في الأول من يوليو الحاليّ، أعلن أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتية، أن بلاده أوقفت العمليات العسكرية في الحديدة من أجل إفساح المجال أمام جهود مبعوث الأمم المتحدة مارتن غريفيث لتسهيل عملية تسليم ميناء الحديدة "دون شروط".

وقال قرقاش في تغريدة على حسابه على موقع تويتر باللغة الإنجليزية: "نرحب بالجهود المتواصلة التي يبذلها المبعوث الخاص للأمم المتحدة مارتن غريفيث للتوصل إلى انسحاب حوثي غير مشروط من مدينة الحديدة والميناء، أوقفنا حملتنا مؤقتًا لإتاحة الوقت الكافي لاستكشاف هذا الخيار بشكل كامل، ونأمل في أن ينجح" يقصد (غريفيث).

وبعدها أعاد قرقاش في تغريدة أخرى "التوضيح" أن التحالف أوقف مؤقتًا التقدم باتجاه المدينة والميناء في 23 من يونيو/حزيران الماضي، مشيرًا إلى أن التحالف "ينتظر نتائج زيارة المبعوث الأممي إلى صنعاء الخاضعة لسيطرة المتمردين الحوثيين الموالين لإيران.

ومنذ زيارة المبعوث الأممي إلى اليمن البريطاني مارتن غريفث إلى عدن من أجل الالتقاء بالرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي ليعرض عليه مقترح الحوثي (تصبح الأمم المتحدة رقابية وليست إدارية على ميناء الحديدة مع بقاء المليشيات الحوثية في المدينة والميناء بشرط وقف العمليات العسكرية للقوات الحكومية والتحالف العربي ووقف الغارات الجوية وفتح مطار صنعاء)، وهو ما تبدو شروط المنتصر وغير معقولة، ورفضها الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وهدأت وتيرة العمليات العسكرية بعد أن اشتدت وسيطرت على المطار، باستثناء اشتباكات متقطعة عن الحديدة.

 بدا واضحًا أن الأمم المتحدة ودول غربية تضغط بقوة على التحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن بالتوقف عن التقدم نحو الحديدة من أجل منح مارتن غريفيث فرصة لإقناع المليشيات الحوثية بتسليم مدينة الحديدة دون قتال

حقيقة أن عرض المبعوث الأممي بهذا المقترح أمام الرئيس اليمني بدا واضحًا أنه يغرد خارج سرب القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي التي من المفترض أن يسعى لتنفيذها بما يؤدي لإنهاء الانقلاب الحوثي، لكن صداقته الشخصية بعبد الملك الحوثي غلبت عليه، وجعلته يبحث عن مخرج لمأزق الحوثية وإنقاذها من السقوط الوشيك الذي سيبدأ من محافظة الحديدة في اليمن.

وبالعودة إلى إعلان الإمارات وقف العمليات العسكرية في الساحل الغربي التي تقود هي المعركة في تلك المنطقة، بدا واضحًا أن الأمم المتحدة ودول غربية تضغط بقوة على التحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن بالتوقف عن التقدم نحو الحديدة من أجل منح مارتن غريفيث فرصة لإقناع المليشيات الحوثية بتسليم مدينة الحديدة دون قتال، وهذه الفرصة الرابعة وتبدو الأخيرة.

كانت المرة الأولى عندما دعت دول إقليمية إلى عقد جلسة طارئة خاصة باليمن لمناقشة التحرك العسكري نحو مدينة الحديدة، وما يمكن أن يخلف من آثار إنسانية، إلا أن التحالف العربي استطاع أن يقنع الأمم المتحدة بأهمية السيطرة على المطار من أجل تحسين الوضع المأساوي الذي يتسبب به الحوثيون بعد أن عاثوا في المدينة فسادًا، ونهبوا مقدرات المواطنين والمؤسسات الحكومية، إضافة إلى أنهم اتخذوها منفذًا لتهريب الأسلحة، وقدم التحالف العربي حينها ضمانات برفد المدينة بالقوافل الإغاثية الإنسانية والطبية.

