استوطن اليونانيون في آسيا الصغرى منذ العصور القديمة، إذ تروي بعض المصادر التاريخية أنّ التاريخ اليوناني في تركيا يعود إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وبقي حاضرًا على مدى القرون اللاحقة خاصة خلال الحكم البيزنطيّ للمنطقة، ثم تلاه الفتح العثمانيّ الذي ضمن لليونانيّين وغيرهم من المسيحّيين أمانهم وسلامتهم وحريتهم الدينية تحت نطاق الدولة.

وبالتالي، لا عجب أنْ نجد الحضارة اليونانية وعمارتها المميزة حاضرة بشكلٍ قويّ وصريح في العديد من الجزر والبلدات التركية، لا سيّما تلك التي تقع بالقرب من اليونان جغرافيًا. فالزائر لتلك الأماكن سيسهل عليه منذ اللحظة الأولى أنْ يستشف مدى انعكاس العمارة اليونانية في تلك المناطق خاصة في تصميم البيوت الحجرية التي تعتمد على اللونين الأبيض والأزرق بشكلٍ أساسيّ، وعلى الأزقة الضيقة والمرصوفة، تمامًا كما تهتمّ بالورود والنباتات المتسلّقة التي تنتشر في كلّ مكانٍ تقريبًا.

بلدة كلكان في أنطاليا

يُعتقد أن كالكان، أو كالاماكي كما كانت تُعرف في التاريخ القديم، قد تم تأسيسها قبل حواليْ 200 عام على يد التجار القادمين من جزيرة ميس اليونانية " Meis"، التي تقع على بُعد ميلين من شاطئ مدينة كاش التركية والتي تبعد بدورها مسافة 18 ميلًا عن كالكان. وقد شجّع قدوم هؤلاء التجّار كلًا من الأتراك واليونانيين على حدٍ سواء بالقدوم إلى البلدة والاستيطان فيها.

تشتهر البلدة بالمنازل والبيوت المطلية باللونين الأبيض والأزرق مقدمةً دليلًا واضحًا وصريحًا على التشابه المعماريّ والهندسيّ بينها وبين الجزر والبلدات اليونانية العديدة، إضافةً لنباتات "الجهنمية" التي تتسلّق على بنايات البلدة وتملؤ شوارعها وزواياها. وقد حافظت كالكان على مدى سنين طويلة على حيويتها ونشاطها لاحتوائها على ميناء وُصف بأنه الأكثر أمنًا في منطقة البحر المتوسط. كما أنّ جغرافيتها الاستراتيجية كونها تقع بالقرب من الجزر اليونانية، شكّلت عاملًا مهمًا في نشاط البلدة السياحي وتعددها الثقافي والفكري.

حتى أوائل عشرينات القرن الماضي، كان غالبية سكّان البلدة من اليونانيّين، لكنّ الأمر بدأ بالتغير بعد قيام الجمهورية التركية الحديثة والحرب التركية اليونانية التي على إثرها انتقل اليونانيون الذين كانوا يعيشون في تركيا إلى اليونان وأستراليا، وعاد الأتراك الذين كانوا يعيشون في اليونان إلى تركيا.

في الميثولوجيا اليونانية، فقد ذُكر الاسم التاريخي للجزيرة "تيندوس" عدة مراتٍ في إلياذة هوميروس، الملحمة الشعرية التي تحكي قصة حرب طروادة، والتي يُعتقد أنّها كُتبت في القرن التاسع قبل الميلاد

وما بين العشرينات والستينات، شهدت البلدة ركودًا سكّانيًا واقتصاديًا كبيرًا، أنقذها منه وصول اليخوت البريطانية التي باتت تقصد البلدة كوجهةٍ سياحيةٍ مفضّلة في أواخر الستينات. وعلى الرغم من التغييرات الكثيرة التي جلبتها السياحة والسيّاح للمنطقة، إلا أنّ الحياة التقليدية لا تزال مستمرة كما كانت عليه سابقًا، ولا يزال بإمكان الزائر استشفاف الأصل العثماني اليوناني لها في هندسته المعمارية المميزة التي تشبه إلى حد كبير الهندسة المعمارية للعديد من الجزر اليونانية.

جزيرة بوزجا في شاناكاله

الجزيرة التي كانت تُعرف باسم "Leukophrys" في العصور القديمة و "Tenedos" في الميثولوجيا اليونانية، تخبرنا للحفريات التي تم العثور عليها في مقبرتها، بأنّ تاريخها من المرجّح يعود إلى عام 3000 قبل الميلاد. فالنقور التي عُثر عليها هناك، تحوي على إحدى جانبيها صورةً لإله السماء والصاعقة في الميثولوجيا الإغريقية "زيوس"، ولزوجته اآلهة المرأة "هيرا" على الجانب الآخر.

ونظرًا لعمقها التاريخيّ، فلا عجب أنّ العديد من الحضارات قد مرّت على الجزيرة واسوطنت بها، فاستقبلت كلٌّ من من البلاسكيين والفينيقيين والأثينيين واليونانيين والفرس والإسكندر الأكبر والبيزنطيين والجنويين والفينيسيين ثمّ لاحقًا العثمانيين كما تروي الكتب التاريخية.

