لم يكن النظام الإيراني يحلم مجرد الحلم بالنتيجة التي وصل إليها في العراق اليوم، فهو يتحكم الآن بكل مفاصل الدولة العراقية، بدءً من سياسة هذا البلد ومرورًا بإدارة ملفه الاقتصادي لما يعود بالنفع على طهران، وليس انتهاءً بتسخير كل مقدرات العراق وزجه في الحروب الإقليمية بالمنطقة بغية توسيع النفوذ الإيراني، حتى وصل الأمر بالإسفتادة من العراق كعامل قوة وخط مواجهة متقدم في وجه الضغط الأمريكي، إثر انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاقية النووية المبرمة بين إيران من جهة وباقي الدول الغربية ضمنها الولايات المتحدة من جهة أخرى. 

حرص النظام الإيراني الذي خاض مع العراق حربًا طويلة دامت لثمانية أعوام، على أن يبقى العراق ضعيفاً لا يشكل خطراً عسكرياً عليه، وكانت الفرصة سانحة لذلك بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وفي هذا يقول موفق الربيعي، وهو مستشار أمني قومي سابق: "تلك ندبة دائمة في ذهنهم، إنهم مهووسون بالبعث وصدام والحرب الإيرانية - العراقية". الأمر الذي يوضح لنا، كم أن النظام الإيراني حريص على إبقاء سيطرته الواسعة على العراق لأسباب تتعلق بمنعه أن يكرر تجربة حرب الثمانينات خلال المستقبل، بالإضافة لإزاحته من طريقه وهو يمضي بتوسعة نفوذه غرباً تجاه المنطقة العربية. 

بعد مرور 15 سنة من سقوط النظام العراقي السابق، ارتفع سقف الطموحات الإيرانية إلى المرحلة التي تجعل العراق ليس فقط لا يشكل خطراً عليها، إنما أداة يستفاد منها في ربطه بأجندتها وتوظيفه كيفما تشاء، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. نرى ذلك جليًا حينما استفادت إيران من العراق بتشكيل مليشيات متعددة من أبنائه، ضمنت من خلالها السيطرة على العراق تجاه أي تغير محتمل الوقوع، بالإضافة إلى انها تقاتل بهم في سوريا، ومن المرجح أنها تقوم بإرسال بعضهم للقتال إلى جانب مليشيات الحوثي في اليمن. ومن يعلم ربما يأتي الوقت للاستفادة من تلك المليشيات بتهديد دول خليجية، منها المملكة السعودية التي يدخل النظام الإيراني معها في صراع وجودي، ويعتبرها العدو الأول لنظامه حالياً.

استطاع النظام الإيراني الاستفادة من العراق والنظام الحاكم فيه، وقام بدعم المليشيات الموالية له سواء كانت في سوريا أم في لبنان، فالممر البري الذي يربط إيران بكل من سوريا ولبنان هو العراق، وكان له الأثر العظيم في ذلك بالنسبة لطهران

كما استفاد النظام الإيراني من العراق طيلة سنوات الحصار التي فرضها الغرب عليه قبل توقيع الاتفاقية النووية في سنوات التسعينات، وكانت الحدود الطويلة بين البلدين عاملاً مخففاً لهذا النظام من وطأة تلك العقوبات الاقتصادية، وصدَّرت إيران منتجاتها سواء النفطية وغير النفطية من خلال العراق، ساعدها في ذلك غض النظر الأمريكي في عهد أوباما، لأن الأخير كان بحاجة لتعاون إيران في الملف العراقي الذي لم تستطع الولايات المتحدة الامريكية السيطرة عليه بمفردها. 

لكن القرار الأخير لترامب بالإيعاز للدول الحليفة له بإيقاف استيراد النفط الإيراني مثَّل تحدياً كبيراً للنظام الإيراني، لأن تصدير النفط الخام يوفر ما يفوق ال 60% من وارداته بالعملة الصعبة، وجاءت تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني لتدلل على مدى استفزاز هذا النظام إزاء هذا القرار، إذ قال: "زعم الأمريكيون أنهم يريدون وقف صادرات النفط ‏الإيرانية بالكامل. إنهم لا يفهمون معنى هذا التصريح، لأنه لا معنى لعدم تصدير النفط الإيراني بينما يجري تصدير نفط ‏المنطقة." وأضاف " إذا كنتم (أيها الأمريكيون) تستطيعون، فافعلوا وسترون نتيجة ذلك"‏. وتحمل هذه التصريحات تهديداً واضحًا بوقف صادرات الدول العربية الخليجية النفطية للعالم، الأمر الذي ينذر بدخول العالم بفوضى اقتصادية كبرى وتهديد خطير للسلم العالمي.

