في الـ13 من مايو الماضي أعلن التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية بدء معركة تحرير الحديدة والزحف نحو ميناء المدينة الذي يعد الشريان الحيوي للمليشيات الحوثية المدعومة من إيران، إلا أن تلك العمليات توقفت أكثر من مرة، لعدة عوامل كان أبرزها الضغط الأمريكي والبريطاني على التحالف والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، فتوقفت لأكثر من شهر وكانت تزحف أحيانًا لتحقق انتصارات سريعة وأخرى تبطئ في التقدم.

ويوم الثلاثاء 19 من يونيو 2018، أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والتحالف العربي بدء عملية النصر الذهبي لتحرير الحديدة، واستطاع التحالف والمقاومة الوطنية المشتركة (حراس الجمهورية والمقاومة التهامية وألوية العملاقة الجنوبية) السيطرة على مطار الحديدة الدولي البالغ مساحته 20 كيلومترًا مربعًا في غضون 24 ساعة، بعد أن توقفت العمليات العسكرية التي أعلنت في 13 من ذات الشهر بدء الزحف نحو المحافظة التي يقطنها 2.5 مليون نسمة لمرتين، نتيجة الضغوط الدولية التي دعت التحالف والحكومة الشرعية اليمنية بإعطاء مهلة للمبعوث الدولي إلى اليمن البريطاني مارتن غريفيث لإجراء مفاوضات مع زعماء المليشيا الحوثية لتسليم الحديدة دون قتال.

كانت المرة الأولى عندما دعت دول إقليمية إلى عقد جلسة طارئة خاصة باليمن لمناقشة التحرك العسكري نحو مدينة الحديدة، وما يمكن أن يخلف من آثار إنسانية، إلا أن التحالف العربي استطاع أن يقنع الأمم المتحدة بأهمية السيطرة على المطار من أجل تحسين الوضع المأساوي الذي يتسبب به الحوثيون بعد أن عاثوا في المدينة فسادًا، ونهبوا مقدرات المواطنين والمؤسسات الحكومية، إضافة إلى أنهم اتخذوها منفذًا لتهريب الأسلحة.

في غضون 24 ساعة من المهلة تمكنت القوات اليمنية المشتركة (ألوية العمالقة وحراس الجمهورية والمقاومة التهامية) من التقدم نحو المطار وأسقطت في طريقها منطقة الجاح والدريهمي وأجزاء من مديرية الفازة والتحيتا ومفرق زبيد وبيت الفقيه والطائف

ورغم ذلك منحت الحكومة اليمنية الشرعية والتحالف العربي الأمم المتحدة ومبعوثها إلى اليمن مهلة لإقناع الحوثيين بتسليم ميناء ومطار ومدينة الحديدة إلى الأمم المتحدة لإدارتها دون قتال حفاظًا على الأرواح، إلا أنهم استكبروا وفضلوا القتال.

بعد هذا العرض خرج عبد الملك الحوثي زعيم المليشيا المدعومة من إيران، بكلمة تهجم فيها على التحالف العربي واليمنيين، وتحدث بلغة المنتصر معلنًا التحدي، وقال إنه يفضل أن يموت ويتم تقطيعه إربًا إربًا دون أن يعلن الخنوع والاستسلام على حد قوله، وهو ما أثار حفيظة القوات اليمنية التي تدعمها الإمارات وتتخذ من ميناء المخا الإستراتيجي أيضًا مقرًا لها وقررت التقدم نحو المطار.

وفي غضون 24 ساعة من تلك المهلة تمكنت القوات اليمنية المشتركة (ألوية العمالقة وحراس الجمهورية والمقاومة التهامية) من التقدم نحو المطار وأسقطت في طريقها منطقة الجاح والدريهمي وأجزاء من مديرية الفازة والتحيتا ومفرق زبيد وبيت الفقيه والطائف، وتقدمت أكثر نحو المطار رغم الألغام التي زرعها الحوثيون في الطريق في محاولة لعرقلة القوات المتقدمة.


