طوال الأيام الماضية، انشغل صناع القرار السعودي، بعملية تدوين جماعي ينفي دعم بلادهم لقنوات "BeoutQ" المقرصنة لحقوق البث التليفزيوني لكأس العالم، أعقبه حذف جماعي أيضًا من وسائل إعلام المملكة لجميع تغريداتها على وسائل التواصل الاجتماعي التي احتفت بالقناة ونوهت عنها، وذلك فور معرفة عزم الفيفا اتخاذ إجراءت حاسمة وقوية، قد تطال نشاط كرة القدم السعودي بأكمله بما يمثل هزيمة أخرى لصالح قطر في المحافل الدولية.

قبل عدة أيام، وبعد نحو أسبوع من البيان الناري للفيفا عن درايته بقرصنة BeoutQ للمباريات الأولى من كأس العالم، لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتصديه بمنتهى الجدية لانتهاكات ملكيته الفكرية وإعلانه دراسة كل الخيارات المتاحة لوقف عملية خرق حقوقه، استضافت قناة 24 السعودية الموجهة بالأساس لمحاربة تيارات الإسلام السياسي، سعود القحطاني المستشار بالديوان الملكي والذراع الأيمن لمحمد بن سلمان، لينفى تورط بلاده في دعم عملية القرصنة.

خلال اللقاء حاول القحطاني إلقاء الكرة في ملعب قناة الجزيرة القطرية، واتهمها بتشويه صورة بلاده زاعمًا أن أجهزة الاستقبال الخاصة بالقرصنة، متاحة في عديد من الدول بما في ذلك قطر نفسها التي تمتلك حقوق بث البطولة، ورغم ذلك لم يجب القحطاني عن أسباب انتشار رسيفيرات القناة في جميع الأسواق بالمملكة، ولماذا تروج لها وسائل الإعلام السعودية بأكملها، ولماذا حذفت جميع تغريداتها في وقت لاحق.

استشعار السعودية عدم ثقة المؤسسات الدولية في مسؤوليها، جعلها تتصرف بارتجال واستعجال في محاولة لتلافي أي ضربة ستحسب بالطبع للنظام القطري على حساب نظيره السعودي

هذه التساؤلات قدمها تقرير لوكالة بلومبيرج الذي فند حديث سعود القحطاني، وسخر من ادعاء المسؤول الرفيع حرص بلاده على حقوق الملكية الفكرية، ورفع نفس التساؤلات عن سهولة الحصول على قناة القرصنة في المملكة العربية السعودية ونقل معد التقرير صورة حية من الواقع، مؤكدًا أجهزة الاستقبال لا توجد فقط في كل منزل، بل تم توزيعها بشكل كبير على الميادين والشوارع وحتى المؤسسات الحكومية، بما يؤكد الدعم الحكومي الواضح لعملية القرصنة.

بعد يوم واحد من لقاء القحطاني، دخل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم في تراك الأزمة، وأصدر بيانًا أكثر وضوحًا من بيان الفيفا، واتهم السعودية بشكل رسمي بدعم قناة بي أوت؛ كان واضحًا على بيان الاتحاد الصارم استمرار حالة الغضب الشديد من المعركة الهلامية التي افتعلها المسؤول الأول عن الرياضة في السعودية تركي آل شيخ، وادعائه أنه رفض طلبًا من رئيس "الويفا" لمقابلته، مما أجبر الاتحاد على الرد ونفي معرفته بشخص ترك بالأساس، وهي الواقعة التي ظلت لأيام مثار سخرية على وسائل التواصل.

الويفا ينفي معرفته بتركي آل شيخ

استشعار السعودية عدم ثقة المؤسسات الدولية في مسؤوليها، جعلها تتصرف بارتجال واستعجال في محاولة لتلافي أي ضربة ستحسب بالطبع للنظام القطري على حساب نظيره السعودي، وبدلاً من كسر هيبة الجزيرة وذراعها الرياضي "بي إن سبورت"، قد تتلقى الكرة السعودية بأكملها ضربة تعيدها للخلف أعوام طويلة، خصوصًا ان المملكة تعلم جيدًا مدى صرامة الفيفا، لذا اتخذت التهديدات على محمل الجد.

وبشكل سريع لم تكتف السعودية فقط بمصادرة الآلاف من أجهزة استقبال القناة المقرصنة، بل سارعت عبر جميع منافذها الإعلامية الرسمية إلى إعلان ذلك، مؤكدة أن وزارة التجارة والاستثمار في السعودية صادرت كل ما يمكنه تسهيل عمل قناة BeoutQ لتضفى التزامًا حكوميًا على الأزمة التي ستدخل منافذها الرسمية بالتأكيد، بعد انتهاء فعاليات كأس العالم وتفرغ الاتحاد ومؤسساته القانونية لإدارة صراع الحقوق والواجبات مع السعودية وحلفائها، خصوصًا في ظل تمسك قطر بمعاقبة المملكة، حماية لحقوقها المادية والأدبية.  

المملكة تتهم "بي إن سبورت" بتشويه سمعة الاتحاد السعودي لكرة القدم

كانت قناة BeoutQ أحد الحلول التي تؤكد كارثية الكيفية التي تدار بها الأزمات على مستوى عالمي، داخل مراكز صنع القرار الرياضي السعودي، خصوصًا بعد قيام المملكة بحظر قنوات بي إن سبورت على أراضيها، وهي المالكة لحقوق البث بالأساس بما حذا بتوعد قطر هي الأخرى بملاحقة قراصنة شبكتها الرياضية.

