في خطوة ليست بالمفاجئة، رفعت الحكومة المصرية، صباح أمس السبت، أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 17.5% و66.6%، كذلك أسطوانات الغاز المنزلي (البوتاجاز) بنسبة بلغت قرابة 66.6%، وذلك قبل أيام قليلة من بدء تطبيق الموازنة السنوية الجديدة التي تبدأ أول يوليو/تموز القادم.

الزيادة التي جاءت في اليوم الثاني من أيام عيد الفطر المبارك، وبعد أقل من يومين على زيادة فواتير الكهرباء، أثارت الكثير من التساؤلات حول تعمد الحكومة المصرية اختيار الإجازت لتمرير قراراتها الصعبة، سواء نهاية الأسبوع (الخميس) أو في الأعياد، غير أن البعض عزا ذلك إلى محاولة امتصاص غضب الشارع وسهولة الانتشار الامني في الميادين تحسبًا لأي ردود فعل من قبل المواطنين.

وتعد زيادة أسعار المحروقات هذه المرة هي الثالثة منذ تحرير سعر صرف الجنيه (العملة المصرية) في نوفمبر/تشرين 2016 والرابعة منذ وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي للحكم في 2014، كما أنها لن تكون الأخيرة حسب الخطة الإصلاحية المعتمدة من صندوق النقد الدولي للحصول على قرض 12 مليار دولار.

الحكومة: رفع أسعار الوقود اعتبارا من امس السبت سيوفر للدولة 50 مليار جنيه (2.8 مليار دولار) في السنة المالية الجديدة التي تبدأ أول يوليو/ تموز

حالة من الغضب تسود أوساط المصريين بسبب الارتفاع المتكرر للمحروقات وتداعياتها على أسعار السلع والخدمات، في ظل احوال معيشية متردية، واقتصاد مترهل، يقابله تحذيرات متواصلة من الخبراء حول انعكاسات هذه السياسات على واقع المواطنين المعيشي، ما ينذر بانزلاق الملايين منهم إلى  مستنقع خط الفقر، خاصة وأن النسب الأعلى زيادة تلك التي ترتبط بالفقراء ومحدودي الدخل (سولار وبنزين 80 ) فيما جاء وقود الأغنياء (بنزين 95) الأرخص في معدلات الزيادة.

الانتهاء من 90% من برنامج الإصلاح

قرارات الحكومة المصرية الاخيرة يأتي في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذه لمدة ثلاث سنوات يشمل تحرير سعر الصرف وخفض دعم الطاقة والمياه سنويا وزيادة إيرادات الدولة وإقرار عدد من القوانين الجديدة المحفزة للاستثمار، حيث اشترطت مصر على نفسها فيه رفعًا كاملاً لكافة أشكال الدعم بالتدريج، وتحرير الاقتصاد بالكامل، وارتفاع أسعار كافة الخدمات التي تقدم للمواطن.

وزارة البترول المصرية في بيانها اوضحت رفع سعر البنزين 92 أوكتين إلى 6.75 جنيه (0.38 دولار) للتر من خمسة جنيهات بزيادة نحو 35 بالمئة وسعر البنزين 80 أوكتين الأقل جودة إلى 5.50 جنيه من 3.65 جنيه بزيادة 50 بالمئة.

فيما زاد سعر البنزين 95 إلى 7.75 جنيه للتر من 6.60 جنيه بارتفاع 17.4 بالمئة، وارتفع سعر السولار إلى 5.50 جنيه للتر من 3.65 جنيه بزيادة حوالي 50 بالمئة، فيما زاد سعر اسطوانات الطهي (الغاز الطبيعي) 66.6 بالمئة إلى 50 جنيها للاستخدام المنزلي و100 جنيه للاستخدام التجاري.

من جانبه، قال وزير البترول المصري، طارق الملا إن "تحريك أسعار" الوقود اعتبارا من امس السبت سيوفر للدولة 50 مليار جنيه (2.8 مليار دولار) في السنة المالية الجديدة التي تبدأ أول يوليو/ تموز.

