لم تسلم الرياضة العالمية من قاذورات السياسة ومشاعر العنصرية، ولم يخل المونديال من المظاهر التي تأثرت بالمحيط السياسي والأحداث الجارية، فكانت تلك السلبيات حاضرة وبقوة في بطولة كأس العالم المقامة حاليًّا في روسيا.

كان من الغريب أن ترى تلك التجاوزات من خلال نافذة تظن أنها حضارية، كبعض البلدان والشعوب التي تعتبر في ركب الدول الحضارية والمتقدمة، فكان مجرد التقاط صورة مع رئيس دولة كفيلاً بحالة استهجان ورفض من الجماهير الألمانية للاعبيّ المنتخب الألماني مسعود أوزيل وإيلكاي غوندوغان.

فلم تشفع لهما نجوميتهما وتألقهما مع المنتخب الألماني منذ أكثر من ثماني سنوات عند الجماهير الألمانية، فحالة التجاذبات السياسية بين تركيا وألمانيا كان لها تأثيرها البارز على لاعبيّ المنتخب الألماني ذوي الأصول التركية، فالتقاطهما صورة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبيل المونديال أثار حفيظة جماهير المانشيفت الألماني، وظهر ذلك جليًا في مباراة ألمانيا الأولى في المونديال مع المنتخب المكسيكي، حيث صفر جمهور المنتخب الألماني كوسيلة للتعبير عن استيائه من لاعبي المنتخب أوزيل وغوندوغان.

نجم ليفربول الإنجليزي كان على موعد مع حملة لاستغلاله سياسيًا، فمنحه وسام الشرف الشيشاني والجنسية من رئيس الجمهورية الشيشانية (قاديروف) كان له صدى واسع في الصحف البريطانية

ولم تكن الدولة الأولى في العالم في إدارة الثروات الشخصية بعيدة عن إقحام السياسة في بطولة كأس العالم الحاليّة، ويأتي ذلك من خلال طريقة احتفال لاعبيّ المنتخب السويسري شيردان شاكيري وجرانيت تشاكا بإحرازهما هدفين في مرمى المنتخب الصربي خلال اللقاء الذي جمع بينهما في إطار دور المجموعات للمونديال، حيث أشار اللاعبان بيدهما لشعار النسرين المتشابكين الخاص بالعلم الألباني، في إشارة واضحة من اللاعبين اللذين ينحدران من أصول ألبانية وكوسوفية للأزمة والحروب التي كانت بين الصرب وألبانيا، ورفض الأولى الاعتراف باستقلال جمهورية كوسوفو، وعلى إثر ذلك غرم الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) اللاعبين كعقوبة على التلويح بإشارة سياسية في البطولة.

وكانت أزمة الهجرة التي يعاني منها العالم اليوم لها تأثيرها الخاص على المونديال أيضًا، فلاعب المنتخب السويدي جيمي دورمازان لم يسلم من الإساءة العنصرية، حيث تعرض اللاعب لحملة ممنهجة من الإساءة العنصرية عبر الإنترنت من الجمهور السويدي، ووصل الأمر ببعضهم إلى حد التهديد بإيذاء عائلته، في حين وصفه آخرون بألقاب مشينة تعكس حالة العنصرية المقيتة لدى بعض الجماهير السويدية كوصف (الشيطان العربي) او (الإرهابي) على حد تعبيرهم، ويأتي ذلك إثر هزيمة المنتخب السويدي أمام المنتخب الألماني في الدقيقة الأخيرة للمباراة، وجاء الهدف الألماني في الوقت القاتل نتيجة كرة ثابتة من خطأ ارتكبه اللاعب دورمازان الذي ولد في السويد لوالدين مهاجريين قادمين من تركيا.

لا بد لنا من تعزيز كل شيء جميل نراه في هذا المونديال، فما أفسدته السياسة لا ضير في أن تُصلحه الرياضة

كان للنجم العربي المصري محمد صلاح نصيب من خلط الأوراق في مونديال روسيا، فلا أحد يستطيع أن يغض الطرف عما حصل مع صلاح في معسكر المنتخب المصري في الشيشان، فنجم ليفربول الإنجليزي كان على موعد مع حملة لاستغلاله سياسيًا، فمنحه وسام الشرف الشيشاني والجنسية من رئيس الجمهورية الشيشانية (قاديروف) كان له صدى واسع في الصحف البريطانية، وأثَّر ذلك على جمهوره الإنجليزي، ويأتي ذلك من خلال الأزمة السياسية الواقعة بين روسيا وبريطانيا إثر قضية تسميم العميل الروسي المزدوج سكريبال.

تعكس هذه المواقف والأحداث حالة التأزم الدولي والعالمي في بطولة كانت من المفترض أن تكون للمتعة والإثارة والترويح عن النفس، فقد كنا وما زلنا نتمنى ألا تفسد السياسة باقي مجالات الحياة، فيكفينا منها ما أفسدته، بحيث تأبى السياسة إلا وتُعكر صفو كل جميل.

وعلى العكس تمامًا فلا بد لنا من تعزيز كل شيء جميل نراه في هذا المونديال، فما أفسدته السياسة لا ضير في أن تُصلحه الرياضة، ونرى ذلك واضحًا في المونديال، كما حصل مع الطاقم التحكيمي الذي أشرف على مباراة السنغال وبولندا، وكان بقيادة الحكم البحريني نواف شكر الله مع الحكمين المساعدين القطريين سالم المري وعبد الرحمن جاسم، ليجمع المونديال ما فرقته السياسة، في صورة جميلة تتجاوز الأزمة السياسية بين البلدين.