كيف تحرم الهواتف الذكية أطفالنا مما يحتاجونه؟

لا شك أن تربية الأطفال ليست عملية سهلة ولطيفة، فهي لا تنطوي فقط على مراقبة الطفل وإطعامه والتأكد من أن ملابسه نظيفة، فهناك أمور تستدعي الانتباه إلى نموه وسلوكياته التي ستشكل شخصيته وطريقة تفكيره في المستقبل، ولحماية الطفل من أي فراغات عاطفية ومعرفية أو أي اضطرابات نفسية لا بد أن يتخلى الأهل عن الكثير من أوقاتهم وأنانيتهم مقابل أطفال أكثر صحة وذكاء.

في الوقت الذي تنتشر فيه التكنولوجيا بين أيدي البالغين بشكلٍ واسع، أشارت تقارير متعددة بأن عدد الأطفال الذين تم إدخالهم للمستشفى بسبب حوادث تعرضوا لها في أثناء اللعب ازداد بنحو الثلث خلال الـ5 سنوات الماضية، وذلك نتيجة تشتت انتباه الوالدين بهواتفهم النقالة وإغفالهم تحركات أطفالهم، ولتفادي هذه الأمور أشار الخبراء إلى ضرورة تطوير التكنولوجيا التي لا يمكن استخدامها بمرونة كافية أو تنبيه الوالدين بالآثار المترتبة على انشغالهم.

كيف يؤثر الانشغال التكنولوجي للوالدين على شخصية الطفل؟

من المتعارف عليه أن استخدام الهاتف والمراسلة تتطلب وقتًا وانتباهًا كبيرًا ما يجعل المستخدم في حال انشغال دائم، وعدم قدرة الأم العاملة مثلًا على مواكبة سير العمل أو التواصل الاجتماعي يخلق ضغوطًا نفسية عليها وشعورًا بالذنب لعدم قدرتها على التنظيم والوفاء لأي وظيفة، سواء المهنية أم التربوية المنزلية.

لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن استغراق الآباء في قراءة البريد الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي ونصوص المراسلة تفصلهم ذهنيًا وعاطفيًا عن المحيطين بهم، وهو ما قد ينعكس على علاقتهم بالأطفال بشكل سلبي بسبب الردود العدائية والجافة أو السطحية التي لا ترضي فضول الطفل ولا تلبي احتياجاته العاطفية.

ولا تقف المشكلة عند هذا الحد، فهي تسبب ردود فعل جانبية تجعل الأطفال يتصرفون بغرابة أو بإلحاح مزعج من أجل جذب انتباه الآباء إليهم، وغالبًا ما يلجأ الطفل إلى سلوكيات غير مقبولة لتحقيق ذلك، مثل الصراخ والعنف، وهذا ما أكدت عليه دراسة أخرى، تقول إن الأطفال الذين يتم تجاهلهم يشعرون بالإحباط ويميلون إلى الإفراط في الحركة والنشاط الزائد.

 العلاقة بين الطفل والآباء تبنى على تفاصيل صغيرة من عملية التواصل وأهمها تعبيرات الوجه المختلفة والتواصل بالابتسام وغيرها من الإيماءات التي تحفز عواطفه وتخلق علاقة حميمة بينه وبين ومربيه

وبما أنه أقرب للمستحيل أن يتخلى أحد عن التكنولوجيا، فإن العلماء لا يوصون الأهالي بمقاطعة الأجهزة الإلكترونية، خاصةً أنها تمثل لهم مهربًا من الالتزامات الروتينية والمسؤوليات الثقيلة التي يواجهونها كل يوم دون إجازة أو متنفس، ولكنهم في نفس الوقت يطالبونهم بتخصيص أوقات معينة يتخلى فيها الجميع عن هذه الأدوات لتتوفر لهم وأطفالهم فرصة أفضل في التواصل والتفاعل.