قوات يمنية مشتركة في أثناء اقتحام مطار الحديدة

تحرك المبعوث بشكل عاجل، وطالب الأمم المتحدة بالضغط على الإمارات العربية المتحدة التي تقود الحرب في الساحل الغربي لليمن لوقف التقدم ومنحه فرصة لتحريك عملية السلام وإقناع الحوثيين بتسليم المدينة إلى الأمم المتحدة لإدارتها، ومع أن الأمور تبدو محسومة لصالح القوات اليمنية المشتركة التي تدعهما الإمارات العربية المتحدة، إلا أنها رضخت لتلك الضغوط، لكن دون جدوى.

استمر الحوثي بالتعنت، وظن أن قبول القوات المشتركة للسلم ضعفًا، وأرسل مزيدًا من الأطفال والشباب الذي تم اختطافهم من قراهم ليقاتلوا عنوة تحت راية الحوثي والدفاع عن ولايته، إلا أن طريقة الجمع كانت أحد أسباب عامل الخسارة التي يتعرض لها بالحديدة، نتيجة الجمع والخطف العشوائي للأطفال وتسليم السلاح لهم للذهاب إلى المعارك دون تدريب لمواجهة قوات متدربة وطيران أباتشي.

انتهى لقاء المبعوث الأممي مع زعماء المليشيا الحوثية دون تقدم في العملية السياسية التي كانت قد وعد بها التحالف، وهو ما جعل القوات اليمنية تتقدم نحو المطار وأسقطته في غضون ساعات قليلة، رغم أن الحوثي ألقى كل ما لديه من قوة لكسب هذه المعركة فحشدوا مليشياتهم من مختلف المحافظات ودفعوا بهم للتمترس حول وداخل المطار الذي تبلغ مساحته 20 كيلومترًا مربعًا، ولم يكتفوا بذلك، بل فخخوه بالألغام والعبوات الناسفة والمتفجرات، لكن ذلك لم يثن القوات المشتركة عن اقتحام المطار وإلحاق الهزيمة بالحوثي التي تعد بالنسبة لهم الأكثر قوة على مستوى الساحل الغربي واليمن.

أوضح الحوثي في كلمة متلفزة، أنهم أبلغوا الأمم المتحدة بقبولهم الإشراف على إيرادات ميناء الحديدة، رغم قلتها لقطع تبرير "العدو" (في إشارة إلى قوات التحالف الذي تقوده السعودية) بأن إيرادات حكومة "الإنقاذ" غير المعترف بها بصنعاء، تأتي من الميناء

بعد سقوط مطار الحديدة الدولي، وبدء المقاومة الوطنية المشتركة بالزحف نحو الميناء، خرج عبد الملك الحوثي في الـ21 من نفس الشهر أي بعد يوم واحد من السيطرة الكاملة على المطار معلنًا مبادرة جديدة، وكشف أن جماعته أبلغت الأمم المتحدة موافقتها على إشرافها على ميناء الحديدة وأي دور رقابة أو فني عليه.

وأوضح الحوثي في كلمة متلفزة، أنهم أبلغوا الأمم المتحدة بقبولهم بالإشراف على إيرادات ميناء الحديدة، رغم قلتها لقطع تبرير "العدو" (في إشارة إلى قوات التحالف الذي تقوده السعودية) بأن إيرادات حكومة "الإنقاذ" غير المعترف بها بصنعاء، تأتي من الميناء، متهمًا إياهم بـ"الكذب وتسويق الأباطيل"، وهي نفس المبادرة التي طرحها الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وقبلها التحالف العربي لليمن ورفضها الحوثي حينها متهمًا صالح بالخيانة العظمى.

هذه المبادرة كانت كفيلة بعودة الضغوط الدولية مرة أخرى على الحكومة المعترف بها والتحالف العربي لتوقيف العمليات العسكرية والزحف نحو ميناء الحديدة والمدينة، لإعطاء فرصة أخيرة للمبعوث الأممي بتفنيد حديث الحوثي عن تسليم مطار الميناء.

مبادرة الحوثي وموقف الرئيس اليمني

ويوم الأربعاء 27 من يونيو 2018، التقي المبعوث الأممي البريطاني مارتن غريفيث بالرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي في عدن وعرض عليه مبادرة الحوثي التي تقول في حيثيتها إن الجماعة المدعومة من إيران على استعداد بأن يشرف ثلاثة موظفين من الأمم المتحدة على واردات الميناء، وأن تبقى القوات الحوثية في الحديدة لإدارتها، وانسحاب كامل للمقاومة الوطنية المشتركة وفتح مطار صنعاء الدولي ووقف العمليات العسكرية في الجبهات اليمنية كافة، والبدء بحوار سياسي من أجل حل الأزمة السياسية.