القرارات تسببت في تحمل الفقراء زيادة في الأسعار وصلت إلى 200%، في الوقت الذي لم ترتفع فيه الرواتب الخاصة بهم، وهو ما يقضي على الطبقة الوسطى، في حين كان يمكن تحميل الطبقة الغنية جزءًا من الأعباء أعلى من المواطن الفقير، وهذا لم يحدث رغم مطالب الخبراء الاقتصاديين بذلك

وأضاف الملا في تصريحاته لـ "رويترز" أن "دعم المواد البترولية في موازنة 2018-2019 كان سيقدر بنحو 139 مليار جنيه دون القرارات الجديدة وسيتقلص الآن إلى 89 مليارا"، لافتًا إلى أن "تحريك أسعار الوقود سيساهم في ترشيد استهلاك المواد البترولية بنحو 5%".

فيما أشار وزير المالية، محمد معيط،  المعين في التشكيل الحكومي الاخير قبل يومين، إلى أن مصر انتهت من أكثر من 90% من الإجراءات والقرارات الصعبة فى برنامج الإصلاح الاقتصادى الذي شرعت في تنفيذه على مدار العام المالي 2016 – 2017، وذلك بعد رفع أسعار المحروقات، وما سبقها من قرارات بشأن رفع أسعار الخدمات مثل الكهرباء والمياه وتذاكر المترو.

وأوضح معيط، أن المرحلة الأصعب من برنامج الإصلاح الاقتصادي المستمر لمدة 3 سنوات مرت بالفعل، مؤكدًا أن حجم الدعم بجميع أشكاله فى الموازنة العامة الجديدة للدولة للعام المالي 2018 - 2019 يصل إلى نحو 334 مليار جنيه.

وزير البترول المصري طارق الملا

تجاهل غضب الشارع

لم يجرؤ أي رئيس مصري منذ إعلان الجمهورية على اتخاذ مثل هذه الإجراءات الصعبة في هذه الفترة القصيرة، إذ كان رد فعل الشارع عاملا مهما في تفكير القائمين على أمور البلد قبل الإقدام على مثل هذه القرارات السريعة والمدمرة لحياة المصريين.

ما يقرب من 12 خدمة وسلعة أساسية ومهمة رفعت الحكومة المصرية أسعارها في أقل من شهر، كان آخرها البنزين والسولار والبوتغاز والمازوت بنسب غير مسبوقة، سبقها رفع أسعار تذاكر مترو الأنفاق 250 بالمائة، والكهرباء 26 بالمائة ومياه الشرب 46 بالمائة، وغيرها من ارتفاعات بتراخيص السيارات بنسبة 200 بالمائة واستخراج جوازات السفر 150 بالمائة، وتعريفة التاكسي والمواصلات الداخلية بنسبة 30 بالمائة.

النسب الأعلى زيادة تلك التي ترتبط بالفقراء ومحدودي الدخل (سولار وبنزين 80 ) فيما جاء وقود الأغنياء (بنزين 95) الأرخص في معدلات الزيادة.

ورغم ارتباط مثل هذه الزيادات بحياة المصريين المعيشية وتأثيرها على واقعهم بصورة كبيرة، إلا ان ذلك لم يكن بحسبان الحكومة وصناع القرار في مصر، خاصة وأن القرارات مرت بهدوء، باستثناء اعتراضات شهدتها القاهرة ردا على ارتفاع أسعار مترو الأنفاق، فيما اكتفى الاخرون بالتعبير عن غضبهم على منصات مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما لم يقلق السلطات طالما لم يتجاوز حدود العالم الافتراضي.

