سفن توماس كوك

تعود السياحة إلى مصر، أو ربما عادت بالفعل، عرفت ذلك عبر الكثير من الأشياء، من تذاكر الطيران شديدة الغلاء هذا الصيف، وأخبرني إياه سائق سيارة الأجرة الذي كان يندب حظه الذي جلب له شابًا مصريًا بدلًا من سائح أجنبي، حدثني طويلًا عن أيام حسني مبارك الممتلئة بالخير والسياح الذين كانوا يأتون من كل مكان وفي كل وقت، ولعن الثورة والإخوان، الأولى بسبب الفوضى التي أخافت السياح والثانية بسبب خطة مرسي السرية لمنع الخمور وتدمير السياحة لأنها حرام.

لكن ربما الدليل الأكبر على عودة السياحة إعلان شركة توماس كوك جلب نصف مليون سائح إلى شواطئ مصر في 2018. يحمل هذا الإعلان الكثير والكثير من المعاني، بعضها يرتبط بالحاضر ككون توماس كوك ثاني أكبر شركات السياحة في أوروبا حاليًّا، وبعضها يحمل ثقل قرابة الـ200 عام من التاريخ، تاريخ صناعة السياحة في مصر والعالم أجمع بل تاريخ مصر ذاتها، ولفهم هذه المعاني من الواجب إلقاء نظرة على تاريخ السياحة كصناعة تدر تريليون دولار كل عام، وأيضًا كسلاح للاستعمار ونتيجة له.

فهذه الصناعة التي نعرفها اليوم لم تكن موجودة بالأساس قبل 200 عام، نعم سافر البشر حول العالم منذ فجر التاريخ، إلا أن شخصية السائح الذي يسافر لوقت قصير في برامج معدة بالفعل ولدت مع الاستعمار، ويمكن القول إن توماس كوك - الرجل لا الشركة - كان الرجل الذي جلب هذه الشخصية إلى الحياة.

كان توماس كوك الرجل المناسب في الوقت المناسب، إذ تعامدت الظروف مع انتصاف القرن الـ19 لتسمح بميلاد السياحة، فلم تكن السفن البخارية العملاقة مجرد قطع في أسطول الإمبراطورية تسمح لها باستعمار بلاد العالم بسهولة، بل كانت أيضًا بداية عصر جديد من السفر السريع لم يعرف العالم مثله من قبل، سفر يصل أطراف العالم ببعضها البعض في أيام قليلة، ولا يلقي بالًا للأحوال الجوية السيئة أو سرعة الرياح، كما كان مولد القطارات البخارية التي عمل الإنجليز على ربط بلادهم ومستعمراتهم بشبكاتها، وكانت كل هذه التطورات فرصة سانحة تنتظر رجلًا بطموح وعقلية توماس كوك لجني ثمارها، وقد كان.



توماس كوك

كان الأخير مجرد مبشر مسيحي إنجليزي قبل أن يتفتق ذهنه عن فكرة الاتفاق مع شركات القطار البريطانية وأصحاب الفنادق على ترتيب رحلات لبعض زملائه ومعارفه وتوفير الخدمات بشكل منظم وغير مكلف، كانت أولى هذه الرحلات من مدينة لستر إلى لندن عام 1841، وبلغت ذروتها عام 1851 عندما رتب بمفرده نقل أكثر من 150 ألف شخص من كل أنحاء بريطانيا إلى لندن لحضور معرض العالم العظيم.

وعلى طول الطريق كان مستر كوك لا يتوقف عن تقديم المزيد والمزيد من الابتكارات، إذ تنسب إليه أول تذاكر القطار المفتوحة التي يستطيع الزبون استخدامها في أي وقت، وأيضًا نظام الشيكات السياحية والكوبونات التي يستطيع السائح صرفها واستخدامها في أي مؤسسة كفندق أو مطعم في شبكة توماس كوك في كل أنحاء إنجلترا، خلق مستر كوك سوق السياحة في إنجلترا وسيطر عليه، إلا أن هذه لم تكن سوى البداية لرجل بهذه العقلية والطموح.

بالتوازي مع هذا كانت الإمبراطورية البريطانية ترسخ مكانتها كالقوى العظمى في العالم، كانت شركة الهند الشرقية البريطانية تسيطر على الهند بالتدريج منذ مئة عام (1757) بالفعل، وكانت ثروات شبه القارة الهندية تنقل إلى بريطانيا لتتحول إلى سفن بخارية وقطارات وبارود يستخدم في استعمار وضم بلدان أخرى إلى الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وكانت مصر الهدف القادم.

