لم تكن زيارة الوفد الحوثي الحاليّة برئاسة القيادي الحوثي محمد القبلي إلى العراق الأولى من نوعها، فقد سبقتها زيارات عديدة، منها ما هو سري ومنها ما هو علني؛ مما يجعل العراق بنظر العالم دولة متورطة في دعم الإرهاب خارج حدودها، ويدلل على أن مليشيا الحشد وصلت لمرحلة أن يكون لها نشاط إقليمي فاعل، من خلال دعم المنظمات والمليشيات الإرهابية المنتشرة في المنطقة ورعايتها، بالأخص بعد اكتساب الحشد الشعبي لشرعية العمل بالعراق إثر قرار البرلمان العراقي سيء الصيت الذي أعطى لها تلك الشرعية، كتشكيل عسكري تابع للقوات المسلحة العراقية (وهذا ما كنا نتوقع حصوله، وتم التنويه عليه في مقالات سابقة).

بعد أن كان للمليشيات في العراق دور بارز في الإرهاب وعاثت فيه فسادًا بحجة محاربتها للتنظيمات المتطرفة، كان لها دور فاعل أيضًا في الساحة السورية طيلة السنوات السبعة من عمر الثورة هناك، وتأتي اليوم الساحة اليمنية لتدعم مليشيا الحشد نظيرتها هناك، بالجهد العسكري والتدريبي بل وحتى المالي.

وهذا الأمر ليس بالمستغرب، فقد سبق لها أن دعمت منظمة حزب العمال الكردستاني الذي يقود حرب انفصالية ضد تركيا، ووفرت له الحاضنة الآمنة داخل العراق، مما جعله يمثل تحديًا حقيقيًا للأمن الداخلي التركي، وجعلت العراق مرشحًا ليكون ساحة حرب حقيقية محتملة الوقوع بين هذا الحزب والجيش التركي.

لماذا زيارة الوفد الحوثي الآن؟

تأتي زيارة وفد الحوثي هذه الأيام، بعد زيارة علنية قام بها وفد سياسي حوثي ترأسه يحيى بدر الدين الحوثي شقيق زعيم جماعة الحوثيين عام 2016، كان يهدف ذلك الوفد حينها، حشد الدعم للمجلس السياسي الذي ‏أنشأته تلك الجماعة مع حزب المؤتمر الشعبي، وقد كان له ما يريد، حينما انبرى الجعفري وزير الخارجية العراقية للدفاع عن الحوثي وشجب السعودية في كثير من المحافل والمؤتمرات الدولية ورفض رفضًا قاطعًا التدخل العسكري بقيادة ‏السعودية (حسب تعبيره) في الساحة اليمنية، لأنها ستسهم في إراقة الدماء وزعزعة الأمن ‏المجتمعي.

ولا نعلم ما رأي الجعفري في التدخل الإيراني في اليمن أو سوريا وحتى في العراق الذي يمثل شخصيًا وزير خارجيتها، ألا يمثل هذا التدخل إراقة للدماء وزعزعة للأمن المجتمعي؟

ذكرت كثير من الصحف، أن وفد الحوثي جاء على عجل للاستنجاد بالعراق وبمليشيا الحشد لدعمه بالمال والرجال

أما الزيارة الحاليّة فقد جاءت ‏نتيجة للضغط العسكري الكبير المسلط على تلك المليشيات من قوات الشرعية اليمنية والتحالف العربي، وجعلها تفقد الكثير من أفرادها خلال تلك المعارك، بالذات ما ترافق منها في معركة مدينة الحديدة، ولا ننسى بأن الداعم الرئيسي لهذه المليشيا، وهو النظام الإيراني، يتعرض هذه الفترة لخناق اقتصادي محكم، على خلفية انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وفرضها عقوبات أشد من مثيلاتها التي كانت قبل الاتفاق النووي.