استطاع النظام الإيراني الاستفادة من العراق والنظام الحاكم فيه، وقام بدعم المليشيات الموالية له سواء كانت في سوريا أم في لبنان، فالممر البري الذي يربط إيران بكل من سوريا ولبنان هو العراق، وكان له الأثر العظيم في ذلك بالنسبة لطهران.

أمر أخر استفاد منه النظام الإيراني من العراق، بجعله ممراً للمخدرات القادمة سواء من أفغانستان أو إيران، وبسبب المراقبة الضعيفة من الجانب العراقي للحدود العراقية الإيرانية أصبح من السهل مرور تلك الممنوعات وبكميات كبيرة، لتجد لها رواجاً ضخمًا في العراق، إضافة لتحويل العراق كممر آمن لتلك الممنوعات وهي في طريقها لدول الخليج.

كما وفَّر العراق سوقاً كبيرة للبضائع الإيرانية سيئة الجودة، للحد الذي وصل التبادل التجاري بين العراق وإيران إلى ما قيمته 13 مليار دولار سنوياً لصالح إيران، وتطمح إيران لرفعِ مستوى التبادل التجاري بين البلدين الى 20 مليارا في المستقبل القريب كما جاء ذلك على لسان وزير التجارة الايراني. ويعتبر العراق أكبر مستورد للبضائع الإيرانية غير النفطية، وعملت إيران من خلالها الطبقة السياسية الموالية لها في العراق على منع وإيقاف أية صناعة محلية يمكن أن تكون منافسة للبضائع الإيرانية، لكي يبقى العراق معتمداً بشكل كامل على استيراداته من دولة الجوار إيران. 

أمر آخر استفاد منه النظام الإيراني من العراق، بجعله ممراً للمخدرات القادمة سواء من أفغانستان أو المنتجة في إيران، وبسبب المراقبة الضعيفة من الجانب العراقي للحدود العراقية الإيرانية أصبح من السهل مرور تلك الممنوعات وبكميات كبيرة، لتجد لها رواجاً في العراق، إضافة لتحويل العراق كممر آمن لتلك الممنوعات وهي في طريقها لدول الخليج. هذه التجارة غير الشرعية تدر أرباحاً كبيرة للنظام الإيراني تتجاوز قيمتها ملايين الدولارات. 

لكن التغير الواضح الذي طرأ على أولويات الإدارة الامريكية في عهد ترامب عن سابقتها في عهد أوباما، جعل النظام الإيراني يشعر بالتعرض لتحدي حقيقي من الولايات المتحدة. وتبتغي الإدارة الأمريكية من التعامل الجديد مع إيران، إجبارها على تغير سلوكياتها، ليس فيما يخص الملف النووي وضمان عدم حصوله على السلاح النووي فحسب، إنما تغير سلوكها في المنطقة المعتمد على توسعة بنفوذها على حساب حلفاء أمريكا في المنطقة سواء دولة الاحتلال الإسرائيلي أو الدول الخليجية.

وعند النظر إلى الإجراءات الحالية والإجراءات المزمع اتخاذها من قبل الإدارة الأمريكية، يتبين لنا أن الولايات المتحدة جادة في طريقها لتقليم أظافر النمر الإيراني. لكن بالتأكيد دون التسبب في انهيار ذلك النظام، ذلك ما عبرت عنه صراحة وزارة الخارجية الأمريكية حينما قال المتحدث باسمها، إن "الولايات المتحدة لا تبتغي في إجراءاتها العقابية ضد النظام الإيراني إسقاط النظام، إنما إجباره على تغير سلوكياته في المنطقة"، بحسب وصفها.

قد لاحظنا بوادر تأزم في العلاقة بين المليشيات العراقية من جهة، وبين حكومة العبادي التي تتهمها تلك المليشيات بأنها ذات هوى أمريكي، بالأخص بعد الضربة الأمريكية (أو الضربة الإسرائيلية) لمليشيات الحشد الشعبي المتمركزة في الجانب السوري من الحدود العراقية السورية

لكن النظام الإيراني لا يطمئن لتلك التصريحات، ويعتبرها مهددة لنظامه بشكل مباشر، والحقيقة أن تغير سلوكيات النظام الإيراني في المنطقة عملياً يعتبر نهايةَ لذلك النظام، ذلك لان هذا النظام نشأ على العقلية التي تعتقد أن تصدير الثورة (حسب تعبيرهم) هو أساس وجود نظامهم، وبالتالي هو يتصرف إزاء الإجراءات الامريكية كإعلان حرب حقيقة ضد نظامه. لكن النظام الإيراني وبعد الحرب العراقية الإيرانية، رسم لنفسه استراتيجية بعدم الدخول في حرب مواجهة أبداً مع أي عدو خارجي، لذلك فمن المؤكد أنه سوف يستخدم حلفائه بالمنطقة من أحزاب ومليشيات لخوض حرب بديلة نيابة عنه ضد أمريكا. ومن أفضل الساحات لخوض تلك الحرب هي الساحة العراقية. وبحسب مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية، يمتلك النظام الإيراني القدرة على الضغط على الولايات المتحدة ‏الأمريكية في العراق وأفغانستان عن طريق حروب الوكالة، نظراً لتواجد مليشيات موالية له في هذين البلدين.