الخبير الاقتصادي المصري إبراهيم نوار، وصف هذا الصمت المخيم على أرجاء الشارع المصري بحالة "الإغماء الاجتماعي" لافتا في تدوينة له على صفحته الشخصية على "فيس بوك" ان "الناس في مصر أصبحوا مغمى عليهم إجتماعيا بسبب صدمات الأسعار المتكررة والتقلبات اليومية للأسواق..ومع زيادة حالة الإغماء الإجتماعي واتساع نطاقها، ستزيد محاولات الهروب من الواقع بالمخدرات، أو الإنتقام من الواقع بالجريمة، أو الإنتقام من النفس بالإنتحار"

تضاعف معدلات الفقراء

تنعكس قرارات زيادة أسعار المحروقات على بقية السلع والخدمات، حيث من المتوقع أن تقفز بصور جنونية وهو ما بدأت تتضح ملامحه الأولى في المواصلات ووسائل النقل والتي استجابت لقرار الزيادة منذ الثواني الأولى له.

كل هذا بلا شك سينعكس سلبًا على معدلات التضخم التي ارتفعت خلال السنوات الأخيرة بصورة غير مسبوقة في تاريخ مصر وإن تراجعت في الأشهر الأخيرة غير أن زيادات الأمس ربما تعيدها إلى معدلاتها السابقة.

معدلات الفقر في مصر تزيد بمنحنيات فائقة السرعة خاصة بعد قرار تعويم العملة المحلية، ووفقًا لتقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فقد بلغت نسبة المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر 27,8%، وفقًا لبحث الدخل والإنفاق لعام 2015 ، وفي عام 2017 ذكر الجهاز أيضًا أن 27% من سكان مصر لا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية، ويقع 30 مليون مصري تحت خط الفقر وفق الإحصائيات الرسمية للعام الماضي، وأن متوسط دخل الأسرة المصرية يبلغ 45 ألف جنيه سنويًّا، بينما متوسط دخلهم الشهري 3750 جنيهًا، تزامنًا مع ذلك زيادة مرتفعة للأسعار ومعدل التضخم السنوي بنسبة 12,9% في مايو 2017، كما ارتفعت الأسعار إلى 188,9 نقطة مقابل 182,8 نقطة خلال أبريل 2017.

الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أوضح أن معدلات الفقر سالفة الذكر قابلة للزيادة خلال الفترة المقبلة، مشيرًا أن التقرير الإحصائي للجهاز المركزي أشار إلى أن قيمة متوسط خط الفقر المتوقع للفرد في الشهر لا تتجاوز 322 جنيهًا ، بينما وصلت قيمة متوسط خط الفقر الكلي للسكان 482 جنيهًا شهريًّا، هذا على حساب دولار واحد في اليوم في الوقت الذي يحدد فيه خط الفقر العالمي بدولارين في اليوم.

لم يجرؤ أي رئيس مصري منذ إعلان الجمهورية على اتخاذ مثل هذه الإجراءات الصعبة في هذه الفترة القصيرة، إذ كان رد فعل الشارع عاملا مهما في تفكير القائمين على امور البلد قبل الإقدام على مثل هذه القرارات السريعة والمدمرة لحياة المصريين

قال صادق لـ"نون بوست" إنه توقع زيادة نسبة الجريمة ومعدلات السرقة خلال الأيام المقبلة في ظل التداعيات السلبية لقرارات الإصلاح الاقتصادي التي تعتمد في المقام الأول على استنزاف جيوب الفقراء عبر خفض الدعم وزيادة الرسوم والضرائب.

الدكتور محمود الشريف، الخبير الاقتصادي المصري، علق على هذه القرارات بأن الحكومة ليس لها برنامج اقتصادي واضح ومحدد المدة لعلاج ملف الفقر والبطالة، مشيرًا أن تلك القرارات تسببت في تحمل الفقراء زيادة في الأسعار وصلت إلى 200%، في الوقت الذي لم ترتفع فيه الرواتب الخاصة بهم، وهو ما يقضي على الطبقة الوسطى، في حين كان يمكن تحميل الطبقة الغنية جزءًا من الأعباء أعلى من المواطن الفقير، وهذا لم يحدث رغم مطالب الخبراء الاقتصاديين بذلك.

