مخطط العاصمة الإدارية الجديدة الافتراضي

في الـ13 من مارس/آذار 2015 وخلال مؤتمر "دعم وتنمية الاقتصاد المصري" بمدينة شرم الشيخ، وبحضور نخبة من قادة وكبار رجال الأعمال في دول الخليج، كشفت الحكومة المصرية النقاب عن مشروع "العاصمة الإدارية الجديدة" الذي يقع بين إقليم القاهرة الكبرى وإقليم قناة السويس بالقرب من الطريق الدائري الإقليمي وطريق القاهرة/السويس، على مساحة إجمالية قدرها 170 ألف فدان (700 كيلومتر مربع).

الكلفة الأولية للمشروع حسب الاتفاقية التي شهد توقيعها كل من نائب رئيس الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بلغت 45 مليار دولار، يستغرق ما بين 5 إلى 7 سنوات تقريبًا، ويضم أماكن مخصصة لقصر الرئاسة والبرلمان والحكومة وحي دبلوماسي على أعلى مستوى، بخلاف أكبر حديقة على مستوى العالم، ومطار دولي جديد ومجمع ترفيهي يبلغ 4 أضعاف مدينة "ديزني لاند"، ونحو1.1 مليون وحدة سكنية و40 ألف غرفة فندقية.

وزير الإسكان المصري حينها مصطفى مدبولي (رئيس الحكومة الحاليّ) أكد أن العاصمة الجديدة ستكون لجميع فئات الشعب المصري وليست لفئة محدودة كما يروج البعض، موضحًا أن وزارته ستعمل جاهدة على توفير وحدات سكنية لمتوسطي الدخل تمثل نقلة نوعية لملايين من المصريين القابعين في غياهب ازدحام القاهرة.

وسائل الإعلام الموالية للحكومة تلقفت هذه التصريحات وقتها (كون المشروع أحد أبرز إنجازات الولاية الأولى للسيسي) وعزفت على أوتار أحلام المصريين في الحياة الهادئة بعيدًا عن صخب العاصمة، لكن ومع بدء الإعلان عن أسعار العقارات والأراضي بالمدينة، أصيب الملايين من الحالمين بالتملك فيها بصدمة مروعة، فما تم إعلانه يفوق قدرات متوسطي الدخل بمراحل، بل يتجاوز ذلك إلى فئة رجال الأعمال، فمن يملك دفع 11 ألف جنيه في المتر الواحد، وسط شعب متوسط دخل مواطنيه لا يتجاوز 165 دولارًا شهريًا بينما يقبع 27% منه دون خط الفقر.

مشروع استثماري بحت

شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية التي تأسّست كشركة مساهمة وفقًا للقرار الجمهورى رقم 57 لسنة 2016 بهدف الإشراف على هذا المشروع على وجه التحديد، أكدت أكثر من مرة أن الدولة لن تتحمل أي مصاريف في بناء العاصمة الجديدة، وذلك ردًا على ما أثير بشأن إهدار أموال الشعب في مشروعات بعيدة تمامًا عن قائمة أولوياته الحاليّة.

الكلفة المحددة لبناء المشروع كشفت الشركة أنها ستُحصّل من مختلف المؤسسات الخاصة الراغبة في الشراء لإنشاء منتجعات سكنية، بالإضافة إلى البنوك والشركات التي حصلت على أراض لتكون مقار لها، في ظل ما يتردد بشأن استخدام أحدث أنواع التقنية في البناء، فيما تشير بعض المصادر إلى أن مجموعة الأبراج التي سوف تنشأ في العاصمة ستكون عبر قرض سكني صيني وتطرح للبيع بالدولار، بينما كشف آخرون أنها ستكون على غرار الأبراج الشهيرة في دبي والدوحة.

https://twitter.com/MonaElHawarey/status/1010136799954591744

وبحسب مصادر مطلعة فإن الأحياء الـ8 التي يجري العمل فيها الآن لا يوجد بها وحدة واحدة لمحدودي الدخل، فالعقارات التي وضعت أساساتها وقاربت على الانتهاء تنتمي جميعها للمستويات الفخمة بدرجاتها المتباينة، والتي هي بطبيعة الحال بعيدة تمامًا حتى عن أيدي كبار موظفي الدولة.

https://www.youtube.com/watch?v=sMi8GXZ7Sgk

2.8 مليون جنيه للوحدة السكنية

بات من الواضح أنه لا مكان للفقراء في العاصمة الإدارية الجديدة، وأن الوعود التي تعهد بها السيسي ونظامه إبان الكشف عن المشروع ما كانت سوى تخدير جديد للشعب وتسكين لغضب الشارع الذي استفزه إهدار 45 مليار دولار في عاصمة إدارية ومن قبلها 8 مليارات دولار في تفريعة السويس الجديدة، في الوقت الذي يمر به اقتصاد الدولة بأزمات طاحنة ألقت بظلالها على الواقع المعيشي للمواطن.

جاءت أسعار الوحدات السكنية التي أعلنت الحكومة المصرية طرحها الأسبوع الماضي كمرحلة تجريبية للأحياء السكنية بالعاصمة الإدارية الجديدة صادمة للجميع، وهو ما جسدته ردود الفعل على منصات مواقع التواصل الاجتماعي التي وصفت الأسعار بـ"المخيبة للتوقعات".