 الأمر الذي أثر على الاقتصاد الإيراني بشدة وانهارت العملية الإيرانية بشكل كبير، وانطلقت مظاهرات داخل إيران رفضًا لسياسات إيران بتدخلها بدول المنطقة، ومن هذا فإن النظام الإيراني لم يجد بدًا من الإيعاز إلى النظام العراقي وميليشياته بدعم مليشيا الحوثي، سواء كان ذلك الدعم ماليًا واقتصاديًا أم دعمًا بالرجال، وذكرت كثير من الصحف، أن وفد الحوثي جاء على عجل للاستنجاد بالعراق وبمليشيا الحشد لدعمها بالمال والرجال.

ونقلت صحف أخرى عن مصادر مطلعة أن هذا الوفد نجح فيما جاء من أجله، حيث عقدت اجتماعات واتصالات حثيثة بين قادة ميليشيا الحشد لدراسة إمكانية إرسال ‏عدد من مقاتليها إلى اليمن لمواجهة السعودية، مشيرًا إلى أن بعض الميليشيات أبدت ‏استعدادها للذهاب للقتال في اليمن إلى جانب الحوثي أبرزها: كتائب الإمام علي ‏وميليشيا النجباء وكتائب سيد الشهداء).

ماذا يُنتظر أن تُسفِر عنه هذه الزيارة؟

ووفقًا للنظرية التي تعمل عليها جميع المليشيات المنتشرة بالمنطقة والمرتبطة بالنظام الإيراني، فإنهم يعتبرون أنفسهم مرتبطين بوحدة عقائدية، تعمل وفق أجندة واحدة على اختلاف مناطق وجودها، وتعتبر المناطق التي تقاتل بها تلك المليشيات، كمعارك وقائية تحفظ النظام الإيراني الذي هو مركز هذه العقيدة والمحرك لها.

هذا ما عبر عنه نائب قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال حسين سلامي حينما قال إن بلاده استطاعت نقل ساحات القتال مع العدو إلى مسافات بعيدة، واصفًا العراق ولبنان وسوريا بالخطوط الأمامية لحرب إيران مع أعدائها، وبالتالي فإن تعاون ميليشياتها في المنطقة يندرج ضمن التكتيك العسكري والسياسي الذي تناور به إيران للتغلب على أعدائها بالمنطقة، أو بتعبير أدق، لإدارة الصراع الذي تقوده بالمنطقة للوصول للهيمنة المطلقة عليها.

يتم كل هذا النشاط الإيراني مع ميليشياتها بالعراق، بعلم الحكومة العراقية ورضاها، إذا لم نقل وبمشاركتها

وما يمكن أن تسفر عنه هذه الزيارة للعراق، إطلاق الدعم العراقي كحكومة ومليشيات لجماعة الحوثي، وإذا كان الدعم المالي أو العسكري أمرًا مفروغًا منه، يبقى الدعم بالرجال أخطر ما في بالموضوع، فالنظام الإيراني وميليشياته العاملة في العراق، تستغل وببشاعة الفاقة التي يعاني منها العراقيون، نتيجة الفساد وانهيار النظام الاقتصادي بالبلد، لجعله أداة ضغط لإقناع الشباب الشيعي للالتحاق بمغامرات إيران الخارجية، والزج بهم في أتون حربٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فبعدما استنزفت شباب العراق في الحروب الداخلية في العراق وسوريا، جاء اليوم للزج بهم في حروب اليمن.