كما يسلط العلماء الضوء على جانب أكثر دقة، إذ تدلل الأبحاث العلمية بأن العلاقة بين الطفل والآباء تبنى على تفاصيل صغيرة من عملية التواصل وأهمها تعبيرات الوجه المختلفة والتواصل بالابتسام وغيرها من الإيماءات التي تحفز عواطفه وتخلق علاقة حميمة بينه وبين ومربيه.

القدرات المعرفية للطفل

من جهة أخرى، أثبتت الدراسة أن انشغال الآباء بقراءة الكتب وما شابهها لا يسيطر على اهتمام وتركيز المستخدم مثل الهواتف الذكية، وهذا يعزز تفاقم المشكلة، خاصةً أن الطفل في أول ثلاث سنوات من عمره يحصل على 80% من مهارات اللغة والكلام والقدرات الإدراكية التي ستحدد فيما بعد نجاحه في المدرسة والعلاقات الاجتماعية في العالم الخارجي.

ومن أجل تنمية هذه الجوانب لا بد من وجود شخص يركز مع الأطفال ويستمع إلى ثرثرتهم ويستجيب لتفاعلاتهم، ليس فقط لتقوية الروابط العاطفية معهم، وإنما لتعزيز نمو المخ لديهم وزيادة مرونة المسارات العصبية أيضًا التي تساعد الدماغ على اكتساب واستيعاب المعلومات الجديدة.

علقت على ذلك البروفيسورة سوزان نيومان، أستاذة في تعليم الطفولة ومحو الأمية بجامعة نيويورك، قائلةً: "كثيرًا ما أرى أن الآباء يتجاهلون أطفالهم تمامًا، وغالبًا يؤدي ذلك إلى نشوء السلوك السيئ بين أولئك الأطفال، لأن احتياجاتهم يتم تجاهلها تمامًا من الوالدين، والأطفال بحاجة إلى التفاعل مع الوالدين، وعندما يعزل الآباء والأمهات أنفسهم عن طريق اللهو بهواتفهم الجوالة فإن الأطفال لا يحصلون على هذه الحاجة الإنسانية الأساسية، وهي الاهتمام بهم في أوقات معينة".

"تنفقون الكثير من الوقت للتأكد من تناول أطفالكم للطعام بطريقة صحيحة، وللتأكد من تلقيهم للقاحات اللازمة ولنيلهم القسط الكافي من الراحة، ومع ذلك فإن نمو تواصلهم الاجتماعي بشكل طبيعي أمر لا يقل أهمية عن تلك الجوانب الصحية البدنية"

حيث لا تقل هذه الجوانب أهمية عن احتياجات الطفل الجسدية والمادية التي يُعتقد بأن الطفل يتلقاها أكثر من غيرها، رغم أن الأمر لا يتطلب أكثر من التحدث مع الطفل والنظر إليه حتى يكتسب مهارات التواصل والمهارات الاجتماعية اللازمة في حياته المستقبلية.

وأكدت ذلك الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال التي نشرت بحثًا يتعلق بانهماك الوالدين بالوسائل التكنولوجية، فقالت: "تنفقون الكثير من الوقت للتأكد من تناول أطفالكم للطعام بطريقة صحيحة، وللتأكد من تلقيهم للقاحات اللازمة ولنيلهم القسط الكافي من الراحة، ومع ذلك فإن نمو تواصلهم الاجتماعي بشكل طبيعي أمر لا يقل أهمية عن تلك الجوانب الصحية البدنية".

هذه الأبحاث والدراسات ليست فقط عبارة عن تنبيه للآباء بشأن تسلل التكنولوجيا إلى علاقتهم مع أبنائهم، بل قد تكون تفسيرًا أيضًا على تصرفات بعض الأطفال الذين يميلون إلى التصرفات الصاخبة والسلوكيات المسيئة للأخلاق والآداب العامة كافتعالهم للمشاكل والإفراط في التعبير عن غضبهم.