اتهمت منظمة "سبين ووتش" الحقوقية البريطانية جهات إماراتية بالتآمر لزعزعة الثوابت الديمقراطية في بريطانيا، عبر شن حملات مكثفة ضد الثورات العربية والتشجيع على قمع انتشار الديمقراطية والتحريض على دولة قطر وبعض الكيانات السياسية الأخرى.

التقرير الذي نشرته المنظمة المعنية بتتبع ورصد العلاقات العامة والبروباغندا الحكومية يلقي الضوء على تطور دور اللوبي الإماراتي خلال السنوات الـ7 الماضية، نتيجة للتحولات الداخلية والإقليمية، والتحول من السياسة الناعمة التي انتهجها زايد وأبناؤه قبل عام 2010 إلى أخرى أشد عنفًا وتدخلًا في شؤون المنطقة خاصة بعد ثورات الربيع العربي التي أقلقت حكام بعض العواصم الخليجية بصورة كبيرة.

توظيف الإمارات لنفوذها المالي في أوروبا وأمريكا بخلاف الدول العربية لتحقيق أجندات إقليمية خاصة قضية ليست بالجديدة، غير أن التغول على ثوابت الديمقراطية في دولة بحجم بريطانيا ربما كان مكمن الخطورة الذي استشعرته بعض المؤسسات البحثية، ومن ثم كان هذا التقرير الذي دق ناقوس الخطر حيال الدور المشبوه الذي يلعبه المال الإماراتي داخل مفاصل الدولة البريطانية.

الإمارات تخرب

التقرير الذي جاء تحت عنوان "الإمارات العربية المتحدة تخرب الديمقراطية في بريطانيا" كشف النقاب عن سلسلة من الاجتماعات السرية التي عقدت بين ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا السابق ومحمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي بين عامي 2012 و2015، دارت معظمها بشأن استهداف جماعات الإسلام السياسي في المنطقة العربية على رأسها جماعة الإخوان المسلمين، والضغط من أجل تصنيفها كجماعة إرهابية.

ويبدو أن مخطط استهداف قطر إماراتيًا لم يكن خليجي الطبخة، بل تجاوز أبناء زايد ذلك إلى محاولة ممارسة أنواع الضغط السياسي والإعلامي كافة، أوروبيًا وأمريكيًا، لتحقيق مآربهم في تركيع الدوحة، حيث ألقى التقرير الضوء على الضغوط التي حاولت الإمارات ممارستها لإلصاق تهم الإرهاب بشخصيات قطرية بارزة.

التقرير يلقي الضوء أيضًا على الضغوط الإماراتية على مجلس الشرق الأوسط في حزب المحافظين، مشيرًا إلى أن رئيسه تلقى أموالًا من أحد أصدقاء ولي العهد الإماراتي

علاوة على ذلك كشفت المنظمة أن الإمارات طلبت - عبر أحد وسطائها - من مدير مركز دراسة التطرف في جامعة "كينغز كوليدج" في لندن إعداد بحث يربط قطر بالإرهاب، وأن يسلمه لصحفيين تثق بهم أبو ظبي في لندن، مقابل عقد مع المركز بقيمة 20 ألف جنيه إسترليني شهريًا.

كما كشف التقرير أيضًا العلاقة بين أبو ظبي والمعارض القطري المقيم في لندن خالد الهيل الذي مولته الإمارات من أجل حضور مؤتمرات في فنادق بريطانيا الكبرى، بمباركة ودعم من بعض النواب البريطانيين والهيئات الإسرائيلية، بهدف تشويه صورة قطر وسمعتها الخارجية، في محاولة للضغط من أجل سحب تنظيمها لكأس العام 2022، وهو الملف الذي يمثل غصة في حلق أبو ظبي والرياض بصورة كبيرة.

 التقرير يلقي الضوء أيضًا على الضغوط الإماراتية على مجلس الشرق الأوسط في حزب المحافظين، مشيرًا إلى أن رئيسه تلقى أموالًا من أحد أصدقاء ولي العهد الإماراتي وتبين فيما بعد تورطه في مؤامرة ضد العملة القطرية، ويخلص إلى ضرورة تنظيم أكثر فاعلية لمجموعات الضغط وللصحافة البريطانية لمنع تأثير الحكومات الأجنبية - ومنها حكومة الإمارات - على وسائل الإعلام البريطانية.