ما موقف الحكومة العراقية من هذا التعاون المليشياوي؟

يتم كل هذا النشاط الإيراني مع ميليشياتها بالعراق، بعلم الحكومة العراقية ورضاها، إذا لم نقل وبمشاركتها، بل إن بمجرد استقبال مليشيات أجنبية تقاتل ببلدان أخرى ومصنفة كمليشيا إرهابية، يعتبر حسب القانون الدولي دعمًا للإرهاب، فما الذي يجعل الحكومة العراقية تعمد على توريط نفسها في هذا الموضوع الذي يمكن استغلاله مستقبلًا بالضغط عليها وتصنيفها كدولة راعية للإرهاب؟

إن الحكومة العراقية الحاليّة لا تتوانى عن فعل أي شيء يخدم المصالح الإيرانية، ذلك لأن تلك الحكومة تعرف أن بقاءها على سدة الحكم ما هو إلا ثمرة من ثمرات الدعم الإيراني، وبالتالي فلا خيار لها غير ذلك، وقيامها بإضفاء الشرعية على مليشيات الحشد ودفاعها عنها، يجعلها متورطة بكل أعمال تلك المليشيات، سواء داخل العراق أم خارجه، وبالتوصيف الحاليّ لمليشيا الحشد، تتحمل الحكومة العراقية كل النشاطات المشبوهة لتك المليشيا ومسؤولة بشكل مباشر عنها كونها جزءًا من القوات المسلحة العراقية حسب القرار سيء الصيت الذي أقره البرلمان العراقي، واعتبر مليشيا الحشد جزء من القوات المسلحة العراقية الرسمية.

 الدعم العراقي المقدم لمليشيا الحوثي ولحزب العمال الكردستاني سيؤثر على علاقات العراق بكل من السعودية والإمارات وكثير من الدول العربية من جهة، وتركيا من جهة أخرى

والسؤال هنا: ما موقف الحكومة العراقية التي تدعي أنها تريد بناء علاقات حسن جوار مع الدول العربية داعمها الأساس عدم التدخل بالشؤون الداخلية وهي بالوقت ذاته تدعم مليشيا إرهابية تغتصب الشرعية في اليمن وتقاتل السعودية وتهدد أمنها بشكل جدي؟ ثم ما موقف المملكة السعودية التي كانت تخطط للتقرب من الحكومة العراقية والقادة السياسيين العراقيين، وهيمي ى دعمهم لمليشيا تقاتلها وترمي على مدنها الصواريخ كل يوم؟

إن الدعم العراقي المقدم لمليشيا الحوثي ولحزب العمال الكردستاني سيؤثر على علاقات العراق بكل من السعودية والإمارات وكثير من الدول العربية من جهة، وتركيا من جهة أخرى، ويزيد من عزلة العراق الدولية والإقليمية على ما هو فيه من عزلة.

وفي خضم المشاكل التي يعاني منها العراق على الصعيد السياسي الداخلي، فلم يخرج لحد الآن من أزمة الانتخابات النيابية وشبهات التزوير الحاصلة فيها، ومشاكله المالية الناتجة عن انخفاض سعر النفط عالميًا، بالإضافة للفساد المالي الذي ينخر الدولة العراقية، والتحديات الأمنية التي يشكلها تنظيم داعش، بالإضافة للكم الهائل من الأسلحة المنفلتة بيد المليشيات المختلفة والعشائر في العراق، تستضيف الحكومة العراقية وفدًا من الحوثين في العراق ليزيدها إحراجًا مع دول المنطقة، ويضيف ثقلًا ماليًا هي في غنى عنه.

ذلك لأن الأزمة المالية الخانقة التي يعاني منه النظام الإيراني حاليًّا، سوف تلقي بضلالها على الاقتصاد العراقي دون شك، ففي الوقت الذي سيرمي فيه السياسيون العراقيون طوق النجاة للاقتصاد الإيراني وتخليصه من الأزمة الحاليّة التي يمر بها الآن، يأتي الدعم المالي الجديد لمليشيا الحوثي ليضيف ثقلًا جديدًا على الدولة العراقية، ضاربين بعرض الحائط مصالح الشعب العراقي ومستقبله.

إن العراق بسياسته الحاليّة يربط مصيره بمصير مليشيات إرهابية منفلته خارجة عن الشرعية، ويمشي بأجندتها، سواء كان في العراق أم بدولٍ مثل سوريا واليمن.