وقد لاحظنا بوادر تأزم في العلاقة بين المليشيات العراقية من جهة، وبين حكومة العبادي التي تتهمها تلك المليشيات بأنها ذات هوى أمريكي، بالأخص بعد الضربة الأمريكية (أو الضربة الإسرائيلية) لمليشيات الحشد الشعبي المتمركزة في الجانب السوري من الحدود العراقية السورية، والتي لم يصدر عن حكومة العبادي أية إدانة لها، بل أن العبادي تبرأ من أن تكون للعراق قوات في تلك المنطقة. تعرض بعدها العبادي لانتقادات شديدة من بعض المليشيات العراقية، إضافة إلى تصريحات قوية من أبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي والقائد الفعلي لها، ارتقت لتكون تحدي للعبادي ومن يقف خلفه. ولأننا نعرف أن تلك المليشيات لا يمكنها التصريح بأي موقف سياسي حقيقي دون الرجوع الى المرجعية الإيرانية، يتبين لنا طبيعة رد الفعل الإيراني في الأيام القادمة. 

المعركة الحقيقية يمكن أن تكون بين الأطراف الشيعية المنقسمة على نفسها بين موالٍ للأمريكيين وبين موالٍ للإيرانيين

بعد الانتخابات النيابية العراقية التي شابها الكثير من شبهات التزوير، بدأ تحرك يقوده السفير الأمريكي في بغداد لإرجاع شخصيات بارزة تم اقصائها لتأخذ دورها البارز في العملية السياسية، ذلك لأن الولايات المتحدة وهي تريد الضغط على النظام الإيراني، يتطلب منها حربًا أخرى لتغيير النظام الحاكم في بغداد حتى تكون واشنطن قادرة على حشد قوات ‏عسكرية كبيرة داخل أراضيه قبل تكثيف الضغط على إيران.

ذلك لان العراق كان في عهد نظام  صدام السابق عامل توازن مع إيران، منعها عملياً من توسيع نفوذها غرباً بشكل فاعل. فتجد إيران الآن أن نفوذها يتقوض بالعراق، إذا ما استمر الحال كذلك. ومن المرجح أن تعمل على تحريك أدواتها في العراق ضد التحركات الأمريكية، ليس بالإيعاز لميليشياتها بضرب القوات الامريكية، إنما بضرب كل من يسير بركب السياسة الأمريكية في العراق، سواء حكومة العبادي أو القيادات السنية والكردية التي تحتمي بالنفوذ الأمريكي.

لكن المعركة الحقيقية يمكن أن تكون بين الأطراف الشيعية المنقسمة على نفسها بين موالِ للأمريكيين وبين موالِ للإيرانيين. وتبتغي إيران من خلال حرب الوكالة هذه، إنهاك الجانب الأمريكي وتعطيل هجومه المباشر عليها. لكن الذي لم تتوقعه هو التأثير السريع للعقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على النظام الإيراني، والذي ترجم إلى تفجير الوضع الشعبي الإيراني، حيث أثرت تلك العقوبات على خروج الآلاف من الإيرانيين بتظاهرات ضد الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه إيران، وانخفاض عملتها إلى نحو 40% من قيمتها منذ إعلان الرئيس الأمريكي ترامب انسحابه من الاتفاقية النووية، سرعان ما تحولت إلى مطالبات بتغير النظام والدعوة لموت الخامنئي.

هذا العامل الجديد جعل خيارات النظام الإيراني قليلة، وأصبح لزامًا عليه إعادة رسم خططه، فإما الاستسلام لما تريده أمريكا وتنفيذ كل مطالبها والنجاة من السقوط، أو الثبات على مواقفه والتعرض لخطر السقوط. ومع علمنا أن النظام الإيراني يمتاز بالبرغماتية فإنه ليس من المستبعد أن يقوم النظام الإيراني بالانحناء للعاصفة الترامبية، وليس مستغرباً أن يقوم السياسيون العراقيون الموالون لإيران، بدعم إيران مالياً لتجاوز أزمتها الاقتصادية، وسيبقى النظام الإيراني يناور وينتظر فرص أخرى لإكمال ما بدأه منذ سنين بعيدة.