ورغم ذلك منحت الحكومة اليمنية الشرعية والتحالف العربي الأمم المتحدة ومبعوثها إلى اليمن مهلة لإقناع الحوثيين بتسليم ميناء ومطار ومدينة الحديدة إلى الأمم المتحدة لإدارتها دون قتال حفاظًا على الأرواح، إلا أنهم استكبروا وفضلوا القتال، وهو ما جعل قوات المقاومة المشتركة التي تدعمها الإمارات بالتحرك نحو المطار والسيطرة على المناطق المحيطة بها.

بعد سقوط مطار الحديدة الدولي، وبدء المقاومة الوطنية المشتركة بالزحف نحو الميناء، خرج عبد الملك الحوثي في الـ21 من يونيو الماضي أي بعد يوم واحد من السيطرة الكاملة على المطار معلنًا مبادرة جديدة

عادت مرة أخرى الأمم المتحدة بالضغط على الحكومة والتحالف لوقف العمليات العسكرية من أجل منح فرصة ثانية للمبعوث الأممي إلى اليمن، ليحاول مع الحوثين، وفي خضم الضغوط الدولية، ووقف تلك العمليات العسكرية للمرة الثانية، خرج عبد الملك الحوثي زعيم المليشيا المدعومة من إيران، بكلمة تهجم فيها على التحالف العربي واليمنيين، وتحدث بلغة المنتصر معلنًا التحدي، وقال إنه يفضل أن يموت ويتم تقطيعه إربًا إربًا دون أن يعلن الخنوع والاستسلام على حد قوله، وهو ما أثار حفيظة القوات اليمنية التي تدعمها الإمارات وتتخذ من ميناء المخا الإستراتيجي أيضًا مقرًا لها وقررت التقدم نحو المطار والسيطرة عليه.

وبعد سقوط مطار الحديدة الدولي، وبدء المقاومة الوطنية المشتركة بالزحف نحو الميناء، خرج عبد الملك الحوثي في الـ21 من يونيو/حزيران الماضي أي بعد يوم واحد من السيطرة الكاملة على المطار معلنًا مبادرة جديدة، وكشف أن جماعته أبلغت الأمم المتحدة موافقتها على إشرافها على إدارة ميناء الحديدة وأي دور رقابة أو فني عليه.

هذه المبادرة كانت كفيلة بعودة الضغوط الدولية مرة أخرى على الحكومة المعترف بها والتحالف العربي لتوقيف العمليات العسكرية والزحف نحو ميناء الحديدة والمدينة، لإعطاء فرصة أخيرة للمبعوث الأممي بتفنيد حديث الحوثي عن تسليم مطار الميناء.

وهو ما يبدو أن العمليات العسكرية توقفت خلال تلك الفترة، وهذا ما تبينه تغريدة أنور قرقاش، عندما قال إن العمليات العسكرية توقفت في 23 من يونيو/حزيران 2018، ولمدة أسبوع من أجل منح المبعوث الدولي فرصة لإقناع المليشيا الموالية لإيران بأن تسلم الحديدة دون قتال.

موقف الحوثيين

اعتبر الحوثيون هذا الإعلان بمثابة انتصار لهم في الساحل الغربي، وعملوا على استثمار ذلك إعلاميًا لتغرير أتباعهم أنهم انتصروا على الحكومة والتحالف العربي، من أجل رفع معنويات مقاتليهم المنهارين في الجبهات، إضافة إلى إرسال رسائل تحوي التهديد إلى القبائل اليمنية التي حادت خلال الفترة الأخيرة عن موقفها ورفضت التحشيد العسكري للحوثيين والدفع بأبنائها إلى الحرب ليكونوا وقودًا لها، أن الحوثيين سيتفرغون لهم وسيكون كل من رفض الانصياع لأوامر الحوثي والدفع بأبناء قبليته إلى محرقة الساحل الغربي مهدد ومستهدف من الحوثيين.

