كسنابل يقترب منها المنجل وهي ترتجف، كانت قلوب ما يقارب من 4 ملايين موصلي منقسمين بين رهائن داخلها أو نازحين خارجها، وهي تترقب أخبار احتشاد القوات على تخوم المدينة لإطلاق معركة استعادة الموصل من تنظيم داعش، المدينة التي سيطر عليها التنظيم منتصف عام 2014، معركة وصفها محللون عسكريون بأنها من أشرس معارك المدن منذ الحرب العالمية الثانية، انتهت بكل ما لها وما عليها قبل عام عندما أعلن رئيس الوزراء العراقي في 10 من يوليو 2017 من الموصل استعادة المدينة وتحريرها من أحد أخطر تنظيمات الإرهاب في العالم.

ثمن الحرية 

تنفس الموصليون الحرية لكن 40.000 منهم لم تسعفهم المعارك لشهيق وزفير آخر وفق ما ذكرته صحيفة الإندبندنت البريطانية عن عدد الضحايا من أهالي الموصل في الحرب، بينما خرج الأحياء لمدينة مقطعة الأوصال بدمار الجسور الخمس الرئيسية الرابطة بين طرفي المدينة على نهر دجلة، فيما دمرت البنى التحتية بشكل شبه تام، فلا وجود للمستشفيات العامة التي كانت تعتبر مركزًا طبيًا كبيرًا لشمال العراق، فلم يتبق سوى بقايا ركام كلية طب الموصل.

مقبرة جماعية لعائلة مكونة من أب وأربعة أبناء استشهدوا نتيجة العمليات العسكرية لمعركة الموصل

فيما فقدت المدينة ما يقارب 9000 مبنى ووحدة سكنية وفق المسح الأولي للأمم المتحدة عبر الأقمار الصناعية، ويعود غالبية الضرر في المدينة القديمة، فيما دمر أكثر من 130 كيلومترًا من الطرقات، نحو 100 كيلومتر منها غرب الموصل، وهذه الأرقام قابلة للزيادة خلال المسح الميداني على الأرض، بينما هناك أحياء مدمرة بالكامل وممسوحة بالأرض نتيجة المعارك مثل الميدان والقليعات والشهوان وهي أحياء أثرية تقع على نهر دجلة اليوم لم يعد لها وجود.

الثمن الباهظ للحرية، يتبعه ثمن في الحالة النفسية التي لا يمكن قياس حجم الدمار فيها، وحجم الإمكانات والوقت المطلوب لترميم

لم يقتصر الدمار على المباني السكنية والتجارية بل طال عددًا من المؤسسات العامة مثل مطار الموصل الذي دمر بالكامل، وكذلك معسكر الغزلاني الأمني، وعدد من الكليات والمعاهد لجامعة الموصل، ومحطة القطار، إضافة لمباني تراثية ودينية أبرزها جامع النوري الكبير ومنارة "الحدباء" التي بنيت في العهد الزنكي قبل 12 قرنًا، وتعد من أبرز المعالم الأثرية في الموصل، وظلت صامدة لأكثر من ثمانية قرون، لكنها سقطت في 22 من يونيو2017.

فيما نزح ما يقارب 700 ألف نازح نتيجة المعارك، ويعاني أغلبهم من عدم القدرة على العودة لمنازلهم بسبب الدمار وفقدان الخدمات الأساسية في تلك المناطق من ماء وكهرباء وطرق، إضافة للأنقاض التي تقدر بنحو 4 ملايين متر مكعب، رفع منها مليون ونصف فقط خلال عام من نهاية المعركة.

المسح الأولي للمناطق المدمرة بالكامل داخل مدينة الموصل

كل هذا الثمن الباهظ للحرية، يتبعه ثمن في الحالة النفسية التي لا يمكن قياس حجم الدمار فيها، وحجم الإمكانات والوقت المطلوب لترميم والدعم النفسي لـ4 ملايين موصلي من محافظة نينوى تعرضوا لمشاكل نفسية بمستويات مختلفة.

الموصل بعد عام من وضع الحرب أوزارها.. ماذا تحقق؟

لا ينكر أحد أن الموصل تعيش اليوم أحد أفضل مراحل الاستقرار الأمني منذ عام 2003، لكن ذلك لم ينعكس على البعد الاقتصاد والسياسي في المدينة، حيث ما زالت العشرات من المشاكل عالقة منذ عام دون تقدم حقيقي ملموس على الأرض، فما زال موضوع إعادة الإعمار معرقلاً ولا يوجد تحرك عليه سوى بعض الإنجازات البسيطة هنا وهناك مثل ترميم الجسر القديم على نهر دجلة وعمليات رفع الأنقاض وبناء عدد من المنازل والمحلات التجارية بمبادرات أهلية دون تدخل حكومي أو دولي.

