دعا عدد من الصحفيين المصريين إلى وقفة صامتة داخل مقر نقابتهم وسط القاهرة، الساعة السادسة مساء اليوم الأربعاء، اعتراضًا على مشروع قانون الصحافة والإعلام الذي يناقشه مجلس النواب حاليًا، وسط حصار أمني مشدد، ومقاطعة  من بعض الداعمين للنظام الحاكم المؤيدين للقانون.

الصحفيون وبعض أعضاء مجلس النقابة الحالي طالبوا زملائهم بالاحتشاد والتدخل لوقف ما وصفوه بـ "النصوص الكارثية" بمشروع القانون، حيث جاء في بيان لهم اليوم : "لقد فوجئنا جميعًا بمشروع قانون ناقشه البرلمان لتنظيم عمل الصحافة والإعلام، دون العرض على نقابة الصحفيين، حسب نص الدستور، فأصبح لا يمثل أصحاب المهنة، فضلاً عما حواه القانون من نصوص تنل من استقرار المؤسسات الصحفية القومية، وتهدد بتصفيتها، وتفتح الباب لدمج وإلغاء الإصدارات مما يهدد آلاف الصحفيين والعاملين في أكل عيشهم".

الدعوة للوقفة الاحتجاجية جاءت بعد تجاهل الطلب المقدم من عشرات الصحفيين لمجلس نقابتهم لعقد جمعية عمومية طارئة، للتصدي لهذا المشروع الذي وصفوه بأنه "قانون إعدام الصحافة" وتضمينه "شهادة وفاة رسمية" لما تبقى من الحريات، معتبرين أنه يشكل اعتداء على الدستور، وردة واضحة على حرية التعبير عن الرأي، وتفتح باب الهيمنة على العمل الصحفي.

قانون إعدام الصحافة

في إطار حشد الجماعة الصحفية ضد هذا القانون، نجح أربعة من أعضاء مجلس نقابة الصحفيين المصرية في جمع ما يقرب من 790 توقيع على بيان رافض لهذه البنود التي تضمنها مشروع اللائحة المقدمة، في خطوة احتجاجية عاجلة، من المقرر أن تكتمل بخطوات أخرى حسبما كشف مصدر لـ "نون بوست".

الصحفيون يرون أن مشروع القانون بصيغته الحالية "يصادر ما تبقى من مساحات للتعبير عن الرأي، وتخل بتعهدات مصر الدولية، عبر مواد تجافي روح الدستور ونصوصه المتعلقة بحرية الصحافة، ومن خلال تعبيرات مطاطة تتسع لتجريم كل صاحب رأي، وتهدر ضمانات أساسية للعمل الصحفي بإعادة الحبس الإحتياطي في جرائم النشر، الذي تم إلغاؤه منذ عقود، ونصت على عدم مشروعيته مواد قانون الإجراءات الجنائية وقانون نقابة الصحفيين الحالي والقانون (96 لسنة 1996) بشأن تنظيم الصحافة، وذلك كله من أجل حماية حرية الممارسة الصحفية، وضمانة لحرية التعبير من سيف الترهيب والتهديد".

جمال عبد الرحيم: القانون المعروض حاليا به نحو 15 مادة ضد الصحافة وضد الحريات والصحفيين والمؤسسات القومية، ويهدف إلى تصفية المؤسسات الصحفية وتسريح الصحفيين

وبحسب بيانهم الصادر فإن "نصوص المشروع تفتح الباب أمام النيل من الصحافة القومية، بإعطاء حق إلغاء ودمج المؤسسات والإصدارات الصحفية طبقا لنص المادة (5) من المشروع، وهو ما يمكن أن يمهد لسيطرة الإعلام الخاص على المجال الصحفي والإعلامي، ويخل بالتوازن الذي يمكن أن يحققه بقاء الصحافة القومية.

كما شددوا كذلك على أن المواد (5 و10 و19 و29) من مشروع القانون، تعد بمثابة مصادرة للعمل الصحفي، فضلا عن مخالفتها لنصوص الدستور، إذ سيطرت فلسفة الهيمنة والمصادرة على مواد القانون، عبر التوسع في استخدام العبارات المطاطة مثل: مقتضيات الأمن القومي، والدفاع عن البلاد، ومعاداة مبادئ الديمقراطية، والتعصب الجهوي، أو التحريض على مخالفة القانون، طبقا لنصوص المشروع، وهو ما يفتح الباب أمام إمكانية استخدام تلك العبارات الغامضة للنيل من حرية الصحافة، وعودة المصادرة من جديد.