مع بدء حرب البلقان في بدايات القرن الماضي، هوجمت الجزيرة من قبل اليونانيّين الذين اجتاحوها لفترةٍ من الزمن. أما في الحرب العالمية الأولى، فقد تم عزوها من قبل القوات البريطانيّة والفرنسيّة اللتين استخدمتها للدعم اللوجستي من جهة، ولاستراحة جنودهما ومعالجتهم من جهة أخرى. وعلى إثر معاهدة لوزان عادت الجزيرة للسيادة التركية في 20 أيلول 1920.

أما في الميثولوجيا اليونانية، فقد ذُكر الاسم التاريخي للجزيرة "تيندوس" عدة مراتٍ في إلياذة هوميروس، الملحمة الشعرية التي تحكي قصة حرب طروادة، والتي يُعتقد أنّها كُتبت في القرن التاسع قبل الميلاد. إذ كانت جزيرة بوزجا تقع على الجانب الآخرة لمدينة طروادة التي كانت تقع أقصى الشمال الغربي من أواخر الكلاسيكية القديمة المعروفة حاليًا بمنطقة الأناضول في تركيا الحديثة. فقد نزلت جيوش الإسبرطيون في الجزيرة لشحن إمداداتها قبل قيامهم بخطة حصان طروادة وفتح مدينة أسبرطة.

لا تزال هذه البلدات الثلاث، جنبًا إلى جنب مع غيرها، شاهدةً على عمق العلاقات الثنائية التركية واليونانية، بدءًا من عصور ما قبل التاريخ حتى يومنا هذا

تعتمد جزيرة بوزجا اليوم على صيد الأسماك وصناعة النبيذ، إضافةً للسياحة الصيفية. وبما أنها تمتاز بعدد سكانها القليل جدًا مقارنة مع حجمها، إذ تُعتبر ثالث أكبر جزر تركيا من حيث الحجم، فهذا أدى إلى جعلها أكثر جمالًا وهدوءًا مقارنةً بالتجمعات السكّانية المحيطة بها. وتمامًا مثل "كلكان"، فقد أدى القرب الجغرافي للجزيرة من الجزر اليونانية المقابلة، عوضًا عن التقارب التاريخيّ بينها، إلى سهولة التنقّل بين تركيا واليونان، الأمر الذي أدى إلى جعل الجزيرة تنصبغ بالطراز اليوناني المعماريّ ملوّنًا تفاصيلها باللونين الأزرق والأبيض، ومالئًا أزقتها بالورود المتسلقة ذات الألوان الزاهية الجميلة.

بلدة ألاتشاتي في إزمير

تروي الحكاية أنّ عائلةً تركيا وصلت من ساحل ألاتشاتي عام 1830 إلى جزيرة خيوس اليونانية القريبة بعد أنْ دُمرت منازلها ومصادر رزقها بسبب الزلازل العنيفة التي حصلت ذلك العام، وعرضت تلك العائلة على اليونانيين العمل عندهم في مزارع الكروم والزيتون التي تنتشر في أرجاء الجزيرة التركية.

ومع بدء هجرة اليونانيين وتزايد أعدادهم بعد تلك الحادثة، قاموا مع الوقت ببناء بيوتهم الحجرية التقليدية الخاصة على الطراز اليونانيّ المعروف، جاعلين من اللون الأبيض بمثابة اللون الذي سيسطر على كافة أرجاء البلدة منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا. وألاتشاتا في اليونانية هو الحصان الأحمر، وكان اليونانيون في تلك الفترة ينادون حاكمهم باسم Alacaatlı، أي "صاحب الحصان الأحمر"، ومع الزمن تحولت الكلمة وتبدلت حتى أصبحت "ألاتشاتي" أو “Alaçatı”، وهو الاسم الذي ما تزال البلدة تحمله حتى يومنا هذا.

وتمامًا مثلها مثل غيرها من الجزر والبلدات القريبة من اليونان، تشترك ألاتشاتي مع البقية بسردية التاريخ ذاتها فيما يخصّ حرب البلقان وعودة اليونانيّين إلى موطنهم الأم، تاركين جزر وبلدات تركيا التي سكنوها وأقاموا فيها لعقودٍ عديدة. وفي الفترة نفسها، بدأ المهاجرون الفارّين من دول البلقان كالبوسنة وألبانيا بالاستقرار والعمل فيها، الأمر الذي وهب البلدة تنوّعًا وازدهارًا ثقافيًا وعرفيًا واسعًا لا زالت تحافظ عليه حتى يومنا هذا.

ولا تزال هذه البلدات الثلاث، جنبًا إلى جنب مع غيرها، شاهدةً على عمق العلاقات الثنائية التركية واليونانية، بدءًا من عصور ما قبل التاريخ حتى يومنا هذا. ولعلّ تلك البيوت ذات اللونين الأبيض والأزرق، والنباتات الجهنّمية التي تملأ الشوارع والأزقة، هي خير دليلٍ على تلك العلاقات المتبادلة والتي سمحت لهذا النوع المعماريّ والهندسيّ بالخلود ووهبته جماله وعراقته التي تقاوم تغير الزمان والعوامل الأخرى