من يمتلك حق الإفتاء في مصر؟ سؤال قديم حديث متجدد، وقضية جدلية مطروحة على موائد المؤسسات الدينية الثلاثة (الأزهر - الإفتاء - الأوقاف)، تخرج من أدراج الأرشيف المغلقة بين الحين والآخر على السطح، تكشف النقاب قليلًا عن الصراع الخفي بين الوزير المقرب من نظام السيسي محمد مختار جمعة، وشيخ الأزهر أحمد الطيب الذي لا يحظى بنفس الثقة لدى ذات النظام.

اجتماع اللجنة الدينية بمجلس النواب المصري (البرلمان) قبل أيام، بمشاركة وزير الأوقاف والأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية الدكتور محيي الدين عفيفي، ممثلًا عن الأزهر، ومفتي الجمهورية شوقي علام، أعاد هذا الملف للأضواء مجددًا، بعد محاولات تهدئة من هنا وهناك وصلت إلى حد تدخل مؤسسة الرئاسة، لكن دون جدوى.

الوزير خلال الاجتماع المخصص لصياغة مشروع قانون تنظيم الفتوى العامة، طالب بأحقية الوزارة في ممارسة حق الإفتاء، مبررًا ذلك بأن الأوقاف تمتلك إدارة للفتوى منذ سنوات، غير أنها معنية بممارسة العمل الدعوي على المنابر، وأن الفتوى جزء أصيل من مهام الدعوة، وهو ما رفضه الأمين العام لمجمع البحوث، مطالبًا بأن يقتصر حق الإفتاء على دار الإفتاء والأزهر الشريف بهيئاته.

معركة الانتصار فيها أكبر من مجرد الفوز بـ"تورتة" الفتوى، قدر ما هو مؤشر واضح وصريح لأي من الطرفين تنحاز الدولة ونظامها، وإن كانت الكفة طيلة الفترات الماضية تميل إلى الوزير المستأنس سياسيًا إلا أن الأزهر ممثلًا في شيخه ومشيخته من الصعب أن يكون صيدًا سهلًا، وهو ما تأكد مع قدرة المؤسسة على التصدي لمختلف الحملات التي شنت ضدها خلال الفترة الأخيرة.

حرب باردة

الصراع بين المؤسستين في حقيقته صراع بين الأستاذ والتلميذ، الطيب وجمعة، على كرسي النفوذ، كلاهما يسعى للحصول على أكبر قدر من الكعكة، لكن في الطريق نحو المراد تتعثر الأقدام بحزمة من التنازلات والمغازلات التي تكشف مدى قدرة كلاهما على رفع الراية البيضاء على طول الخط.

البداية كانت في 17 من يوليو 2013، حين أوصى شيخ الأزهر بتعيين  محمد مختار جمعة وزيرًا للأوقاف، الأمر لم يتوقف عند هذا وفقط، بل عيّنه الطيب أيضًا عضوًا في مكتبه الفني، بعد أن كان عميدًا لكلية الدراسات الإسلامية، وهو المنصب الذي كان يحلم به الوزير منذ أن وطئت أقدامه ثرى الوزارة، تعاظم بشكل كبير مع قدوم الدكتور طلعت عفيفي، الوزير الأسبق في عهد الإخوان.

طموح جمعة السياسي لم يقف عند حاجز وزارة الأوقاف فحسب، بل وردت تقارير إلى الطيب تفيد بأنه يقدم نفسه على أنه شيخ الأزهر المقبل، بدعوى نجاحه فيما فشل فيه أستاذه، باستبعاده الداعمين للإخوان من المساجد، ما دفع شيخ الأزهر إلى الوقوف ضد تعيينه رئيسًا لجامعة الأزهر، لقطع الطريق على طموحه في الجلوس مكانه مستقبلًا، ثم في مطلع 2015، تم استبعاده من عضوية مكتبه الفني.

لعبة القط والفأر وصلت ذروتها حين عين الطيب، صديقه، عباس شومان، وكيلاً للأزهر، ما يعني أن جمعة بات خارج المشيخة رسميًا، ليرد الرجل بعزل شومان من رئاسة مجلس إدارة مسجد الحسين، واستبعده من لجنة الدراسات الفقهية بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ومن هنا بدأ الصراع يأخذ منحى آخر.

تغيب الطيب عن حضور مؤتمر الأوقاف العالمي الذي عقد في 2015 وبعده المؤتمر الدولي الـ24 للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، متعللاً بمرضه وسفره إلى مسقط رأسه في مدينة الأقصر (جنوب مصر) غير أن البعض حينها فطن إلى الدوافع الحقيقية وراء هذا التغيب، وأنه تأكيد على عمق الخلاف بينه وبين جمعة.

لم يكن دفاع الأزهر عن حقه ومؤسساته ودار الإفتاء وفقط في الاستئثار بالفتوى دون غيره، سوى محاولة لاستعادة النفوذ المفقود خلال الفترة الأخيرة

بعد عامين من دعوة السيسي المؤسسات الدينية إلى تجديد الخطاب الديني خلال كلمته في احتفالية ليلة القدر 2014، كشرت المؤسستان عن أنيابهما في التنافس على عقد المؤتمرات والفعاليات التي تسعى كل منهما من خلالها إلى سحب البساط من تحت أقدام الأخرى، رافعة لأجل ذلك شعارات المغازلة للنظام وتطويع الدين على هوى القائمين عليه.