التأثير على القرار البريطاني

جاء موقف بريطانيا من الأزمة الخليجية منذ بدايتها متوافقًا مع جهود الوساطات الإقليمية والدولية لإنهاء الصراع والجلوس على مائدة الحوار لحل الخلاف في أسرع وقت، بل كانت من أوائل الدول في أوروبا التي دعت إلى الهدوء في التعاطي مع قرارات محاصرة قطر وشعبها.

في 11 من يوليو/تموز 2017 وفي بيان نشرته وكالة الأنباء الكويتية الرسمية (كونا) عقب اجتماع في الكويت ضم رئيس مجلس الوزراء الكويتي بالإنابة وزير الخارجية الشيخ صباح الخالد ووزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون ومستشار الأمن القومي البريطاني مارك سيدويل، قالت الدول الـ3 إنها وإذ تبدي عميق القلق جراء استمرار الأزمة الراهنة في المنطقة، فهي تدعو كل الأطراف إلى سرعة احتوائها وإيجاد حل لها في أقرب وقت من خلال الحوار.

عدد من النواب البريطانيين على رأسهم العضو البارز بحزب العمال كريس وليامسون اتهموا  الإمارات بتقويض السياسة ومرتكزاتها في بريطانيا والمساهمة في إشاعة حالة توجس تجاه المسلمين بصورة عامة

الموقف الداعي للتهدئة حيال الأزمة الخليجية لم يقتصر على الحكومة البريطانية فحسب، بل تجاوز ذلك إلى منظمات المجتمع المدني أيضًا التي ترى أن انعكاسات تلك الأزمة قد تضر بالمصالح الاقتصادية البريطانية في المنطقة، حيث دعا الباحث في شؤون الشرق الأوسط بجامعة لندن إدوارد بيرك الدول الخليجية الـ3 التي بدأت التصعيد ضد الدوحة إلى إعادة فتح حدودها البرية والبحرية والجوية مع دولة قطر، فيما قالت سيلينا ماكمستر الباحثة في شؤون الشرق الأوسط بجامعة ويسمنستر لـ(قنا) إن الإجراءات المفروضة على دولة قطر لن يكون لها تأثير في ظل قدرة الحكومة القطرية على امتصاص الصدمات.

يتسق توجه لندن حيال تلك الأزمة مع السياسة الخارجية الأوروبية الساعية إلى التهدئة والحوار بعيدًا عن التصعيد أو التحيز لطرف على حساب الآخر، خاصة أن تداعياتها - إن ظلت هكذا - ستتجاوز الحدود الجغرافية الخليجية إلى اقتصادات أوروبا وأمريكا على حد سواء، غير أن أبو ظبي وكما أشار التقرير سعت - مستغلة نفوذها المالي - إلى ضرب مرتكزات تلك السياسة ومحاولة الزج ببريطانيا في آتون الصراع لتصبح طرفًا في الأزمة، بعدما كانت أحد أبرز الوسطاء الداعمين لحلحلتها في أقرب وقت.

الموقف البريطاني كما الأوروبي يميل لتهدئة الأجواء وحلحلة الأزمة في أقرب وقت

على طاولة البرلمان

في أول رد فعل على ما جاء في تقرير "سبين ووتش" عقد مجلس العموم البريطاني (البرلمان) اجتماعًا أول أمس الثلاثاء لمناقشة كل التفاصيل التي أوردتها المنظمة في تقريرها الذي يراه بعض المحللين البريطانيين "تدميرًا للنية الديمقراطية لبلادهم".

عدد من النواب البريطانيين على رأسهم العضو البارز بحزب العمال كريس وليامسون اتهموا الإمارات بتقويض السياسة ومرتكزاتها في بريطانيا، والمساهمة في إشاعة حالة توجس تجاه المسلمين بصورة عامة، ما ساهم بشكل كبير في تعزيز "الإسلاموفوبيا" ونجم عنه تصاعد في منحنيات التحريض ضد المسلمين في بريطانيا وخارجها.

الصحفي أليكس دلمار مورغان وهو أحد معدي التقرير من المنظمة في شهادته عما ورد به قال: "الإمارات قامت بحملة في محاولة للتأثير على سياسيين وصحفيين، وذلك في إطار حملتها المناهضة لقطر"، بينما أكد زميله ديفيد ميلر أن التقرير ارتكز بشكل كبير على الرسائل الإلكترونية التي تسربت من شركة الضغط البريطانية التي كانت تدفع لها الإمارات أموالًا طائلة، مضيفًا: "كشفت الرسائل مجموعة من الممارسات التي كانت تقوم بها الشركة، سواء للتأثير على الصحفيين بهدف انتقاد جماعة الإخوان المسلمين أم انتقاد القطريين والنظام القطري".