مكتب وزير خارجية الحوثيين غير المعترف بها قالت في بيان لها إن العمليات العسكرية في الحديدة  مستمرة، معتبرًا ما أسماه إعلان الإمارات إيقاف العمليات العسكرية في الحديدة كان نتيجة "الفشل الذي منيت به"

وفي تغريده لرئيس ما يسمى "اللجان الثورية" الحوثية محمد علي الحوثي، قال: "إذا كان الإماراتيون صادقين في إيقاف عدوانهم على الحديدة فنحن جاهزون للتواصل لبحث كيفية إخراج مرتزقتهم من الحصار هناك".

وهذا يدل على أن الحوثيين استخدموا خطأ تغريدة الوزير الإماراتي التي لم يكن الوقت مناسبًا لها، ولا يجب أن يغرد بها، لأن تغريدته ستعود بالنفع على الحوثيين الذين استغلوها لصالحهم، وقد يحققوا مآربهم من ذلك في جمع الكثير من المقاتلين بعد أن عجزوا في ذلك.

مكتب وزير خارجية الحوثيين غير المعترف به قال في بيان له، إن العمليات العسكرية في الحديدة مستمرة، معتبرًا ما أسماه إعلان الإمارات إيقاف العمليات العسكرية في الحديدة كان نتيجة "الفشل الذي منيت به"، رغم أنهم يعلمون أن كل قيادات الصف الثاني والثالث وأهم مشرفيهم تم قتلهم في محافظة الحديدة.

الحوثيون اعتبروا تغريدة وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتية أنور قرقاش ذرًا للرماد في العيون، واستمرارًا لمسلسل التضليل والخداع على الرأي العام الدولي منذ نحو أربع سنوات وفشلًا في معركة الحديدة كما يدعون.

موقف الرئيس اليمني

ورغم الضغوط الدولية وإعلان وزير الدولة الإماراتي أنور قرقاش عبر تغريدة وقف العمليات العسكرية في محافظة الحديدة اليمنية بشكل مؤقت، واحتفال الحوثي لذلك واستغلالها بطريقته، وضع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران ومن أسماهم "داعميها في نظام طهران"، بين خيارين: إما تنفيذ المرجعيات الثلاثة المتوافق عليها دون انتقاء أو التفاف أو مماطلة، أو يتحملون وحدهم النتائج المترتبة على ذلك التعنت والمراوغة، في إشارة إلى استكمال الحسم العسكري.

 إعلان قرقاش جاء بعد يوم واحد من بيان للحكومة اليمنية أعلنت فيه رفضها التام لمبادرة الحوثي الذي يسوقها المبعوث الأممي ويضغط من أجل تمريرها

وأكد هادي أن أي تفاوض أو عملية سياسية تستلزم انسحاب ميليشيات الحوثي وتسليم السلاح ومؤسسات الدولة تطبيقًا لقرار مجلس الأمن 2216، رافضًا بشدة وعود الميليشيات وجنوحها للسلام مع كل هزيمة تتلقاها، والانقلاب كعادتهم في نقض كل المواثيق والاتفاقات، وقال: "ذلك لم يعد مقبولاً إطلاقًا والشعب لم يعد يحتمل المزيد من المراوغات لإطالة هذه الحرب العبثية".

جاء ذلك خلال اجتماع عقده الرئيس اليمني مع القيادات العسكرية في العاصمة المؤقتة عدن، حيث بارك لهم الانتصارات المحققة بدعم من دول التحالف للدفاع عن عروبة اليمن وكرامة أبنائه، وحماية أمن الخليج والمنطقة العربية والملاحة الدولية.

واعتبر انتصارات الساحل الغربي والحديدة وصعدة والبيضاء وحرض وتعز، وغيرها من الجبهات، تأكيدًا على اقتراب تحقيق الهدف في استئصال أخطر مشروع إيراني توسعي، يهدد حاضر ومستقبل العروبة في موطنها الأصيل اليمن.