في يناير 2014، أعلنت وزارة الأوقاف أنها وضعت خطتين لخطبة الجمعة، الأولى قصيرة المدى وتشمل 54 موضوعًا لخطب العام الأول، والثانية متوسطة المدى وتشمل 270 موضوعًا لخطب 5 سنوات أخرى، وقالت إنها سترسل قوائم الموضوعات للسيسي لإبداء الرأي فيها.

الأمر حينها أزعج الأزهر وقياداته، فدعا الطيب إلى اجتماع عاجل لهيئة كبار العلماء، أسفر عن رفض القرار بالإجماع، لكن الأزمة انتهت بإقرار خطبة استرشادية وليست إلزامية، ترضية للمشيخة التي تعد مسؤولة عن الدعوة دستوريًا، لتكشف النقاب مجددًا عن الصراع الدفين بين المؤسستين.

وقبل أشهر، أثارت التصريحات التي أدلى بها وزير الأوقاف بشأن وجود قيادات داعمة للإخوان داخل مؤسسة الأزهر، حفيظة الطيب بصورة كبيرة، ورغم نفيه لها تمامًا، فإن جمعة أظهر فيديوهات سابقة لوكيل المشيخة (عباس شومان)، تشير إلى دعمه  لمرسي، أملًا في إحراج شيخ الأزهر، لكنها المحاولات التي باءت بالفشل بتأكيد استمرار شومان في منصبه.

وردًا على ما قام به جمعة، استضاف شيخ الأزهر عددًا من قيادات حزب النور السلفي، بعد رفض الوزير منحهم تصاريح بالخطابة، لكنه في النهاية رضخ لضغوط القيادات السلفية في مصر والسعودية، ومنح رئيس الدعوة السلفية ياسر برهامي، ورئيس "النور" يونس مخيون وآخرين تصاريح الخطابة، بشرط تجديدها شهريًا.

جهود جمعة في محاربة الإخوان وراء ثقة النظام به

شرعية سياسية

محاربة الأوقاف وعلى رأسها الوزير لأجل الحفاظ على حق منتسبيها في الفتوى، يأتي من باب البحث عن شرعية سياسية يستطيع جمعة من خلالها مواصلة دوره المعهود منذ 5 سنوات في تطويع منابر الدعوة ومساجدها لخدمة النظام عبر حزمة من الفتاوى التي كان لها صدى كبير في تشويه صورة النظام السابق.

جمعة بات علي يقين تام أن الدور المنوط به في الوزارة هو التخلص من عناصر الإخوان في شتى القطاعات، وتقديم العباءة الدينية للنظام في محاولة لغسل أدمغة الملايين من البسطاء في مصر، ممن يحتل الدين لديهم مكانة مرموقة، هذا في الوقت الذي فرغت فيه المساجد من أي دعوات مضادة.

طموح جمعة السياسي لم يقف عند حاجز وزارة الأوقاف فحسب، بل وردت تقارير إلى الطيب تفيد بأنه يقدم نفسه على أنه شيخ الأزهر المقبل، بدعوى نجاحه فيما فشل فيه أستاذه

الرجل رغم اتهامه بعشرات قضايا الفساد حتى توقع الكثيرون أن رحيله مسألة وقت، إن لم يقدم للمحاسبة، جُدد له في التشكيل الحكومي الأخير، وهو التجديد الرابع له، على عكس ما كانت تشير إليه المعطيات مع كل مرة، ولهذا دلالات واضحة ألمح إليها المقربون منه، بأنه يقوم بالدور المنوط به على أكمل وجه، بعيدًا عن منظومة الدعوة برمتها التي تحولت إلى أبواق إعلامية أكثر منها دينية.

الوزير يخشى على نفسه حال فقدانه لحق الفتوى في خسارة واحد من أبرز المنافذ الذي استطاع من خلالها الفترة الماضية في إعادة تشكيل الخريطة الدينية للكثير من محدودي الثقافة والوعي، وهو ما كان له أبلغ الأثر في ثقة القيادة السياسية فيه خلال السنوات الأخيرة رغم القضايا المتورط فيها، فالقضية سياسية قبل أن تكون دينية.

استعادة النفوذ

وفي الجهة الأخرى، لم يكن دفاع الأزهر عن حقه ومؤسساته ودار الإفتاء وفقط في الاستئثار بالفتوى دون غيره، سوى محاولة لاستعادة النفوذ المفقود خلال الفترة الأخيرة لصالح الأوقاف، ومن ثم دخلت المشيخة المعركة بكل قوتها لتحقيق أكبر قدر من المكاسب.

الحملات التي تعرض لها الأزهر وقياداته السنوات الماضية وبلغت في بعض الأحيان المطالبة بإغلاقه وإلغاء الجامعة، ودفع الطيب إلى تقديم استقالته، أحدثت زلزالاً داخل المؤسسة الدينية الأبرز في مصر، وهو ما انعكس بصورة أو بأخرى على تشويه العلاقة بينها وبين النظام الحاكم، الأمر الذي دفع السيسي إلى إلقاء اللوم على شيخ الأزهر في أكثر من مناسبة، في بعضها قال له نصًا: "تعبتني يا فضيلة الإمام".

إيمان المؤسسة وشيخها بوقوف وزارة الأوقاف وراء الحملات التي تستهدفها في إطار صراع النفوذ بين الكيانين، ومحاولة كل منهما في استمالة النظام بصورة أكبر، كان عاملاً مهمًا نحو استماتتها من أجل سحب البساط رويدًا من تحت أقدام جمعة وفريقه، وهو ما تكشفه حلقات المنافسة التي من الواضح أنها لم ولن تتوقف في القريب العاجل، وما أزمة "حق الإفتاء" سوى جولة مصغرة في معركة تكسير العظام بين الطرفين.