استعادت قوات موالية لحكومة الوفاق الوطني، السيطرة على أبرز موانئ تصدير النفط في ليبيا، بعد أن افتكتها من قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر التي تسيطر عليها منذ أكثر من سنة ونصف. وبرّرت هذه القوات عمليهم بـ "رفع الظلم عن سكان الهلال النفطي، وبسط الأمن في المنطقة مثلما كما كانت عليه إبان وجودها فيها".

حرس المنشآت النفطية يسيطر مجددا

عقب اشتباكات عنيفة وقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي لا يعترف بحكومة فائز السرّاج، سيطرة قوات تابعة لقائد حرس المنشآت النفطية بليبيا فرع الوسط، إبراهيم الجضران على ميناءي السدرة وراس لانوف، وهي أكبر وأبرز موانئ تصدير النفط في ليبيا، حيث تبلغ طاقتهما التصديرية نحو 600 ألف برميل في اليوم.

وتعرف هذه المنطقة توترات كبرى بين سرايا الدفاع عن بنغازي، وحرس المنشآت النفطية (قوة دفاع برقة سابقًا)، وقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، تصل في أغلب الوقت إلى صراع مسلّح بدعم خارجي يتوقف على إثره إنتاج النفط وتخسر ليبيا موارد مالية في أمس الحاجة إليها، وتحتوي ليبيا على ثروات هائلة من النفط وتقدر احتياطاتها بنحو 46.6 مليار برميل، وهي الأكبر في إفريقيا.

تمتلك القبائل في ليبيا نفوذا كبيرا، ليس اجتماعيا فحسب بل في السياسة أيضا

على إثر هذه المواجهات، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط تعليق التحميل من منطقة الهلال النفطي، الذي يقدره خبراء بـ 240 ألف برميل يوميا، كما قامت المؤسسة بإجلاء موظفي ميناءي رأس لانوف والسدرة خوفا على سلامتهم من الاشتباكات الدائرة في المنطقة.

"الجضران" يعود إلى الواجهة

بعد غيابه عن الأضواء لقرابة السنتين، عاد نجم ابراهيم الجضران إلى السطوع، نتيجة تمكّنه من طرد قوات حفتر وإعادة السيطرة على موانئ تصدير النفط. يذكر أن شهرة الجضران بدأت عندما نجح في وقف تقدم تنظيم داعش باتجاه الهلال النفطي ومنع سيطرته على المنشآت النفطية.

وينتمي الجضران إلى قبيلة المغاربة، وهي من أهم القبائل في الشرق الليبي وفي أجدابيا، وتقطن في المناطق المحيطة بالموانئ النفطية، ويعدّ من ضمن من تحرّكوا مبكراً لإسقاط نظام العقيد معمر القذافي في ثورة 17 فبراير 2011، كما أنّه من دعاة إنشاء النظام الفيدرالي واقتسام السلطة والثروات بين الأقاليم في البلاد.

الجضران يتحدّث عن استعادة الموانئ

تمتلك القبائل في ليبيا نفوذا كبيرا، ليس اجتماعيا فحسب بل في السياسة أيضا، كما أنها طرف قوي على الأرض، فمن يضمن ولاء القبائل خاصة في طرابلس وبنغازي يضمن الحكم، ولهذا ركزّ الجضران على ذلك من أجل الحصول على الشرعية وقد نجح في كسب عدة ولاءات قبلية فتحت له الطريق لدعم حظوظه في البقاء.

واستطاع الجضران في بداية مشواره أن يحظى بدعم قبلي غير مسبوق خاصة من قبيلته، أثناء سيطرته على المناطق النفطية، وجعلت منه شخصا مهما في ليبيا وخارجها، لكن سرعان ما اختفى نتيجة خسارته السيطرة على الموانئ نهاية سنة 2016.

وخلال قيادته "حرس المنشآت النفطية" الذي كان مسؤولا عن أمن الهلال النفطي، اصطدم الجضران مرارا بالمسؤولين السياسيين في ليبيا، سواء أكانوا في طرابلس ام في الشرق، ومنع تصدير الخام من الهلال النفطي طيلة عامين تقريبا إلى أن غاية ايلول/سبتمبر 2016، عندما سيطرة عليها قوات حفتر.

نفي تهمة الإرهاب

مع بداية الاشتباكات وهزيمة قوات حفتر، سارعت عديد الوسائل الإعلامية والجهات الموالية لحفتر إلى وصف المهاجمين بالإرهابيين التابعين لداعش والقاعدة، وهو ما أثر حفيظة قبيلة المغاربة التي ينتمي أبناؤها لحرس المنشأت النفطية.