ورغم تسيس الأزمة في الدول العربية، واعتبارها أحد مفاتيح التحدي والمناطحة التي لا تنفض بين السعودية وقطر، فإن المتتبع لأداء الاتحاد الدولي لكرة القدم، سيجد صرامة قاسية مع الجميع فيما يتعلق بالملكية الفكرية، ولا يستثنى أحدًا بما في ذلك "إسرائيل"، وسبق أن وجه لها بيانًا رسميًا نفى فيه امتلاكها أي حقوق لبث مباريات كأس العالم في شمال إفريقيا وحدود الشرق الأوسط، واعتبر أن الحق حصري لـ"beIN Sports".

التقرير الذي صدر تزامنًا مع الأزمة الدائرة بين قطر السعودية عن الحقوق الفكرية، تناول بقلق كبير ما أسماه الممارسات التجارية للعديد من الدول حول العالم

هل تحافظ السعودية على الملكية الفكرية؟

في دول العالم الثالث تعد الملكية الفكرية رفاهية أو ربما "تفاهة" لا يجب الانشغال بها، رغم خطورة القضية في المجتمع العالمي، وربما من ويلات القدر على السعودية، ومن حظ قطر في نفس الوقت، توجيه ضربة كبرى للمملكة الأيام الماضية فيها يتعلق بهذه القضية، بعدما نشر التقرير الأمريكي السنوي لحماية حقوق الملكية الفكرية، وكشف الكثير من الممارسات في المنطقة التي تفضح نظرة الامتهان لهذه الحقوق التي تكلف مليارات بمعايير السوق الحرة في الوقت الحاليّ.

التقرير الذي صدر تزامنًا مع الأزمة الدائرة بين قطر السعودية عن الحقوق الفكرية، تناول بقلق كبير ما أسماه الممارسات التجارية للعديد من الدول حول العالم، جاء في القلب منها بالمنطقة العربية السعودية والإمارات ومصر، بينما استثنى التقرير قطر التي خرجت من هذا التصنيف الذي يتهم أسواق السعودية والإمارات على وجه التحديد بعمل ترانزيت لتوزيع السلع المزيفة على المنطقة وأوروبا.

مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة الذي أعد التقرير، شدد عبر مجموعة إحصاءات موثقة أن الدول التي رصدها لا تراعي حماية حقوق الملكية الفكرية للشركات الأمريكية، واستمر في صياغته معددًا العوائق الكبرى التي تواجهها الشركات الأمريكية في أسواق السعودية والإمارات في كثير من الصناعات الحيوية التي يتم تقليديها دون إذن من المالك الأصلي لتلك السلع وبشكل خاص الأدوية.

من المتوقع أن تجد الأزمة القطرية السعودية على وجه التحديد طريقًا لإحداث ثقوب أكبر بالعلاقة بينهما خلال الأشهر القادمة، في ظل اتساع الفجوة وانتقالها من أروقة الصراع السياسي إلى الرياضي

ورغم إشارة التقرير إلى محاولات مصر ـ التي شملها التقرير أيضًا ـ  السيطرة على محاربة البث التليفزيوني غير القانوني، وانتهاك المحتوى الذي يبث عبر الأقمار الاصطناعية، والسير قدمًا في الملاحقات القانونية لهؤلاء، ففي الوقت نفسه، لم يشر للسعودية ولو على سبيل محاولة مقاومة عمليات تقليد المنتجات العالمية رغم إمكاناتها الكبيرة التي تفوق مصر بمراحل لا تحصى ولا تعد، ولم يجد مفرًا من التذكير بالأرشيف السيئ للسعودية في هذا المجال، وهو ما أجبر الممثل التجاري الأمريكي على وضع المملكة على قائمة عام 2018 لمنتهكي الملكية الفكرية.

كان نفس التقرير الذي يصدر سنويًا قد كشف خلال الأعوام الماضية قيام السعودية بمنح شركاتها المحلية حق إنتاج أدوية دون إخضاعها أولاً للإجراءات المتبعة في حماية براءات الاختراع التي لا تتهاون معها الشركات الأمريكية، صاحبة المنتج الأصلي والغريب أنه يتعارض مع القانون المحلي السعودي أيضًا الذي يرفض على الورق انتهاك الملكية الفكرية، ولكن شتان بين النظرية والتطبيق.

من المتوقع أن تجد الأزمة القطرية السعودية على وجه التحديد طريقًا لإحداث ثقوب أكبر بالعلاقة بينهما خلال الأشهر القادمة، في ظل اتساع الفجوة وانتقالها من أروقة الصراع السياسي إلى الرياضي، وستزيد أكثر وأكثر إذا ما واجهت السعودية عقوبات من الفيفا والويفا، وهو الطريق الذي تطرقه قطر بشدة حماية لحقوقها من الانتهاك وتقديم المزيد من كروت الإرهاب لحلف المعارضة، يوضح أن الدولة التي تمثل أزمة صغيرة جدًا جدًا للسعودية، قادرة على إحداث المزيد والمزيد من الخسائر للجميع.