رغم صغر حجمها الجُغرافي وحداثة سنها التاريخي كدولة موحدة، تسعى الإمارات لخلق وجود مُؤثر لها باتخاذها مواقف مُناطحة لقوى إقليمية ودولية، لكن الدولة المتحدة بين إماراتها السبعة تشوبها هذه الأيام بعض الصراعات الخفية والتوترات الداخلية.

خلافات الغرف المغلقة بسبب الحرب في اليمن وحصار قطر كانت حبيسة الكواليس، لتصعد مؤخرًا إلى السطح بشكل متسارع، بعد أول حديث علني لأمير إماراتي منشق في العاصمة القطرية الدوحة، ما يوفِّر لمحة نادرة عن الخلافات داخل أروقة الحكم في دولة الإمارات، ويزيد من تعقيدات الأزمة الخليجية بين قطر والإمارات.      

صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية روت في تقرير لها، مطلع الأسبوع الحاليّ، تفاصيل لجوء الشيخ راشد بن حمد الشرقي إلى قطر صبيحة يوم 16 من مايو/أيار الماضي، وفضحه الضغائن العائلية بين حكام الإمارات، حيث كان من المفترض أن يصبح راشد بن حمد وليًا للعهد في الفجيرة، فهو الابن الثاني لأمير الفجيرة، وكان يشغل منصب رئيس هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، لكن علاقته السيئة بولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد منعت ذلك، حيث يرغب بن زايد في تعيين أخيه الأصغر منه.

أول المنشقين

كانت رحلة الشيخ راشد إلى الدوحة الأولى في تاريخ دولة الإمارات التي يذهب فيها أحد أفراد العائلات السبعة الحاكمة الإمارات إلى انتقاد دولته علانية بحسب مؤرخي المنطقة، وفقًا لما ذكرته الصحيفة، ويعد الشيخ راشد الأول في عائلة ملكية يخرج من الإمارات ويقول كل شيء عنهم، فمن النادر أن تقوم النخبة السياسية بعملية تسريب علنية في الإمارات، بحسب ما نقلت الصحيفة عن ديفيد روبرتس الأستاذ في كينجز كوليدج - لندن والمتخصص في شؤون الخليج.

وبحسب قوله للصحيفة الأمريكية، فإنه قرر إجراء المقابلة على أمل أن يتسبب في انتباه الرأي العام لقضيته في حماية عائلته بالفجيرة من ضغوط أبو ظبي، ويبدو أنه يأمل أن التهديد بمزيدٍ من الإفصاح قد يمنحه نفوذًا ضد أبو ظبي.

الشيخ حمد الشرقي (يمينًا) الابن الثاني لحاكم إمارة الفجيرة - المصدر: نيويورك تايمز

الأمير المنشق تحدث علنًا ​​عن "خلافات" كانت تناقش سابقًا في غرف مغلقة، وتتمحور - بحسب الصحيفة - بشكل رئيس حول تفرد أبو ظبي في قرار التدخل العسكري في اليمن، إذ لم يتشاور حكام أبو ظبي مع أمراء الإمارات الستة الأخرى قبل إرغام جنودهم على الحرب التي دخلت عامها الرابع، ضد فصيل متحالف مع إيران في اليمن.

لكن إمارة الفجيرة، الأصغر حجمًا والأقل نفوذًا، تحملت العبء الأكبر في عدد القتلى الإماراتيين باليمن، بعد أن ملأ جنودها الخطوط الأمامية فشكلوا معظم الوفيات في الحرب التي قدرتها التقارير الإخبارية الإماراتية بنحو 100 قتيل، لكن عدد القتلى من الإماراتيين - بحسب الراشد - يتجاوز هذه الحصيلة.    

وفي المقابلة، اتهم الشيخ راشد حكام الإمارات بـ"الابتزاز" مقابل تحويل عشرات ملايين الدولارات نيابة عنها لأشخاص لا يعرفهم في دول أخرى كي لا يبدو الأمر خرقًا للقوانين الإماراتية والدولية لجهة غسل الأموال، وبحسب قوله، فإنه نقل ما يصل إلى 70 مليون دولار إلى الأردن ولبنان والمغرب ومصر وسوريا والهند وأوكرانيا.   

ذكر " الأمير المنشق" أن المخابرات الإماراتية ابتزته بتهديده بإطلاق مقاطع فيديو محرجة ذات طابع شخصي

وكشف الأمير الإماراتي الشيخ راشد الشرقي الجهات التي تم تحويل الأموال إليها، لكنه لم يتمكن من تقديم أدلة تدعم هذا الاتهام، قائلًا إن فواتير هذه المعاملات لا تزال في الفجيرة، إلا أنه ذكر أن المخابرات ابتزته بتهديده بإطلاق مقاطع فيديو محرجة ذات طابع شخصي، وصفها بأنها "ملفقة"، لكنه رفض كشف محتوى المادة، مما زاد من احتمال أن يؤدي الفيديو إلى إحراج مضيفيه القطريين.  

