يعدّ علم النفس الاجتماعي واحدًا من المجالات المهمّة في علميْ النفس والاجتماع، ويمكن تعريفه بأنّه الفرع الذي يدرس السلوك الاجتماعي للفرد والجماعة والطرق التي يفكّرون بها ويتفاعلون ويؤثرون على بعضهم البعض. وبمعنى آخر فإن علم النفس الاجتماعي عبارة عن الدراسة العلمية للإنسان ككائن اجتماعي. أي المجال العلمي الذي يهدف إلى فهم طبيعة وأسباب تصرفات الفرد في مواقف اجتماعية.

ما الذي يشكل مواقفنا؟ كيف نتأثر برأي من حولنا؟ ولماذا نبحث عن تقبّلهم ونخشى رفضهم؟ كيف تتطور العنصرية والتمييز وكيف يمكننا التغلب عليه؟ لماذا نطلق الأحكام المُسبقة على مَنْ حولنا؟  لماذا بعض الأشخاص يستطيعون أن يكونوا قادة وآخرون تابعين؟ لماذا نفشل أحيانًا في مساعدة من يحتاج المساعدة في حال كنّا وسط تجمّع كبير؟ هذه ليست سوى عدد قليل من الأسئلة الكبيرة التي يبحث علم النفس الاجتماعي عن إجاباتها لما لها من تأثير بالغ على صحة الفرد ورفاهيته.

علم النفس الاجتماعي عبارة عن الدراسة العلمية للإنسان ككائن اجتماعي. أي المجال العلمي الذي يهدف إلى فهم طبيعة وأسباب تصرفات الفرد في مواقف اجتماعية.

يرجع تاريخ علم النفس الاجتماعي إلى بدايات القرن الماضي، تحديدًا في كتاب "مقدمة في علم النفس الاجتماعي" لعالم النفس الأمريكي "ويليام مكدوغال"، الصادر في عام 1908، والذي تطرّق فيه مكدوغال للعلم بوصفه فرعًا مستقلًا عن علم النفس ووضع فيه حجر الأساس لنظرياته وآرائه التي بكلّ تأكيد تغيرت كثيرًا مع تقدّم البحث العلميّ بمرور السنوات.

أما ذروة تطوّر علم النفس الاجتماعي فترجع للفترة التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين سعت الحكومة الأمريكية إلى استغلال علم النفس لدراسة مفاهيم مثل "البروباغندا" و"الإقناع" و"الخضوع"، عوضًا عن تدخّل الاقتصاد مع السياسية وسعي الحكومة لدراسة إمكانيات زيادة الاستهلاك وتحسين الوضع الاقتصاديّ للدولة من خلال دراسة الأفراد وسلوكيّاتهم الاستهلاكية.

من المهم الأخذ بعين الاعتبار أنّ علم النفس الاجتماعي لا يتعلق فقط بالنظر إلى التأثيرات الاجتماعية على الفرد نفسه. إذ يعتبر الإدراك الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي أمران حيويّان أيضًا لفهم السلوك الاجتماعي. فالطريقة التي نرى بها الآخرين يمكن أن تلعب دورًا قويًّا في مجموعة واسعة من التصرفات والإجراءات والقرارات. فكر للحظة في كيفية تصرفك في بعض الأحيان بشكل مختلف في بيئة عامة عمّا قد تفعله لو كنت في المنزل بنفسك، أو تصرّفك بطريقةٍ ما في حال كنت وسط مجموعة من الأصدقاء المقربين، وطريقةٍ مختلفة حال تواجدك بين مجموعة من الزملاء أو المشرفين من العمل على سبيل المثال.

لماذا يحدث هذا إذن؟ يخبرنا علم النفس الاجتماعيّ أنّ الناس من حولنا يصوغون أفكارنا ومشاعرنا ومزاجاتنا ومواقفنا وتصوراتنا بطرقٍ مختلفة. كما يمكن أن يُحدث وجود أشخاص آخرين فرقًا في الخيارات التي نتخذها والسلوكيات التي نقوم بها.