هذا بخلاف مطاطية مواد القانون التي تسمح بتقنين سياسات الحجب بقرارات إدارية ولأسباب واهية، وتفتح الباب على اتساعه لهيمنة الرأي الواحد وإقصاء المخالفين في الرأي، من خلال فرض سطوة المجلس الأعلى للإعلام (حكومية) على كل ما ينشر على الانترنت بشكل عام، بما فيها الصفحات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنحه الحق في وقفها وحجبها، واتخاذ إجراءات بشأنها، وهو ما يشكل عدوانا مباشرا على حق المواطنين في التعبير عن آرائهم.

التخوف من القانون الحالي لا يتوقف عند تضمينه مواد تنال من حرية الرأي والتعبير، يدفع ثمنها الصحفيون وحدهم، بل يتجاوز ذلك إلى المجتمع بأسره، فالصحافة الحرة هي ضمانة أساسية للمجتمع الحر المتماسك، باعتبارها ناقوس خطر ينبه إلى مواطن الخلل ويفتح الباب لعلاجها، قبل أن تتفاقم وتنال من سلامة وأمن المجتمع وتماسك بنيان الدولة.

جمال عبد الرحيم، عضو مجلس النقابة،قال إن القانون متحفظ عليه من حيث الشكل حيث لم يعرض على نقابة الصحفيين بالمخالفة للمادة 77 من الدستور التي تنص على أخذ رأي النقابة في مشروعات القوانين التي تتعلق بالمهنة، أما من حيث المضمون فالقانون المعروض حاليا به نحو 15 مادة ضد الصحافة وضد الحريات والصحفيين والمؤسسات القومية، ويهدف إلى تصفية المؤسسات الصحفية وتسريح الصحفيين.

وتابع عبد الرحيم "موضوع الحبس الاحتياطي النص من أخطر النصوص حيث إن المادة 71 من الدستور تنص على منع قضايا الحبس في قضايا النشر عدا جرائم التمييز بين المواطنين والتحريض على العنف والطعن في الأعراض، حيث قصد المشرع إلغاء الحبس الصادر عن طريق أحكام قضائية نهائية وليس الحبس الاحتياطي كما نص عليه القانون".

"دستوري ويحقق الشفافية"!

وفي المقابل أكدت الهيئة الوطنية للصحافة، أن "القانون  بوضعه الحالي جاء مطابقاً لنصوص الدستور وليس مخالفاً له أو غير متسق مع مواده"، مشيرة  "أن الادعاء بأن هذا القانون تضمن نصوصاً تؤدي إلى حبس الصحفيين أمر مخالف للواقع لأن المادة 29 الخاصة بحبس الصحفيين، المنصوص عليها في قانوني الصحافة والإعلام منقولة نصاً من المادة 71 من الدستور والذى أعدته لجنة الخمسين".

وأوضحت الهيئة في بيان لها ردًا على دعوات الوقفة الاحتجاجية، أن القانون "يحقق أعلى درجات الشفافية والنزاهة والمراقبة والمساءلة، بما يتضمنه من إجراءات لتحديد الأجور والمرتبات التي يحصل عليها كل العاملين ورؤساء مجالس الإدارة لتحقيق عدالة الأجور والقضاء على الفوارق الكبيرة التي تسبب عدم رضا أعداد كبيرة من العاملين في المؤسسات الصحفية،وأن القانون أخذ حقه من المداولة والنقاش وإبداء الرأي على مدى ثلاث سنوات".

يأتي قانون الصحافة الجديد في إطار سلسلة من التشريعات التي أقرها البرلمان منذ انتخابه في العام 2015، تهدف إلى غلق المجال العام وحرمان المواطنين من حقوقهم

بدوره أكد أسامة هيكل، رئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، أن القانون الحالي هو أخطر قانون تم وضعه في البرلمان، لافتًا إلى أن استخراج هذا القانون أمر هام خلال المرحلة الحالية، لأن التطور الهائل في الإعلام لم يواكبه أي تطوير في التشريعات التي تنظيم العمل الإعلامي والصحفي.

وأضاف "هيكل"، خلال حواره على فضائية "الحياة اليوم"، المذاع على فضائية"الحياة"، مساء أمس الثلاثاء، أن هناك فئة معينة من الصحفيين قامت بمهاجمة هذا القانون، رغم أنه يُوحد الحقوق بين الصحفيين والإعلاميين، ويقنن الفوضى الإعلامية ويضع النقاط فوق الحروف، على حد قوله.

انعقاد دائم

أثار الإعلان عن هذا القانون في شكله المبدئي حالة من الجدل داخل الأسرة الصحفية، ما دفعهم لحالة انعقاد دائم لحين التوصل إلى حلول مرضية للجماعة الصحفية، ففي بيان صادر عن النقابيين السابقين في مجلس نقابة الصحفيين، في مقدمتهم: يحيي قلاش، نقيب الصحفيين السابق، حسين عبدالرازق، عضو مجلس النقابة(1980-1983)، محمد عبدالقدوس، عضو مجلس النقابة (1985-1995)، ووكيل النقابة (1995-1999 ) ، وعضو المجلس من ( 2003 - 2013 )، رجائي الميرغني، عضو مجلس النقابة (1995-1999)، ووكيل أول النقابة (1999-2003)، حمدين صباحي، عضو مجلس النقابة (1999-2003) أكدوا رفضهم الكامل لمشروعات قوانين تنظيم الصحافة والإعلام المعروضة على مجلس النواب، والتي تشكل اعتداء علي الدستور وردة واضحة عن الحريات الصحفية، وتفتح باب الهيمنة على العمل الصحفي.