تمويل سعودي - إماراتي محتمل لمؤتمر عُقد مؤخرًا بلندن يهدف إلى التشكيك في منح تنظيم بطولة كأس العالم 2022 لقطر

المؤامرة مستمرة

ما جاء في التقرير يتفق بشكل كبير مع ما تناقلته بعض وسائل الإعلام الأوروبية بشأن مخطط دول الحصار وفي مقدمتها الإمارات لتشويه سمعة قطر خارجيًا، ومحاولة سحب تنظيم كأس العالم 2022 الذي يمثل اعترافًا دوليًا ببراءة الدولة القطرية من التهم المنسوبة إليها بدعم الإرهاب وخلافه، وهي التهم التي نفتها الدوحة عشرات المرات دون أن يؤثر ذلك على موقف الدول الرباعية.

في يوليو/تموز العام الماضي فجر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو مفاجأة من العيار الثقيل، حين كشف أن السعودية والإمارات ومصر والبحرين واليمن وموريتانيا طلبوا سحب تنظيم بطولة كأس العالم 2022 من قطر بدعوى رعايتها للإرهاب.

وفي السياق ذاته ذكرت صحيفة "ذا لوكال" حسبما نقل عنها الكاتب القطري أحمد السليطي أن الاتحاد الدولي تلقى تهديدًا من الدول الـ6 بالترتيب لإجراء استطلاع في عمومية "فيفا" للتصويت على سحب المونديال من قطر، مضيفة أن التحذيرات التي استندت إليها تلك الدول تتعلق بوجود مخاطر على المنتخبات والجماهير حال قيام البطولة في الأراضي القطرية.

الكاتب البريطاني جيم ووترسن في صحيفة "الغارديان" أشار إلى وجود تمويل سعودي - إماراتي محتمل لمؤتمر عُقد مؤخرًا بلندن، يهدف إلى التشكيك في منح تنظيم بطولة كأس العالم 2022 لقطر، مضيفًا أن هناك تساؤلات أُثيرت عن تمويل منظمة تُدعى (مؤسسة النزاهة الرياضية) التي عقدت المؤتمر في مايو الماضي وهي منظمة مجهولة، من أجل التشكيك في استضافة قطر مونديال 2022.

ووترسن أوضح أن هاتين الدولتين أنفقتا مبالغ كبيرة على الحدث، وتلقى العديد من الضيوف آلاف الجنيهات الإسترلينية، واستضافتهم في فنادق باهظة الثمن.

أثبتت الوثائق التي حصل عليها الصحفيون أن بعض الحجوزات في المؤتمر جاءت باسم شركة بريطانية تسمى Akta Group التي تدير العمل فيها زوجة خالد الهيل الذي نظم قبل ذلك مؤتمر "قطر في منظور الأمن والاستقرار الدولي" في لندن الذي قيل إنه تلقى تمويله من السعودية والإمارات لتشويه صورة بلاده.

ورغم أن المؤسسة لديها اختصاص في جميع الألعاب الرياضية، فإن تركيزها منصب على موضوع استضافة الدوحة لكأس العالم عام 2022، فيما قال نيكولاس ماكغيهان - وهو باحث في مجال حقوق العمال في الخليج - إن جيمي فولر(رجل أعمال أسترالي ومنظم المؤتمر) عرض عليه أموالًا للحديث في المؤتمر، لكنه طلب تأكيدات بأن الأموال لم تكن خليجية، وأخبر المنظمين بأنه سينتقد دول الخليج الأخرى وليس قطر فقط، فكان الرد بعدم دعوته.

وخلصت الصحيفة في تقريرها إلى الإشارة أن حكومة الرياض اقترحت في وقت سابق حفر قناة على طول حدودها مع قطر لتحويل الأخيرة إلى جزيرة (قناة سلوى)، وفي العام الماضي حصل موقع "إنترسبت" الأمريكي على وثائق تفيد بأن الإمارات خططت لشن حرب مالية على قطر، وذلك من أجل الضغط عليها.

وهكذا تواصل الإمارات مخطط التحريض ضد قطر، داخليًا وعربيًا ودوليًا، في محاولة لتشويه صورتها، حتى لو كان ذلك عبر الضغط على القرار السياسي لدول أخرى وتدمير بنيتها الديمقراطية، في الوقت الذي تكثف فيه الدوحة من جهودها الدبلوماسية لوأد مثل هذه المخططات التي تتكشف تفاصيلها بين الحين والآخر.