وعود دولية لإعمار منارة الحدباء بإشراف اليونسكو وتمويل إماراتي لم تباشر عملها على الأرض إلى اليوم

حجم الدمار بالمدينة في قطاعات مختلفة هائل، حيث يقدر مبلغ إعادة الإعمار بنحو 30 مليار دولار، ورغم عقد مؤتمر في الكويت لهذا الغرض ولجلب الدول المانحة والمستثمرين، لكنه لم يخرج بشيء على أرض الواقع نتيجة للعنة توقيت الانتخابات العراقية وخوف الدول المانحة من استخدام المؤتمر وملف إعادة الإعمار في الدعاية الانتخابية؛ الأمر الذي عرقل أي تحرك على الأرض، إضافة لعملية قذف الكرات بين الحكومة المحلية والجهات الأمنية والحكومة المركزية، حيث تضع الحكومة المحلية اللوم على الحكومة المركزية بعد إطلاق ميزانيات وتخصيصات لتحرك عجلة الإعمار، وكذلك تلقي باللوم على الأجهزة الأمنية والجهد الهندسي لها بعدم رفع مخلفات الحرب العسكرية بشكل كامل خاصة من المدينة القديمة.

تنشط الفرق التطوعية من شباب المدينة بالجانب الغربي في محاولة لرفع الأنقاض من المدينة القديمة وتقديم الإغاثة وترميم المنازل وفتح المحال التجارية وفق إمكانات بسيطة محلية تمنح رسالة للعالم أن هذه المدينة تريد الحياة ما استطاعت إليها سبيلا.

فيما تُلقي حكومة بغداد باللوم على الحكومة المحلية بعدم التعاون والقدرة على تقديم الكشوفات والملفات اللازمة للبدء بعملية الإعمار، وبين هذا وذاك تقع العشرات من الملفات التي تجعل معاناة الموصلي مستمرة، فملف رواتب الموظفين والمبالغ التي لهم لدى الدولة العراقية معرقل، الأمل الذي يعني فقدان الآلاف من العوائل لمصدر رزقهم الوحيد، فيما ما زالت الأنقاض تعرقل عودة العوائل لمنازلها في المدينة القديمة.

وهناك عدد من الجثث لم يتم رفعها وإزالتها مما يهدد سلامة العوائل العائدة لمناطق المدمرة، ورغم إنكار الحكومة المحلية وجود جثث ظاهرة، فإن الناشط الموصلي فرحان سليمان نشر صورًا لأطفال يلعبون بأشلاء جثث متيبسة؛ الأمر الذي يشكل خطرًا حقيقيًا على سلامتهم الصحية ويسلط الضوء على واقع المدينة القديمة بعد عام من نهاية الحرب.

إضافة لذلك فإن الخدمات الأساسية ما زالت تحتاج للكثير، ورغم عدم وجود إحصاءات دقيقة، يمكن القول إن أغلب مناطق غرب الموصل تعاني من عدم وصول مياه الإسالة المعقمة، وتستخدم مياه الأبار الجوفية التي لا يمكن التأكد من سلامتها، فيما تشكل الكهرباء مشكلة مستمرة وتفاقمت بالموصل نتيجة دمار عدد من محطات التوليد خلال المعارك، فيما يتصدر الواقع الصحي المأساة بسبب دمار المستشفيات الكبيرة وعدم الشروع بإعادة الإعمار إلى الآن في مدينة مليونية السكان حيث تعتبر الأكبر عراقيًا بعد العاصمة بغداد.

ولا توجد أي بوادر لتعويض المتضررين الذين فقدوا منازلهم أو محالهم التجارية، وكذلك الأمر مع ذوي الشهداء والمصابين، الأمر الذي عرقل الكثير من إمكانية تخفيف المعاناة وكذلك تحريك عجلة السوق.

المدينة تسير بجراحها 

رغم كل المفات المتوقفة، فعند زيارتك للمدينة ستجد إصرارًا كبيرًا على عودة الحياة والبناء وفتح المحلات التجارية وتقديم الخدمات، حيث يشهد جانب المدينة الشرقي رواجًا كبيرًا في سوق المطاعم والكافيتريات والمتنزهات ومحلات الملابس والأسواق الغذائية، فيما عادت الحياة بشكل شبه طبيعي لجامعة الموصل (أحد أعرق جامعات العراق)، وكذلك حركة الطلاب في المراحل المختلفة بعد توقف دام سبع سنوات.

كذلك فإن إعادة البناء للأبنية الأهلية والمنازل من أصحابها مستمر بجهود ذاتية واستثمارات خاصة من الأهالي، الأمر الذي يخلق فرص عمل محدودة لكنها تخفف بقدر بسيط من مشكلة البطالة التي تواجه المدينة بشكل مخيف.

وتنشط كذلك الفرق التطوعية من شباب المدينة بالجانب الغربي في محاولة لرفع الأنقاض من المدينة القديمة وتقديم الإغاثة وترميم المنازل وفتح المحال التجارية وفق إمكانات بسيطة محلية تمنح رسالة للعالم أن هذه المدينة تريد الحياة ما استطاعت إليها سبيلا.

عام على صمت الرصاص لكن آثاره ما زالت حاضرة على الأرض وفي أذهان الموصليين خاصة من عايش تلك الحظات العصيبة تحت النار، ويبدو أنها لن تفارق الأرض والأذهان قريبًا في ظل عجز محلي ودولي عن تحقيق إعمار سريع للمدينة وغلق ملفات يجب أن تغلق لتثبيت الاستقرار الذي يعزز شفاء جراح حفرت عميقًا في عروس الشمال العراقية.