المثير للجدل أن إعلان قرقاش جاء بعد يوم واحد من بيان للحكومة اليمنية، أعلنت رفضها التام لمبادرة الحوثي التي يسوقها المبعوث الأممي ويضغط من أجل تمريرها، لكن استدراج قرقاش بتغريدة أخرى توضيحية، أن العمليات العسكرية في الساحل الغربي توقفت في 23 من يونيو ولمدة أسبوع، لمنح فرصة أخيرة للمبعوث الأممي لإقناع المليشيا المدعومة من إيران بالاستسلام، بددت المخاوف من أن يكون هناك خلاف متجدد بين الحكومة الشرعية والإمارات العربية المتحدة، وتغريدته التوضيحية الأخيرة تعلن انتهاء الفرصة التي حددها التحالف للأمم المتحدة بعد أن منح التحالف والحكومة الشرعية فرصة رابعة للسلام، ورفضها الحوثيون، وتؤكد بأن المهلة التي حددها بأسبوع انتهت، وهو ما يعني أن الحديدة ستشهد معركة أخيرة وحاسمة، حتى إن استمر الضغط الدولي.

ما زال الحوثيون يرتكبون الأخطاء التي تقودهم إلى الهلاك وهزيمتهم، وما زالوا يصرون أن الولاية حق مشروع لهم

هل يجنح الحوثي للسلم؟

الحوثيون لن يقدموا أي تنازلات في منطقة الساحل الغربي ولا في اليمن بشكل عام، وإذا أقدم الحوثيون على تنازلات بعض الشيء كأن تصبح الأمم المتحدة مراقبة شرفية على واردات ميناء الحديدة، سيكون ضمن صفقة تضمن الاعتراف بسيطرتها على محافظات وسط وشمال اليمن، وهذا بعيد ولن تقبله الحكومة الشرعية ولا التحالف العربي، لكون ذلك يعني هزيمة التحالف العربي الذي تقوده السعودية والإمارات العربية المتحدة.

ما زال الحوثيون يرتكبون الأخطاء التي تقودهم إلى الهلاك وهزيمتهم، وما زالوا يصرون أن الولاية حق مشروع لهم، لذلك لن يجنحوا للسلم، ولن يعلنوا الاستسلام أو الرضوخ للسلام، لكن هناك أخطاء ترتكبها المليشيات تشير إلى أن نهايتهم وشيكة.

ارتكب الحوثيون الموالون المدعومون من إيران منذ سيطرتهم على اليمن بعد اقتحامهم صنعاء ووضع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي تحت الإقامة الجبرية، العديد من الأخطاء.

فعندما انقلبوا على الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وأجبروه على تقديم الاستقالة عملوا على تعطيل الدستور اليمني دون أن يمنحوا مجلس النواب الشرعي الفصل باستقالة هادي وفقًا للدستور اليمني، وهو ما جعله يرجع عن استقالته ويدعو دول التحالف لإنقاذ اليمن وفقًا للقوانين الدولية.

الخطأ الثاني، انقلبوا على الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، وغدروا به وقتلوه وفقًا لإملاءات إيرانية، ظنًا منهم أنهم سينفردون بالسلطة والمفاوضات السياسية التي تمكنهم من فرض الهيمنة الإيرانية في المنطقة وتثبيت ولاية الفقيه، لكنهم بقتلهم لصالح فقدوا الغطاء الشعبي والسياسي والعسكري، وتحول الشعب اليمني إلى ثوار ضد المليشيا، إضافة إلى تراجعهم العسكري في جبهات القتال كافة.

يبدو أن الأمر الثالث بات قريبًا وهو ما سيمثل لهم الضربة الأخيرة والقاضية التي قد تنهي الوجود السياسي والعسكري والطائفي في اليمن وها قد بدأت معالمه تلوح في الأفق، من خلال رفضهم لكل المقترحات من أجل الحفاظ على وجودهم كتكوين سياسي مشاركًا في السلطة، لكن تسلطهم بالبقاء في السلطة، وتحويل اليمن من نظام جمهوري إلى نظام "ولاية الفقيه" سيكون سببًا بعد الرغبة في الحوار معهم.