وكانت صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية، قد قالت في يونيو/حزيران الماضي إن ابن حاكم إمارة الفجيرة انشق عن الإمارات وطلب اللجوء إلى "عدوتها" قطر، عبر سفارتها في لندن، ولم يتمكن المسؤولون في السفارة الإماراتية بلندن من الحصول على الأمير، فزعموا أنه تم اختطافه، في الوقت نفسه أكد مصدر دبلوماسي آخر، للصحيفة، أن الأمير يوجد بالفعل في قطر، لكنه ذهب إليها بمفرده ودون أي ضغوط من قطر.

الواقعة سرعان ما ألقت بظلالها على العلاقات المتوترة بين الإمارات وقطر بعد فرض الحصار على الدوحة  في 5 من يونيو/حزيران الماضي، فلم يلبث وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش أن علَّق على لجوء أحد الأمراء إلى قطر، وقال في تغريدة له على تويتر: "يتآمر المرتبك على هذه الأسرة الحاكمة أو تلك، وتنقصه كالعادة الشجاعة".

 لكن الرد القطرى كان حاضرًا، إذ قال مدير المكتب الإعلامي بوزارة الخارجية القطرية أحمد سعيد الرميحي، في تغريدة: "من استقبل المفلس سلطان بن سحيم لا يتحدث عن الشجاعة"، في إشارة إلى الضغوط التي تمارسها أبو ظبي عبر استضافتها بعض أعضاء العائلة الحاكمة في قطر، وسعيها إلى تضخيم واستغلال انتقاداتهم للأمير الحاليّ، وتقديمهم للجمهور على أنهم الحكام البدلاء.

جوهر الخلافات بين ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وحاكم دبي محمد بن راشد بدأ يتسرب إلى العلن

المحمدان.. ليسا على قلب رجل واحد

هذه الواقعة الأخيرة تدفع للتساؤل عن ماهية إدارة ملفات الحكم الداخلية والخارجية بالإمارات، خاصة بين ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وحاكم دبي محمد بن راشد، إذ يُعد الأول المُحرك لأدوار الدولة الخليجية من المحيط إلى الخليج؛ حتى أصبحت إمارة أبو ظبي بفضله العاصمة السياسية  للدولة الخليجية، وتنافسها في بعض الأوقات إمارة دبي عبر الثاني الذي يُقارب السبعين من عمره الذي نهض بالإمارة لتكون واحدة من كُبري المدن المالية والتجارية حول العالم.

ورغم أن العلاقة بين الرجلين شكلت أهم مُحددات الاستقرار السياسي للنظام الحاكم، بيد أن هذا الاستقرار شهد في الفترة الأخيرة تباينًا في وجهات النظر السياسية بين كلا الرجلين في عدد من الأزمات الكُبري، لا سيما ثورات الربيع العربي وحرب اليمن وحصار قطر.

جوهر الخلاف بين "المحمدين" بدأ يتسرب إلى العلن بعد أشهر قليلة على خسارات دبي - التي تبلغ مساحتها نحو 5% من مساحة الإمارات السبعة - للكثير من الاستثمارات إثر قرار طرد القطريين، فمُقاطعة قطر الأخيرة كلفت إمارة دبي خسائر بمليارات الدولارات، بالإضافة إلى تراجع النشاط في ميناء جبل علي الذي أصبح مهددًا بخسارة موقعه لصالح موانئ سلطنة عمان.

وعلى إثر خسارة حكومة دبي مبالغ واستثمارات طائلة كانت تخطط أن تخرج من أزمتها بواسطتها، غيَّب ولي العهد ابن راشد عن السياسة الخارجية الإماراتية ليتفرد بها، الأمر الذي أسهم في تأجيج الموقف بين حكومة دبي وأبو ظبي، لا سيما أن الأخيرة ظلت حتى وقت قريب الجهة الوحيدة المخولة لإصدار تأشيرات الدخول والاستثمار في كل الإمارات الخليجية. 

يكمن الخلاف بين "المحمدين" منذ البداية في وقائع تُشير إلى هوة واسعة بين الحاكمين تجاه التعامل مع الأزمة الخليجية

ويكمن الخلاف منذ البداية في وقائع تُشير إلى هوة واسعة بين الحاكمين تجاه التعامل مع الأزمة الخليجية، فقد بدا ابن راشد غير مفضل لخيار ابن زايد، ويتضح ذلك في مضمون  قصيدةحملت عنوان "الدرب الواضح"، ونشرها على حسابه بموقع تويتر، وبدا فيها كداع للحوار بين الأشقاء الخليجيين.