وأبدت قبيلة المغاربة التي تسيطر على الموانئ النفطية الأن، استغرابها من تبني بعض وسائل الإعلام "بشكل تعسفي" لاتهامات بأن القتال الذي يدور في مناطق الهلال النفط يجري بين الجيش الليبي و"عناصر إرهابية".

وقال المجلس الاجتماعي لقبيلة المغاربة في بيان له، إن قبيلتهم لها دور مشهود في محاربة الإرهاب خلال فترة وجوده في منطقتي النوفلية وبن جواد. وأبدى البيان تذمر قبيلة المغاربة من تجاهل قضية التهجير القسري لأكثر من 475 شابا و150 أسرة من قبيلة المغاربة.

من المتوقّع أن تؤثّر هذه الخسارة على قوات حفتر ومحاولتها السيطرة على مدينة درنه الساحلية.

يذكر أن عشرات العائلات من قبيلة المغاربة في شرق البلاد تعرضت للتهجير والنزوح من قبل قوات عملية الكرامة التابعة لحفتر في السنوات الأخيرة، بسبب انتماءاتها السياسية أو موالاتها لكتائب الثوار والإسلاميين المناوئين له. وطالب المجلس الاجتماعي للقبيلة، كل الأطراف المتحاربة بالامتناع عن التهديد واللجوء إلى القوة ووقف تحليق الطيران العسكري والنشاطات العسكرية. وأكد البيان تشكيل مجموعات عمل للتواصل مع جميع الأطراف في غضون خمسة أيام ونشر نتائج الاتصالات.

تعزيز نفوذ

تمثل سيطرة قوات جضران على موانئ تصدير النفط في منطقة الهلال النفطي الواقعة بين بنغازي (ألف كلم شرق طرابلس) وسرت (450 كلم شرق طرابلس)، خسارة كبيرة وضربة موجعة لحفتر وقواته، التي تحظى بدعم عسكري وديبلوماسي من مصر والإمارات وروسيا وفرنسا. وتحتوي ليبيا على ثروات هائلة من النفط وتقدر احتياطاتها بنحو 46.6 مليار برميل، وهي الأكبر في إفريقيا.

وتعدّ حقول النفط إحدى أهم بؤر الصراع بين الفصائل المتنازعة في ليبيا منذ الإطاحة بمعمر القذافي في 2011، والأطراف الخارجية التي تدعمها، ويعتبر النفط مصدر الدخل الأساسي للبلاد الذي مثّل قبل اندلاع الثورة الليبية 95% من عائدات الصادرات الليبية.

ومن المنتظر أن تساهم هذه الخسارة لحفتر في تغير موازين القوى في ليبيا، حيث يتوقع مراقبون أن يعيد حرس المنشآت النفطية، المتحالف مع بعض القبائل تقدمها نحو موانئ الهلال النفطي خلال الفترة القريبة القادمة. ويرى المراقبون أن ما يدفع تلك القوة (حرس المنشآت وحلفائهم) إلى العودة الهلال النفطي رغبة كل منهما إلى العودة إلى مناطق نفوذه.

قوات حفتر تتقهقر أمام حرس المنشآت النفطية

بحسب عدد من المراقبين، فإن حسم معركة الهلال النفطي لصالح حرس المنشآت النفطية سيترتب عليه عودة الحرس إلى منطقة نفوذه القبلية والمناطقية التي تسيطر عليها قبيلة الزوية المنافسة لهم في أجدابيا، وسيمثل الانتصار في معركة الهلال النفطي خط إمداد آمن للقوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج.

خسارة لحفتر

من المتوقّع أن تؤثّر هذه الخسارة على قوات حفتر ومحاولتها السيطرة على مدينة درنه الساحلية. ويطمح حفتر إلى السيطرة على درنة بعد أن حاصرها لأكثر من سنتين وأغلق المنافذ عن أهلها وساهم في تشريد وتجويع الالاف من سكان المدينة كعقاب لهم على عدم استسلامهم له وتسليمه المدينة عن طواعية.

ويقول أهالي مدينة درنة إن قوات حفتر تدعي أنها تحارب الإرهاب، في حين أنها من أمنت هروب مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية من درنة إلى مدينة سرت سنة 2015، وتتألف القوات المحاصرة للمدينة من عناصر مسلحة قبلية من المناطق المحيطة بدرنة، والناقمة على مسلحي درنة بسبب خلافات قبلية، أو بسبب اتهام مسلحي درنة بالتورط في تفجيرات شهدتها منطقة القبة قبل سنتين.