بداية الأمر حددت الحكومة سعر المتر بالوحدات بـ8 آلاف جنيه في تقديراتها المبدأية، غير أن هذا الرقم تضاعف مع إعلان بدء عملية البيع الفعلي، إذ بلغ 16 ألف جنيه للمتر، وسط توقعات بأن تتزايد تلك الأسعار خلال الفترة المقبلة، بعد ارتفاع أسعار مواد البناء متأثرة بقرارات زيادة أسعار الكهرباء والمحروقات وعدد من الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين.

https://twitter.com/Azzamasoud14/status/1010593683706728448

مدبولي كشف أن طرح هذه الوحدات الأولية يهدف لقياس مدى الطلب عليها ورغبة المواطنين في الانتقال للعاصمة الجديدة، لافتًا إلى أن الحي السكني الذي يتم به طرح الوحدات يضم منطقة متكاملة الخدمات، بالإضافة إلى عدد من المدارس الدولية ومستشفى تخصصي، ويضم نحو 25 ألف "شقة" بالإضافة إلى نحو 1000 فيلا وتوين هاوس.

إذا كانت الوحدات المقرر بناؤها داخل العاصمة حكرًا على المستويات الفاخرة، مؤسسات كانت أو أشخاص، فماذا عن الموظفين محدودي الدخل العاملين بالكيانات الموجودة بالعاصمة؟

مساحات الوحدات المطروحة بحسب وزير الإسكان الذي هو بدوره رئيس الحكومة، تتراوح بين 110 إلى 180 مترًا مربعًا، وسيتم بيعها بنظام التقسيط على 4 سنوات دون فوائد، مع وجود خصم خاص للسداد الفوري وأنظمة تقسيط أخرى بفترات ممتدة.

ووفقًا لتلك الأسعار فإن أسعار الشقق تتراوح بين 1.7 - 2.8 مليون جنيه للوحدة الواحدة، وهي أسعار تفوق القدرة المالية لأكبر موظف حكومي في الدولة الذي يتقاضى راتبًا شهريًا قدره 42 ألف جنيه، وهو الحد الأقصى للأجور الذي حدده القانون، ويحصل عليه وفق القرارات الصادرة مؤخرًا الوزراء والدبلوماسيون والمحافظون ورئيس البرلمان.

وبحسبة بسيطة فإن أكبر موظف بالحكومة الذي يتقاضى الحد الأقصى للأجور (42 ألف جنيه) سيحتاج إلى نحو 12 عامًا لتسديد ثمن وحدة سكنية متوسطة لا تتجاوز 200 مترًا، (في حالة لو نجح بادخار نصف راتبه)، ومن ثم بات من المعلن أن الطرح الحكومي بهذه الأسعار يستهدف طبقات بعينها لديها فوائض مالية يمكن أن تتحمل التكلفة المرتفعة وفي وقت قصير، سواء من المصريين العاملين في الخارج أم كبار رجال المال والأعمال.

تجاوز أسعار الوحدات السكنية لقدرات كبار موظفي الدولة

بدر.. الحل السحري

إذا كانت الوحدات المقرر بناؤها داخل العاصمة حكرًا على المستويات الفاخرة، مؤسسات كانت أو أشخاص، فماذا عن الموظفين محدودي الدخل العاملين بالكيانات الموجودة بالعاصمة؟ هذا التساؤل فرض نفسه بقوة على مائدة مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية، ما دفعهم لمناقشة إمكانية استغلال مدينة بدر التي يفصل بينها وبين العاصمة الجديدة الطريق الدائري فقط، لتكون مكان إقامة الموظفين محدودي الدخل، على أن تزيد وزارة الإسكان (ممثلة في هيئة المجتمعات العمرانية) الأراضي ووحدات الإسكان الاجتماعي المطروحة في المدينة للموظفين، كما يتم توفير خطوط مواصلات بينهما خلال الفترة المقبلة.

هذا الاقتراح قوبل بترحيب كبير من مجلس الإدارة والشركات الاستثمارية العاملة في المشروع التي تهدف إلى الربح في المقام الأول، ومن ثم كانت مسألة بناء وحدات لمحدودي الدخل بالعاصمة صداعًا يؤرق القائمين عليها، خاصة أن العاصمة الجديدة مقسمة بالكامل إلى أحياء راقية وكمبوندات فاخرة.

أسعار الشقق تتراوح بين 1.7 – 2.8 مليون جنيه للوحدة الواحدة، وهي أسعار تفوق القدرة المالية لأكبر موظف حكومي في الدولة الذي يتقاضى راتبًا شهريًا قدره 42 ألف جنيه، وهو الحد الأقصى للأجور الذي حدده القانون

وزارة الإسكان بدأت بالفعل في دراسة هذا المقترح خاصة أن "بدر" تعاني من نسبة إشغال سكنية ضعيفة، وهو ما اعتبره خبراء فرصة لتنمية المدينة وتعميرها سكانيًا، لا سيما أنها ستكون على بعد دقائق من العاصمة الجديدة، حال توفرت وسائل مواصلات حديثة وسريعة.

ورغم استبعاد كثير من المحللين لعملية النقل إلى العاصمة الإدارية الجديدة كعاصمة حقيقية لمصر، مستحضرين إلى الأذهان بعض التجارب السابقة في هذا الشأن على رأسها مشروع الرئيس الأسبق أنور السادات حين حاول نقل العاصمة إلى مدينة 6 أكتوبر، وأنشأ بالفعل مجمعًا للوزراء، غير أنه بيع لاحقًا لجامعة 6 أكتوبر بعد فشل عملية النقل، فإن العاصمة الجديدة برمتها لا تعدو كونها مشروعًا استثماريًا لا علاقة له بالفقراء ومصلحة محدودي الدخل والوطن كما كانت تعزف أبواق إعلام نظام السيسي حين تم كشفه قبل 3 سنوات.