وأشار إلى أن "الوضع الحالي لا يدعو للتفاؤل كثيرًا بشأن قدرة الحكومة على الحد من ارتفاع البطالة بين الشباب والحد من الفقر في مصر ، وسط إصرار الحكومة على المزيد من رفع الدعم عن المواد البترولية والطاقة لمواجهة العجز في الموازنة والتضخم".

توقعات بزيادة معدلات الفقراء في مصر بشكل غير مسبوق

مواقع التواصل تشتعل

حالة من الغضب بين المصريين خيمت على مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت المتنفس الوحيد لتعبير الرافضين عن هذه السياسات الحكومية الجديدة التي يدفع الفقراء وحدهم ثمنها بصورة ربما تهدد مستقبلهم إن لم تقتل حاضرهم.

السفير علاء الحديدي، عبر صفحته على "فيس بوك" استنكر لجوء الحكومة لمثل هذه القرارات الصعبة على محدودي الدخل في الوقت الذي ترفع فيه رواتب فئات أخرى كالوزراء والنواب فضلا عن البذخ في الانفاق على بعض المشروعات غير الحيوية.

وكتب يقول " البعض بستغرب ان الناس مش فاهمة ليه تم رفع سعر البنزين، وفعلا فى ناس مش قادرة تفهم زيادة ميزانية مجلس الشعب علشان يسافروا يحضروا كاس العالم فى موسكو او بناء عاصمة صيفية فى العلمين بجانب طبعا العاصمة الإدارية الجديدة بفندق أتكلف ٩٠٠ مليون جنيه غير اكبر جامع فى الشرق الاوسط غير مدينة ألعاب مائية فى جبل الجلالة, ده طبعا غير ٦٤ مليار تم جمعها لرفع الروح المعنوية وسياسة مالية عبقرية ضاعفت ديون مصر الخارجية ل ٨٣ مليار دولار دون حساب الديون الداخلية وتخفيض العملة لأكثر من النصف ولن اتحدث عن سوء الإدارة وإهدار الموارد وإضاعة الفرص واهمال الصناعة والزراعة لصالح سياسات لا يستفيد منها سوى جماعات معينة ، هذا ناهيك عن الفساد الذى نسمع عنه والاخطر الذى لا نسمع عنه وبعدين البعض يقول علينا لا نفهم ، طيب فهمونا بقى"

بينما وصف الكاتب الصحفي أنور الهواري ما حدث بانه "صعق كهربائي" حيث كتب على صفحته يقول "ماحدث اليوم ، هو أقرب مايكون إلي الصعق الكهربائي، صعق جماعي يفتقد إلي الحكمة والرشد في اتخاذ القرار ، صعق ينطوي علي قدر عال من القسوة والاستخفاف بالناس..".

فيما تصدر وسم " #البنزين " تريند الاكثر تداولاً على موقع "تويتر" حيث بات المنبر الأعلى رواجًا للتعبير عن حالة الغضب التي سيطرت على المصريين منذ الإعلان رسميًا عن هذه القرارات التي أجهضت فرحة العيد وأثارت قلق الملايين من الفقراء حيال واقعهم المرير ومستقبلهم الغامض.

وفي المقابل هناك من دافع عن هذا القرار بزعم ان "الإصلاح مر" ولا بد من تحمله، كما هو الحال في الوسم "#هنستحمل_زيادة_البنزين"  الذي روجت له الصحف والمواقع الموالية للنظام الحالي، بخلاف بعض رجال الأعمال وعلى رأسهم نجيب ساويرس الذي نقل معظم أرصدته واستثماراته للخارج خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، والذي كتب يقول "طبعا الغلا صعب لكن اللى عايزين يصطادوا فى الميه العكرة أصعب .. فنصبر معلش ... و بكره ان شالله أحسن ..و انا مش بقول كده علشان انا مرتاح لا ... بس دايما العلاج مر".