إذ تمكنت الإمبراطورية البريطانية عام 1840 من إجهاض حلم محمد علي في دولة مصرية حديثة بمعاهدة لندن، وأصبحت مصر جزءًا محوريًا من مظلة النفوذ البريطاني مع وصول الخديوي إسماعيل إلى الحكم عام 1861 وبدئه في اقتراض الأموال البريطانية كالمجنون، وحتى الاحتلال البريطاني لمصر عام 1881.

فكرة الموسم السياحي على بساطتها جزء محوري من تطور السياحة ككل، إذ قسم العام إلى فترات ثابتة تتغير أسعار الرحلات وفقًا لها

كانت زيارة المستر توماس كوك الأولى لمصر عام 1869 فيما عرف بالرحلة العظمى إلى مصر والأراضي المقدسة (فلسطين المحتلة)، وكان تحت رعاية السلطات البريطانية منذ اللحظة الأولى لوصوله، السلطات التي امتلكت قوة غير محدودة في مصر نتيجة للديون المتراكمة على الخديوي، وهناك بعد أن أخذ القطار الإنجليزي الصنع من الإسكندرية إلى القاهرة، على ضفاف النيل، أدرك المستر توماس كوك أن إمبراطوريته ما زالت في بدايتها، نظر إلى النهر العتيق ورأى فيه المستقبل لا الماضي.

كانت مصر بجوها الدافئ وآثارها الملقاة في كل مكان البداية الحقيقية لما نعرفه اليوم بصناعة السياحة، وأعربت السلطات البريطانية عن دعمها التام له في حال قرر بدء نشاطه في مصر، وقد كان، إذ بدأ المستر كوك في تنفيذ أهم إسهاماته في صناعة السياحة على الإطلاق؛ الموسم السياحي والمنتجع.

كانت فكرة الموسم السياحي على بساطتها جزءًا محوريًا من تطور السياحة ككل، إذ قسم العام إلى فترات ثابتة تتغير أسعار الرحلات وفقًا لها، فالصيف على سبيل المثال شديد الحرارة في مصر، مما يجعل الموسم الشتوي فيها أعلى قيمة لدفئه، وبالتالي تتمكن الشركة من توفير رحلات بأسعار مختلفة تناسب كل طبقات الزبائن، فالغني يستطيع المجيء في الشتاء للاستمتاع بالدفء، والأقل حظًا يستطيع المجيء في الصيف ورؤية نفس الأشياء بسعر أقل.

أما المنتجع فكان النتيجة الطبيعية والعامود الرئيس لهذا النظام في نفس الوقت، وهو ببساطة مؤسسة خدمية في موقع ذي منظر جميل، منظمة لا يحتاج السائح فيها إلى مترجم ولا يجد سببًا للخروج منها، يوجد داخل هذه المنتجعات كل شيء يحتاجه السائح؛ غرفة تطل على النيل أو سفح الأهرام وطعام يناسب الذائقة الغربية وجيش من العمالة الرخيصة التي تتحدث الإنجليزية السيئة.



تذكرة أخرى والصورة الوحيدة التي تمكنت من الحصول عليها لجون ماسون كوك

ورغم كون مستر توماس صاحب النظرة الإستراتيجية في بدء السياحة في مصر، فإن المهندس الحقيقي وراء المشروع كان ابنه الوحيد مستر جون ماسون كوك، الرجل الذي عرف لاحقًا بـ"ثاني أهم رجل في مصر"، ولم يكن الرجل الأهم هو الخديوي بالمناسبة وإنما اللورد كرومر.

كما كانت الهند درة التاج البريطاني، كانت الأقصر درة تاج إمبراطورية توماس كوك

صمم جون كوك نظام السياحة في مصر على شاكلة شبكات الأنابيب، يدخل السائح الأنبوبة بمجرد ركوبه باخرة الشركة التي ستنقله من ليفربول أو مانشستر إلى الإسكندرية، وفي الإسكندرية يستقبله مندوب الشركة ليصحبه في جولة حول المدينة تنتهي بمحطة القطار، يركب السائح القطار إلى القاهرة حيث يستقبله مندوب آخر يصحبه إلى المنتجع الذي سيقيم فيه، وبعد أن ينتهي السائح من رؤية القاهرة ومعالمها بصحبة دليل من الشركة يتجه إلى واحد من موانئ الشركة على النيل ليركب باخرة ستنقله على طول النيل إلى الأقصر ثم إلى أسوان، حيث يقيم السائح في منتجعات أخرى تملكها الشركة، ولا تزال بعض هذه المنتجعات قائمًا حتى الآن كفندق الوينتر بالاس في الأقصر والكاتاراكت (الشلال) في أسوان، ولا يخرج السائح من الأنبوبة إلا عند عودته إلى الميناء البريطاني الذي غادر منه.



