حالة من الترقب في انتظار نتائج الانتخابات البرلمانية الباكستانية، بعد ماراثون طويل من المنافسة الشرسة، وسط حالة أمنية متردية، وتحديات كبيرة تجعل الخروج بسلام من هذا المعترك نصرًا كبيرًا مهما كانت النتائج التي تفرزها صناديق الاقتراع.

التهديدات الأمنية التي تواجه الانتخابات التي يتنافس فيها 11 ألف مرشح، وقرابة 100 مليون لهم حق التصويت، دفعت السلطات الباكستانية إلى الدفع بما يقرب من 800 ألف من عناصر الجيش والشرطة لتأمين أكثر من 85 ألف مركز اقتراح موزعين على أقاليم الدولة الأربع (البنجاب والسند وبلوشستان وخيبر بختونخوا) بالإضافة إلى المنطقة القبلية.

تأخير إعلان النتائج الذي كان مقررًا له اليوم أثار العديد من التساؤلات عن الأسباب الحقيقية له، بين من يراها مؤامرة تستهدف العبث بنتائج الانتخابات وآخرون يبررون ذلك بعطل في منظومة إرسال نتائج التصويت النهائية، غير أن الاهتمام الخليجي، لا سيما السعودي والإماراتي، بتلك الانتخابات على وجه الخصوص، وما تشكله من ملامح عامة للخريطة السياسية للنظام الحاكم في الدولة النووية وثاني أكبر دولة إسلامية، كان العلامة الأبرز والسؤال الذي يحتاج إلى إجابة.

حكومة واحدة و3 متنافسين

المجلس الوطني الباكستاني (البرلمان) يضم 342 مقعدًا، يختار الشعب منها 272 عضوًا منهم بشكل مباشر، في حين يخصص 60 مقعدًا للنساء، والعشرة المتبقية الأخرى مخصصة لممثلي الأقليات الدينية، حيث تختار لجنة الانتخابات هؤلاء النواب من الأحزاب التي تتجاوز حاجز الـ5%.

مدة ولاية الحكومة التي ستنبثق عن المجلس الوطني تبلغ قرابة 5 أعوام،  ويعد حزب الرابطة الإسلامية (PML-N)، الوحيد الذي أكمل مدة ولايته بعد فوزه في انتخابات عام 2013، فيما واجهت الحكومات السابقة العديد من موجات الاحتجاج دفعت إلى إجراء انتخابات مبكرة قبل إتمام فترة الولاية كاملة.

تمكن حزب الرابطة الإسلامية، من تشكيل الحكومة 3 مرات سابقة، منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى الآن، غير أنه تعرض لعدد من الهزات أطاحت به مرتين قبل أن يكمل مدته

ويعد إقليم البنجاب، أكثر أقاليم البلاد اكتظاظًا بالسكان، ويمثل داخل المجلس الوطني بـ148 نائبًا، بينما يمتلك إقليم بلوشستان 14 مقعدًا، وإقليم السند 61 مقعدًا، وإقليم خيبر بختونخوا 35 مقعدًا، في حين يمثل 14 نائبًا المنطقة القبلية (FATA)، ومن ثم يعول الكثيرون على البنجاب الذي يضم قرابة 60% من السكان في حسم الانتخابات وتحديد هوية الحكومة المقبلة.

أقاليم باكستان الأربع تمتلك مجالس إدارية خاصة بها، حيث تتضمن أيضًا مقاعد للنساء، ولممثلي الأقليات الدينية، تبلغ تعدادها 728 مقعدًا، حيث يساهم الشعب في اختيار 577 ممثلًا فيها بشكل مباشر، ويعد عدد مقاعد مجلس إقليم البنجاب هو الأكبر بـ297 مقعدًا، يليه مجلس إقليم السند بـ130، ثم خيبر بختونخوا بـ99، وأخيرًا مجلس إقليم بلوشستان بـ51 مقعدًا.

الحزب الحاصل على نسبة الأصوات الأعلى في الانتخابات (50+1) هو المخول بتشكيل الحكومة الجديدة، وتبرز على الساحة أسماء ثلاثة أحزاب هي من تتصدر المشهد برمته، رغم تجاوز أعداد الأحزاب والائتلافات المشاركة المئة، على رأسها يأتي حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية الذي تمكن من تشكيل الحكومة في الانتخابات الماضية، برئاسة نواز شريف (68 عامًا) لكن المحكمة الدستورية عزلت رئيس الحكومة فيما بعد.

تمكن حزب الرابطة الإسلامية، من تشكيل الحكومة 3 مرات سابقة، منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى الآن، غير أنه تعرض لعدد من الهزات أطاحت به مرتين قبل أن يكمل مدته، الأولى كانت نتيجة انقلاب عسكري والثانية إثر ضغوط سياسية، إلا أنه وفي المرة الأخيرة ورغم سجن رئيسه وتولي شقيقه شهبار شريف مكانه، إلا أنه أكمل مدته التي بدأت في 2013، ليصبح بذلك الحزب الوحيد الذي أكمل ولايته الحكومية في تاريخ باكستان.

رئيس حركة العدالة، لاعب فريق الكريكيت السابق، عمران خان

وفي المرتبة الثانية، تأتي حركة العدالة الباكستانية (PTI) التي تعد ثاني أكبر مرشح لتشكيل الحكومة برئاسة كابتن فريق الكريكيت السابق الحائز بطولة العالم، عمران خان (65 عامًا) الذي يعد من أشد معارضي نواز شريف وحزبه، كما يتميز بتصريحاته المناهضة للفساد التي رفعت أسهمه بصورة كبيرة في الماراثون الانتخابي.