المبادرة في طبيعتها تخالف الدستور اليمني الذي ينص على أن التفريط بالسيادة الوطنية خيانة عظمى تستوجب المحاكمة العسكرية

ولقراءة مضمون مبادرة الحوثي، فإنها مناورة عسكرية أثبتت فعالياتها على الأرض، عندما اقتنص الحوثيون الضغط الأممي على التحالف العربي وفرصة توقف العمليات العسكرية للمقاومة الوطنية المشتركة، وحفروا الخنادق في عموم شوارع محافظة الحديدة واعتلوا الأبنية المرتفعة، وحشدوا مقاتلين من كل المحافظات اليمنية القابعة تحت سيطرتهم، واستحدثوا المزارع المحيطة بمطار الحديدة الدولي، ومديريتي الفازة والتحيتا، وبدأوا بشن حملات عسكرية وقصف عشوائي على قرى المديريتين راح ضحيتها العديد من الأبرياء، إضافة إلى تمكنهم من استعادة بعض المناطق التي كانت المقاومة المشتركة قد عملت على استعادتها.

المبادرة في طبيعتها تخالف الدستور اليمني الذي ينص على أن التفريط بالسيادة الوطنية خيانة عظمى تستوجب المحاكمة العسكرية، فكيف وتسليم إدارة ميناء الحديدة لدول غربية وإدخال قوات أممية للإشراف عليها يندرج تحت هذا البند.

المبادرة التي حرص المبعوث الأممي إلى اليمن بتسويقها وحاول إنجاحها، لا تلبي تطلعات الشعب اليمني في تحرير أرضهم وممارسة الديمقراطية والعيش بحرية بعيدًا عن تديين الدولة، إضافة إلى أن قبولها تعني شرعنة انقلاب الحوثي على الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، واعتراف دولي بهم كقوة وسلطات أمر واقع، وهو ما يعني أن هناك حكومتين وسيمنع بعدها العمليات العسكرية، وستبقى الجماعة الحوثية قوة لا يستهان بها، تمثل تهديدًا للأمن القومي العربي والملاحة الدولية وتزيد من المعاناة الإنسانية في البلاد.

رفض الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي هذه المبادرة جملة وتفصيلًا، وقال إن لا بد أن تقوم أي مبادرة على مبدأ الانسحاب الكامل للحوثيين من ميناء ومدينة الحديدة ودخول قوات من وزارة الداخلية إلى المنطقة لضمان الأمن فيها واستمرار الأعمال الإغاثية والتجارية الجارية في ميناء الحديدة وحماية المنشآت المدنية والسكان المدنيين وكمدخل لتطبيق القرار 2216 بالانسحاب الكامل من اليمن وتسليم السلاح.

رغم الزخم العسكري الذي دفع به التحالف العربي إلى الحديدة لتحريرها، فإن العمليات العسكرية تسير ببطء حتى ساعة كتابة هذا الموضوع

وبين هادي للمبعوث الأممي أنه لا يمكن تصور إدارة الميناء وتوفير الأمن فيه بمعزل عن مدينة الحديدة، بل لا يمكن تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الساحل الغربي وحماية الملاحة الدولية دون مغادرة المليشيات الحوثية للمحافظة كاملة بما في ذلك خروجها من مينائي الصليف ورأس عيسى ومؤسسات الدولة، ولا خوف من تعطيل عمل الميناء من الحكومة الشرعية، فالحكومة اليمنية والتحالف حريصون على تجنيب الميناء والمدينة أي مواجهات مسلحة، على الرغم من أن الحوثيين يعملون ضمن خطة تهدف إلى استخدام المدنيين في الحديدة كدروع بشرية وزيادة الاعتداءات على المنشآت المدنية ووقف العمل في الميناء.