الصحفيون يرون أن مشروع القانون بصيغته الحالية "يصادر ما تبقى من مساحات للتعبير عن الرأي، وتخل بتعهدات مصر الدولية، عبر مواد تجافي روح الدستور ونصوصه المتعلقة بحرية الصحافة"

الموقعون على البيان طالبوا بفتح حوار واسع تحت مظلة النقابة، حول سبل التصدي لما حوته مشروعات القوانين الثلاثة من مواد تشكل عدوانا علي الدستور وافتئاتا على حقوق الصحفيين والكتاب والقراء والمشاهدين جميعا، والعمل على تعديلها، داعين إلى  تجاوز كل الخلافات، والتوحد معا تحت راية الدفاع عن حرية الصحافة والدفاع عن حقوقهم وحق المجتمع في المعرفة، والعمل لإسقاط المواد الخطيرة في تلك القوانين.

نقيب الصحفيين السابق، يحي قلاش، وصف مشروع القانون الحالي بأنه "يقوم على فلسقة عقابية، أكثر منها تنظيمية"، قائلا: إن "مشروع هذا القانون ضد دستور 2014 الذي منح الصحافة مكاسب غير مسبوقة"، منتقدا في الوقت نفسه "ترجمة مواد الدستور إلى تشريعات على خلاف ما يريده المشرع في الدستور".

كما أعرب عن تخوفه  "من العبث بأصول المؤسسات الصحفية القومية المتعلقة بالشعب المصري، وتحويلها لمؤسسات تجارية، تلغي ميزة المنافسة بينها وبين بعضها، وتطمس هوية المدارس الصحفية التابعة لكل مؤسسة صحفية"، مشيرا إلى "أننا كنا في عهد مبارك نفخر بأن الصحافة تعيش ديمقراطية الهوامش الآن الهوامش نحاول أن نخاف عليها لإنها تضييع من بين أيدينا".

مسلسل مصادرة الحريات

يأتي قانون الصحافة الجديد في إطار سلسلة من التشريعات التي أقرها البرلمان منذ انتخابه في العام 2015، تهدف إلى غلق المجال العام وحرمان المواطنين من حقوقهم، وخاصة الحق في حرية التعبير والحق في حرية التنظيم، وعلى رأسها قانون الجمعيات الأهلية (1، 2)، بخلاف قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات المقر عليه مؤخرًا.

يشمل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات 45 مادة، وهو قانون مُقدّم من قبل الحكومة، ووافق عليه مجلس النواب نهائيا في 5 يونيو 2018. وقد نُوقش القانون سابقا في لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، والتي وافقت عليه من حيث المبدأ في 5 مارس 2018.

منظمتا "مؤسسة حرية الفكر والتعبير" و" Access Now " المتخصصتان في الدفاع عن حريات الرأي، يريا أن قانون تقنية المعلومات يُقنّن الرقابة على الانترنت، و يُمكِّن السلطة التنفيذية من حجب مواقع الوِيب، وهي الممارسة التي بدأت فعلها السلطات المصرية منذ 24 مايو 2017 حتى الآن دون سند قانوني مُعلن، حتى وصل عدد المواقع المحجوبة في مصر إلى 500 موقع على الأقل.

في بيان صارد عنهما بشأن هذا القانون،حذرتا من أن أسباب حجب مواقع الوِيب تم تحديدها بمصطلحات فضفاضة وغير منضبطة في تعريفها، مثل تهديد الأمن القومي، هذا بخلاف ترسيخ مراقبة شاملة على الاتصالات، حيث تُلزم المادة الثانية من القانون، شركات الاتصالات بحفظ وتخزين بيانات استخدام العملاء، لمدة 180 يومًا.

علاوة على ذلك يرسخ القانون لانتهاك الحق في الخصوصية، حيث تتطرق المادة الرابعة من مشروع القانون إلى تبادل البيانات والمعلومات بين مصر والدول الأجنبية عن طريق وزارتي الخارجية والتعاون الدولي، كما يغلب على معظم نصوصه عدم تحديد المقصود من المصطلحات، ما يجعل هناك غموض وعدم انضباط، يتيح إمكانية امتداد عقوبات القانون إلى أي فعل اعتيادي أو مخالف لسياسات السلطات المصرية.