يأتي في المركز الثالث حزب الشعب الباكستاني (PPP) الذي يقود أول انتخابات له تحت رئاسة بيلافال بوتو زرداري (29 عامًا)، نجل رئيسة الوزراء الراحلة بيناظير بوتو، ونجل رئيس البلاد السابق آصف علي زرداري، ويعد ثالث أكبر حزب في الانتخابات، ومن المرجح أن يكون له دور في الحكومة الجديدة إن لم تفرز الصناديق عن فوز حاسم لأي من الحزبين الأولين، إذ إنه في هذه الحالة ستفضي الأمور إلى حكومة ائتلافية وهنا يكون للشعب مكانة.

تعامل السعوديون والإماراتيون مع الجيش الباكستاني والحكومة بقيادة حزب الشعب الباكستاني، وأخرى بقيادة الرابطة الإسلامية، وفي حال وصول حركة العدالة إلى الحكم، فسيجدون أنفسهم في مواجهة شريك جديد في إسلام آباد

ترقب خليجي إيراني

لا شك أن نتائج تلك الانتخابات وما تفرزه من حكومة جديدة ستشكل طبيعة العلاقات بين باكستان، الدولة صاحبة الترسانة النووية، وجيرانها في المنطقة، وهو ما جعلها محط اهتمام وتقييم من العواصم الخليجية بصورة عامة، فالمرشح أو الحزب الذي سيفوز عليه أن يعيد تقييم المنطقة جيوسياسيًا، ومن ثم يبرز دور إسلام أباد وأهميته في الهيكل الأمني للمنطقة بأسرها.

العديد من الخبراء الباكستانيين في حديث لهم مع موقع "العربية" في نسخته الإنجليزية، يرون أن الانتخابات الحاليّة سيكون لها تأثير على مستقبل العلاقات مع دول الخليج لا سيما السعودية والإمارات، خاصة أن إسلام أباد تعد شريكًا أساسيًا لكل من الرياض وأبو ظبي، فضلاً عن وجود جالية باكستانية كبيرة في هاتين الدولتين على وجه التحديد.

الدكتور كامران بخاري المحاضر في معهد السياسات والأمن التابع لجامعة أوتاوا الكندية، يذهب إلى أنه سيكون من المثير رؤية رد فعل السلطات السعودية والإماراتية، إذا تولى السلطة "حركة العدالة الباكستانية" بقيادة عمران خان، قائلاً "إلى الآن، تعامل السعوديون والإماراتيون مع الجيش الباكستاني والحكومة بقيادة حزب الشعب الباكستاني، وأخرى بقيادة الرابطة الإسلامية، وفي حال وصول حركة العدالة إلى الحكم، فسيجدون أنفسهم في مواجهة شريك جديد في إسلام آباد". 

طهران ترغب في أن يقف النظام الحاكم في إسلام أباد موقفًا حياديًا، وألا ينصاع لأي ضغوط سعودية أو إماراتية تجعله طرفًا في أي صراع في المنطقة، في إشارة إلى تحفظ السلطات الباكستانية المشاركة في الحرب ضد اليمن

أما مؤنس أحمر، مدير برنامج دراسات السلام وتسوية الصراع في جامعة كراتشي، فيذهب إلى أنَّ العالم العربي لا يمكنه تجاهل تغيير الحكومة في باكستان؛ لأنها دولة نووية وثاني أكبر دولة مسلمة، قائلاً: "تقع باكستان عند ملتقى وسط وغرب وجنوب آسيا والخليج، وقد تؤثر نتائج الانتخابات بشدة على سياساتها الخارجية ويشكل كذلك نمو العلاقات الأمنية والإستراتيجية مع السعودية عاملًا حاسمًا، يدفع لأخذ الانتخابات في باكستان على محمل الجد".

ترقب سعودي إماراتي لما ستسفر عنه نتائج الانتخابات

ورغم الأغلبية السنية للباكستانيين ما جعلهم أقرب للسعودية منهم إلى إيران، غير أن الشيعة في باكستان وإن كانوا لا يمثلون سوى 20% من السكان (40 مليون)، إلا أنهم يقفون بصورة كبيرة إلى جانب إخوانهم الإيرانيين،  وهو ما يمثل تهديدًا كبيرًا حال نشوب أي توتر طائفي بين الشيعة والسنة.

هذا التخوف عبر عنه طاهر مالك أستاذ بالجامعة الوطنية الباكستانية، بقوله: "إيران والسعودية تكتسيان أهمية كبيرة بالنسبة لباكستان، فإيران جارتنا المباشرة، والعربية السعودية شريكنا الوثيق، ويجب على سياستنا الخارجية أن تراعي مصالحنا القومية، وليس مصالح مجموعة دينية".

بعض الخبراء أشاروا إلى أن إيران سيكون لها دور في تطور العلاقات مستقبلًا مع باكستان، إذ يرون أنَّ طهران ترغب في أن يقف النظام الحاكم في إسلام أباد موقفًا حياديًا، وألا ينصاع لأي ضغوط سعودية أو إماراتية تجعله طرفًا في أي صراع بالمنطقة، في إشارة إلى تحفظ السلطات الباكستانية المشاركة في الحرب ضد اليمن.

في المجمل، هناك توافق واضح داخل مؤسسات الحكم السيادية في باكستان على الوقوف على نفس المسافة من كل من السعودية وإيران بما يسمح لها بالبقاء على العلاقات الطيبة مع كلا الدولتين، ولا يمكن التنبؤ بمستقبل هذا التوافق ومدى استمراريته خلال المرحلة المقبلة إلا بعد الإعلان رسميًا عن نتائج الانتخابات التي تحدد بشكل كبير إلى أين تنحاز إسلام أباد أم ستبقى على موقفها.