نظرية العزو: أنا جيد أما ظروفي فهي السلبية

تفترض هذه النظرية أنّنا نميل إلى تفسير الأحداث من حولنا بطرقٍ معينة تدعم صورتنا الذاتية. ووفقًا لهذه النظرية، فإنّنا نعزو تصرفاتنا السلبية للظروف الخارجية المحيطة بنا، أما حين يتعلّق الأمر بتصرفات الآخرين وسلوكياتهم فإنّنا نميل لتفسيرها وفقًا لسماتهم الذاتية وصفاتهم الشخصية، فأنتَ إنْ لم تنجح في امتحانٍ ما فهذا بسبب عدم مصداقية المعلّم، أما حين يأتي الأمر لعدم نجاح زميلك في الدرس فسيكون الأمر وقتها لأنه "غبي" أو "فاشل"!

يعود السبب وراء هذا لما يسميه علماء النفس الاجتماعيّون بموقع "بؤرة الانتباه" أو " focus of attention "، فأنت عندما تلاحظ سلوك أحدهم فلن تجهد نفسك بالتركيز على كل تلك العوامل الخارجية المؤثرة عليه أو تبدأ بتحليل كلٍ منها على حدة، بل تكتفي بعزو السبب إلى الشخص ذاته، لأنّ السلوك نفسه هو أكثر ما يجذب انتباهك في الموقف أكثر مما تفعل العوامل الخارجية المحيطة.  كما أنّ لجوءنا إلى عزو سلوكيات الآخرين وتصرفاتهم إلى صفاتهم الشخصية وسماتهم الداخلية يعطينا اطمئنانًا ناتجًا من قدرتنا على تنبؤ سلوكياتهم، الأمر الذي يمنحنا الحس بالسيطرة على البيئة المحيطة بنا.

نحن نعزو تصرفاتنا السلبية للظروف الخارجية المحيطة بنا، أما حين يتعلّق الأمر بتصرفات الآخرين وسلوكياتهم فإنّنا نميل لتفسيرها وفقًا لسماتهم الذاتية وصفاتهم الشخصية

أما حين يأتي الأمر إلى سلوكك أنت، فبالطبع سيعمل دماغك على إحالة الأسباب للظروف الخارجية، لأنّ بؤرة تركيزك ليست داخلك أو في ذاتك، بل تقع في محيطك وما فيه من عوامل ومؤثرات خارجية تخيل نفسك كمن يمسك بآلة تصوير وينظر من خلالها للخارج، فهو يرى ما حوله ولا يستطيع النظر لنفسه. إضافةً لذلك، فنحن لا نحبّذ تصنيف أنفسنا أو إتباع سمات محددة بشخصياتنا، بسبب رغبتنا عدم إتباع أنفسنا لدائرة التصنيف ذاتها مع من غيرنا، الأمر الذي يرجع لرغبتنا بالتميّز والتفرّد.

نظرية التنافر المعرفي: أنْ تبرّر أفعال الآخرين حتى تتصالح مع ذاتك

تعدّ هذه النظرية واحدة من أهم نظريات علم النفس الاجتماعي وهي نفسها التي جعلت من عالم النفس الأمريكيّ "ليون فستنجر" واحدًا من أهمّ روّاد الفرع أيضًا. وباختصار، فقد عرّف فستنجر حالة التنافر المعرفيّ بأنها حالة من التوتر أو الإجهاد العقلي أو عدم الراحة التي يعاني منها الفرد الذي يحمل اثنين أو أكثر من المعتقدات أو الأفكار أو القيم المتناقضة في الوقت نفسه، أو يقوم بسلوك يتعارض مع معتقداته وأفكاره وقيمه، أو يواجَه بمعلومات جديدة تتعارض مع المعتقدات والأفكار والقيم الموجودة لديه.

تفترض هذه النظرية أنّ الأفراد يشعرون بالتنافر عندما تتم مواجهتهم بمعلومات تتعارض مع معتقداتهم أو أفكارهم السابقة، وهذا التنافر يولد توترًا وضعطًا نفسيًا يودي بالفرد للبحث عن طرق وأساليب لإزالة التنافر، ويتم ذلك من خلال: تغيير السلوك المسبّب للتنافر والعودة لحالة الانسجام مع الذات، أو تغيير الاعتقاد القديم بآخر ملائم للسلوك، أو محاولة عقلنة وتبرير الفعل من خلال ادعاء ادّعاء سوء الفهم أو رفض ودحض المعلومات الجديدة، والسعي للحصول على دعم من الآخرين الذين يشتركون في نفس المعتقدات، ومحاولة إقناع الآخرين بها.