وهو ما يعني أن الحلول السياسية انتهت بين المكونات السياسية اليمنية التي تتزعمها الحكومة اليمنية التي يدعمها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية وبمشاركة فاعلة من القوات الإماراتية في الساحل الغربي، والمليشيا الحوثية التي تعتبر أن كل هدنة نصرًا لها، وأي توقف للعمليات العسكرية فرصة للملمة شتاتها والتوسع أكثر.


تعزيزات عسكرية متواصلة استعدادًا لاقتحام محافظة الحديدة

ورغم الزخم العسكري الذي دفع به التحالف العربي إلى الحديدة لتحريرها، فإن العمليات العسكرية تسير ببطء حتى ساعة كتابة هذا الموضوع، ولا يوجد أي عملية عسكرية سوى تلك العمليات التي استعادت السيطرة بالكامل على الفازة والتحيتا التي حاول الحوثيون السيطرة عليها خلال الأيام القليلة الماضية، ولذلك البطء حقيقةَ ثلاثة أسباب رئيسية وهي:

الضغط الأممي

لا تريد الأمم المتحدة حسم المعركة في الحديدة تحت ذريعة المخاوف من أن تسبب كارثة إنسانية، بسبب الأزمة الغذائية على مناطق وسط وشمال اليمن التي تقبع تحت سيطرة المليشيا الحوثية المدعومة من إيران بسبب توقف الإمداد الغذائي من ميناء الحديدة الذي تشكل الواردات إلى اليمن عبره 70%، إضافة إلى سقوط مدنيين ضحايا جراء العمليات العسكرية بسبب أن الحوثيين منع السكان من مغادرة المدينة وأصبحوا يستخدمونهم دروع بشرية.

الألغام

زرع الحوثيون ألغامًا متفجرة، على الشريط الساحلي لمحافظة الحديدة، ووفق تقارير عسكرية، فإن القوات المشتركة خلال تقدمها استطاعت نزع 60 ألف لغم من المناطق المحيطة بمطار الحديدة ومزارع  قرى مديريات التحيتا والفازة، وبيت الفقيه ومفرق زبيد.

تلك الألغام شكلت بطئ حركي للمقاومة الوطنية المشتركة، إضافة إلى الخنادق التي حفرها الحوثيون واستخدام سكان المدينة دروع بشرية بما يخالف القانون الدولي الذي يعتبر ذلك بمثابة جريمة حرب.

من يعارض وهم محسوبين على حزب الإصلاح اليمني، يبررون موقفهم بأن المقاومة الوطنية المشتركة لا تعترف بالرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي كرئيس شرعي

الخلافات داخل الحكومة

إضافة إلى الألغام والضغط الأممي، طفت إلى السطح خلافات داخلية في الحكومة اليمنية يعارضون دور الإمارات في اليمن، وآخرين يدعمون ذلك.

من يعارض وهم محسوبين على حزب الإصلاح اليمني، يبررون موقفهم بأن المقاومة الوطنية المشتركة لا تعترف بالرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي كرئيس شرعي، إضافة إلى أن دور الإمارات في اليمن مشبوه ويطالبونها بتحديد موقفها من الرئيس اليمني والكف عن دعم المقاومة الوطنية المشتركة، معتبرين أن تلك القوات خارجة عن إطار الدولة، وبسبب ذلك توقت جبهات عدة في اليمن أبرزها جبهة نهم المطلة على العاصمة اليمنية صنعاء وتعز وبعض المناطق في محافظة الجوف، وهو ما نتج عن ذلك هجوم مضاد من المكونات اليمنية الأخرى متهمين حزب التجمع اليمني للإصلاح بالعمل وفق أجندة الحوثي، وهذه الاتهامات يرفضها حزب التجمع اليمني للإصلاح (إخوان اليمن).

أما من يدعمون دعم الإمارات العربية المتحدة مجموعة "تكنوقراط" من الأحزاب اليمنية (مؤتمر واشتراكي وناصري وبعثي وجزء من الإصلاح)، ويعتبرون أن المرحلة لا تحتمل التخوين والاتهام، وأن المشاكل الحاليّة هي مشاكل سياسية جانبية يمكن حلها بعد الانتهاء من جماعة حوثية تريد استبعاد اليمنيين، وترى أن ذلك حكم إلهي خصص لهم، وأصبحت ترى أن اليمنيين جميعهم عبيدًا لما يسمونها "الهاشمية".