نموذج من تذاكر الباخرة النيلية لكوك

وكما كانت الهند درة التاج البريطاني، كانت الأقصر درة تاج إمبراطورية توماس كوك، فعلى الرغم من كون القاهرة عاصمة لبر مصر وموقعًا للأهرامات وغيره، كانت الأقصر أكثر مناسبة لنظام الأنابيب الذي أسسه جون ماسون، فالتاريخ الفرعوني يرصع كل أركان القرية الصغيرة، وأهلها فلاحون فقراء يسهل كسب ودهم بالقليل من المال، حتى إنه كان يحكي عن كسبه لود نساء الفلاحين بجلبه إبر خياطة من بريطانيا خصوصًا لهن، كما كان يفعل نفس الشيء مع الأطفال بالحلوى.

ويروي الرحالة جورج وارنجتون ستيفينز كيف اعتمدت حياة السكان المحليين في الأقصر على شركة كوك في كل أوجه حياتهم، إذ بنى جون ماسون مستشفى على أحدث طراز لخدمة الفلاحين، كما التزم بتعيين أي شاب يحاول تعلم الإنجليزية، حتى إنه كان يدعم شراء الحمير للأطفال مقابل تعهدهم بنقل السياح عليها.



إعلان عن أسطول الشركة وأسماء مراكبه

وفي القلب من كل هذا كانت شبكة النقل النهري التي بناها جون ماسون كوك، شبكة من البواخر تمكنت من تحويل نهر النيل إلى الشريان النابض لإمبراطورية كوك، إذ بدأ الأمر بحصوله على حقوق النقل النهري الحصرية في بر مصر بأمر مباشر من الخديوي إسماعيل، واستيلائه على ترسانة بولاق البحرية؛ الترسانة التي ولد فيها حلم محمد علي ببحرية مصرية إمبراطورية قوية، كما عمل بنفسه على إعادة تصميم المراكب النهرية الشراعية المعروفة بـ"الدهبيات" لتعمل بعجلة قيادة عوضًا عن الدفة التقليدية، وحصل جون على الحقوق الحصرية لنقل البريد والمهمات الرسمية للإدارة البريطانية لمصر بعد احتلالها عام 1881.

استفادت شركة توماس كوك من القوة الإمبريالية لبريطانيا في بناء أول إمبراطورية سياحية في التاريخ لأقصى حد، قبل وفي أثناء الاستعمار البريطاني لمصر، بكل الصور المادية والسياسية

وربما تكون اللحظة الأوضح لتماهي المصالح الإمبراطورية لبريطانيا مع المصالح الاقتصادية لشركة توماس كوك هي الثورة المهدية في السودان، إذ أمرت بريطانيا بتحريك جيشها المتمركز بمصر للقضاء على الثورة المهدية وإنقاذ القوة العسكرية البريطانية في السودان وقائدها الجنرال جوردون عام 1884، وتمكنت شبكة النقل النهري للشركة من نقل 6 آلاف جندي بريطاني و7 آلاف جندي مصري وقرابة 40 ألف طن من المستلزمات العسكرية إلى وادي الحلفا في غضون أسابيع.



القوات البريطانية على متن باخرة كوك أمام الشلال الأول في أسوان

استفادت شركة توماس كوك من القوة الإمبريالية لبريطانيا في بناء أول إمبراطورية سياحية في التاريخ لأقصى حد، قبل وفي أثناء الاستعمار البريطاني لمصر، بكل الصور المادية والسياسية، فحملة السودان وحدها جلبت للشركة أرباح تقدر بنصف مليون جنيه إسترليني (قرابة 60 مليون جنيه إسترليني في يومنا هذا)، كما أن الحملة فتحت النيل من أسوان حتى السودان لبواخر الشركة، وبالتالي الشواطئ المحيطة للمزيد والمزيد من المنتجعات.

