلوه إلى فاس ليصبح واحدًا من أكثر الأطباق التقليدية شيوعًا بهذه المناسبة في هذه الدولة باختلاف بسيط في الشكل والمسمى بين مقروط ومقروض ومقيرط.

القبيطة في اليمن

يقال إن تاريخ هذه الحلوى يعود إلى صانعها الحاج علي سعيد القباطي في عشرينيات القرن الماضي، ومن المؤكد أنها من أكثر الحلويات شعبية في العيد، حيث تطهى في أوان نحاسية كبيرة الحجم.

وتشتهر بالتحديد في منطقتي الراهدة والعند، ولكنها بالأساس تنحدر من مديرية القبيطة التابعة لمحافظة لحج جنوب اليمن، ولها أنواع مختلفة أشهرها الهريسة والخلطة والشبح والديش والعرائسي والصوري المصنوعين بالحليب وجوز الهند والشيكولاتة.