تقترح نظرية التنافر المعرفيّ أننا نبرّر لأنفسنا أفعالنا وأفعال الآخرين حتى نصل لدرجة من الصلح مع الذات ونخرج من حالة التنافر التي قد نقع فيها نتيجة العديد من المواقف اليومية.

ما علاقة النظرية بعلم النفس الاجتماعي؟ حسنًا، فعلى الرغم من أنّ تغيير السلوك أو الاعتقاد يبدوان الحل الأمثل والأكثر منطقية للتعامل مع التنافر المعرفي في أغلب المواقف، إلا أن ما نفعله في حياتنا اليومية غالبًا لا يتعدّى فعل التبرير والمنطقة والبحث عن التبريرات الحمقاء التي نستخدمها للتعامل مع الآخرين.

فأنتَ حين ترسب في امتحانك، قد تبرّر ذلك بكره المدرّس لك، في حين أنّك تعلم بقرارة نفسك أنّك لم تدرس للامتحان كما يجب. الزوجة التي يعاملها زوجها بسوء قد تبرّر لنفسها أنها تستحق ذلك أو أنّ حياتها هذه أفضل من غيرها، وهكذا. لذلك، تقترح نظرية التنافر المعرفيّ أننا نبرّر لأنفسنا أفعالنا وأفعال الآخرين حتى نصل لدرجة من الصلح مع الذات ونخرج من حالة التنافر التي قد نقع فيها نتيجة العديد من المواقف اليومية.

نظرية المقارنة الاجتماعية: نحتاج الآخرين لنقيّم أنفسنا

إحدى النظريات التي وضعها فستنجر أيضًا، وتقترح أن في داخل الفرد ما يدفعه للبحث عن تقييم دقيقه لذاته، الأمر الذي قد يدفعه لتقييمها مقارنةً بالآخرين من حوله. فالأشخاص يُطلقون شتى أنواع الأحكام عن ذواتهم وأنفسهم، ويضعون كافة الآراء عن أفكارهم وسلوكياتهم وتصرفاتهم وعلاقاتهم ومظاهرهم، لكن في كثيرٍ من الأحيان تكون الطريقة الوحيدة لذلك هي مقارنة أنفسهم بالآخرين، أو تحليل الذات وفقًا للذوات الأخرى.

وقد اعتقد فستينجر أننا نشارك في عملية المقارنة هذه كوسيلة لوضع معيارٍ معيّن يُمكِننا من خلاله إجراء تقييمات دقيقة لأنفسنا. فعلى سبيل المثال، قد لا تستطيع تقييم نفسك في العمل تقييمًا دقيقًا إلا إذا قارنت نفسك بجميع زملائك معك، لترى أين تكمن نفسك بينهم، وتعطيها درجةً مقارنةً لأولئك الذين هم أفضل منك من جهة، ومن هم أسوأ منك من جهةٍ أخرى.

في داخل الفرد ما يدفعه للبحث عن تقييم دقيقه لذاته، الأمر الذي قد يدفعه لتقييمها مقارنةً بالآخرين من حوله

هناك نوعان من المقارنة الاجتماعية؛ المقارنة العلوية أو تلك التي تحدث عندما نقارن أنفسنا بمن نظنّ أنهم أفضل منّا بهدف الوصول إلى صورةٍ أفضل ونسخة أحسن من ذواتنا وأنفسنا. وبالجهة المقابلة هناك المقارنة الاجتماعية الدونية أو السفلية، وتحدث عندما نقارن أنفسنا بمن نعتقد أنهم أسوأ منا أو أقل درجة، وغالبًا ما يكون هدفنا منها هو محاولة جعل النفس تشعر أفضل حول قدراتها وإمكانياتها، فنحن لا نكون جيّدين بما فيه الكفاية في أمرٍ ما، لكنّنا على أقل تقدير "أفضل من آخرين غيرنا".

وبناءً على ذلك؛ قد تجعلك بعض المقارنات الاجتماعية تشعر بعدم الكفاية وأقل قدرة على تحقيق هدفٍ معين، بينما قد تعطيك غيرها الثقة بالنفس وتساعدك على تعزيز احترام الذات، أي أنَها تحتمل أن تأتي بالنتائج الإيجابية أو السلبية على الثقة بالذات وبالتصرفات والأفعال.