لكن المضمون الذي حملته قصيدة آل مكتوم تجاه حتمية التصالح بين الدول الخليجية، تختلف جذريًا عن الرسائل التي تخرج من ولي العهد الإماراتي أو وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش، حيث تتسم دعواتهم بالتشدد إزاء فك الحصار، والوقوف نحو تجميد مساعي المصالحة والتقارب بين دول الخليج.

حدث ذلك أيضًا في تباين موقف الطرفين قبيل الانتخابات المصرية التي أعقبت عزل الإخوان المسلمين من السلطة، ففي  مقابلةبتاريخ 13 من يناير 2014، مع  بي بي سيأعرب رئيس الحكومة الإماراتية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، عن أمله في ألا يترشح السيسي ولكن لم تمر ساعات على التصريح، حتى أصدر مكتب رئاسة مجلس الوزراء في الإمارات تصريحًا  عبر فيه عن "احترام إرادة الشعب المصري ودعمها لاختياراته السياسية". 

ويبدو التباين واضحًا والتنافس الهامس جليًا بين الاثنين الأكثر نفوذًا داخل الدولة الخليجية، لكن بعض الأصوات الإعلامية الإماراتية خرجت لتؤكد التوافق الكامل بين الرجلين، ففي مقال منشور بجريدة البيان الإماراتية، تحت عنوان "وهم التفرقة"، ذكر الكاتب أن الأسر الحاكمة في الإمارات تربطها علاقة قوية بعضها ببعض، وبالأخص علاقة أبو ظبي بدبي.

نجح محمد بن زايد في إبعاد شقيقه الأكبر الشيخ خليفة بن زايد تمامًا من المشهد

الحاكم الفعلي للإمارات؟

بعد هذه المحاولات في إقصاء الآخرين، انصبت الأنظار تجاه رجل واحد يقبع داخل قصر البحر بالعاصمة الإماراتية أبو ظبي وهو محمد بن زايد نجل مؤسس الدولة الخليجية التي تحولت عبر السنوات الأخيرة إلى فاعل سياسي واقتصادي في كثير من القضايا بواسطة مجموعة من الرجال المحسوبين عليه بكل الدول العربية.

وبحسب موقع "موند أفريك" الفرنسي، فإن الحاكم الفعلي اليوم في الإمارات هو محمد بن زايد الذي نجح في إبعاد شقيقه الأكبر الشيخ خليفة بن زايد تمامًا من المشهد، بعد أن فقد الأخير سيطرته على أركان دولة الإمارات، وأصبح يقضي أغلب وقته في الإقامة الفاخرة التي ورثها في بلدة "ماكسيلي سير ليمان" قرب "إيفيان" في الجنوب الشرقي الفرنسي.

ومن وجهة نظر مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن سايمون هندرسون، فإنه من غير الواضح التنبؤ بما سيحدث عندما يصبح الشيخ محمد بن زايد الحاكم الرسمي، وعما إذا كان سيرغب في نقل السلطة إلى أبنائه (خاصة بعد طرح اسم الشيخ خالد بن محمد رئيس أمن الدولة المعين مؤخرًا، كاحتمال ممكن) أو سيرغب في نقلها إلى أخوته.

مع استمرار تعنت أبو ظبي بموقفها تجاه قضايا المنطقة ومحاولتها الحفاظ على مركزيتها بين الإمارات السبعة، من المتوقع أن يتأجج الخلاف أكثر وأكثر

لكن من الواضح - بحسب هندرسون - أنه مهما حدث، سيستمر استبعاد حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، البالغ من العمر 68 عامًا الذي يعد نظريًا نائب رئيس الاتحاد، واستبعاد أبنائه أيضًا؛ لتظل دبي الواجهة، وتظل أبو ظبي مركز السلطة.

وبعد أن اقترن اسم الإمارات خلال العقد الماضي بدبي ونهضتها الاقتصادية، باتت ترتبط اليوم باسم أبو ظبي وتدخلاتها السياسية وملفات حقوق الإنسان، الأمر الذي شكل تهديدًا لبيئة الأعمال التي وفرتها دبي على مدى العقود الأخيرة.

وبسبب ما يقوم به ابن زايد من نشاطات أمنية وعسكرية وسياسية باسم الاتحاد الذي تم إنشاؤه عام 1974، زادت حدة التوترات الصامتة كون الاتفاقية بين الإمارات السبعة لا تخول أي إمارةً اتخاذ خطوات إقليمية أو دولية بصورة منفردة .

ومع استمرار تعنت أبو ظبي بموقفها تجاه قضايا المنطقة وتدخلها بشؤون الدول المجاورة لها ومحاولتها الحفاظ على مركزيتها بين الإمارات السبعة ومنع البقية من التحرك بحرية والحصول على استثماراتهم دون وضع عقبات، من المتوقع أن يتأجج الخلاف أكثر وأكثر، وسيحول ذلك دون حفاظ الإمارات على مكانتها الإقليمية والسياسية وسيخفف من بريقها في مجال الاقتصاد والاستثمار.