وتروي قصة أخرى حكاها الرحالة جورج ستيفينز كيف تماهى الوجود البريطاني مع توماس كوك في صعيد مصر، إذ سأل الرحالة عام 1898 شيخًا لقبيلة تسكن الأقصر عن رأيه في سياسات اللورد كرومر، أجاب الشيخ بأنه لا يعرف من اللورد كرومر، فسأل الرحالة إن كان يعرف المستر جون ماسون كوك، فأجابه الشيخ بأن لا أحد في مصر لا يعرف المستر كوك.

إذًا، ما المحصلة النهائية لهذه القصة الطويلة؟ وما علاقة كل ذلك بعودة السياحة إلى مصر؟

الإجابة عن هذين السؤالين واحدة في حقيقة الأمر، وهي أن السياحة جزء لا يتجزأ من التراث الاستعماري الإمبريالي الذي نعيشه في يومنا هذا، فعند تتبع خط التاريخ على امتداده، نستطيع أن نرى كيف تتماهى جذور السياحة كصناعة عالمية مع المصالح الاستعمارية، ولا ينتهي هذا التماهي بميلاد السياحة على ضفاف النيل كفرصة سانحة للرجل الأبيض في استكشاف العالم في بلاد لا تساوي عملتها المحلية شيئًا مقابل الجنيه الإسترليني أو الدولار، بل يبدأ هناك.

هذا التماهي يمكننا من رؤية السياحة كجهد منظم لضمان اعتماد السكان المحليين في المستعمرات (التي أصبحت مستعمرات سابقة لاحقًا) على الرجل الأبيض في كسب عيشهم، فعوضًا عن عمل فلاحي الأقصر وأسوان لساعات طويلة في زراعة الأرض كأجدادهم، أو عملهم في مصانع إنتاج وطني لا توجد من الأساس، يصبح العمل كنادل في أحد منتجعات كوك أو عربجي حنطور ممن ينقلون السياح إليها عملًا أفضل، عملًا يدفع بالعملة الصعبة لا الجنيه المصري المريض، مدن ومناطق كاملة تعتمد على السياحة كمصدر الرزق الوحيد.

كان خوف هذا القطاع من منع نظام يتصدره الإخوان للخمور وطردهم للسياحة كافيًا لاختيار ممثل النظام القديم في الانتخابات

ما الذي يحدث إذًا عند غياب السياحة لسبب أو لآخر؟ ما يحدث هو آلاف العائلات التي لا تجد قوت يومها، ما يحدث هو تلك الأحصنة الجائعة التي تجر الحناطير الفارغة في الأقصر، هل تذكر انتخابات الرئاسة المصرية عام 2012 بين أحمد شفيق ومحمد مرسي؟ يمكن رؤية التوزيع الجغرافي للنتائج كدليل عما أتحدث عنه، كسب محمد مرسي في كل محافظات الصعيد باستثناء قنا والأقصر والبحر الأحمر، هل تعرف ما الذي يميز هذه المحافظات الثلاثة عن باقي الصعيد؟ أنت محق، إنه اعتمادها على السياحة وعمل قطاع كبير من سكانها بها، أغلب العاملين بمحافظة البحر الأحمر التي تضم الغردقة وغيرها من المنتجعات هم من قنا أصلًا، والأقصر هي الأقصر.

كان خوف هذا القطاع من منع نظام يتصدره الاخوان للخمور وطردهم للسياحة كافيًا لاختيار ممثل النظام القديم في الانتخابات، بشكل شخصي لا أرى أن هذا أمر يستحق اللوم، بل اختيار منطقي ينطلق من خوف هؤلاء على قوت يومهم، ما يستحق اللوم غياب اقتصاد وطني قوامه الإنتاج يستطيع أن يوفر لهم لقمة عيش كريمة لا تجبرهم على خدمة مجموعة من العجائز البريطانيات.

ما الذي تعنيه عودة السياحة إلى مصر إذًا؟

إجابتي الشخصية أنها تعني عودة كل شيء إلى ما كان عليه منذ احتل الإنجليز البلاد، عودة مصر إلى كونها باحة خلفية للقوى الاستعمارية، باحة يستطيع فقراء الأوروبيين فيها الاستمتاع بالمياه الدافئة والآثار مقابل الملاليم، أما أغنياءهم فيذهبون إلى بلاد أخرى.

عودة السياحة تعني اعتراف ضمني من الحكومات الأوروبية التي منعت مواطنيها من السفر إلى مصر بعد الثورة بأن مصر عادت إلى معرفة أن الطبيعي أن يعمل مواطنوها لخدمة وراحة ومصالح الرجل الأبيض، ليس فقط بسياسات الدولة، بل بأجساد المصريين أنفسهم.