في حال حديثنا عن الأبوّة والتربية، لا أعتقد أنّ ثمة أقوى مما قاله "نوح سالاوي"، شخصية مسلسل "The Affair" الرئيسية مخاطبًا ابنته بعد سلسلة الأحداث الصعبة التي عصفت بالعائلة: "أنْ تكون أمًا أو أبًا لهو أمرٌ صعب، أنا أعلم أننا لم نقم بهذا الدور على أكمل وجه. لكنني تعلّمت من أخطاء والديّ ووالدتكِ تعلّمت من أخطاء والديْها، تمامًا كما ستتعلمين أنتِ من أخطائنا لتكوني أفضل مع أطفالك، حتى يأتي شخصٌ ما في يومٍ ما بعد عدة سنواتٍ من الآن، ليحظى بطفولةٍ جيدة أو ربما مثالية".

مشهد من مسلسل "The Affair" لنوح سالاوي وابنته ويتني

فأغلب الأفلام التي نشاهدها هذه الأيام هي بالنهاية فرصة جيدة للحصول على دروسٍ قيّمة ومفيدة نعجز عن أخذها من حياتنا الواقعية في شتى نواحيها كالمعنى والذات والأنا والحب والعلاقات والأسرة والإنجاب والتربية وغيرها من الموضوعات المختلفة. أما الأفلام والمسلسلات التي تناولت قضايا الأبوة والأمومة والتربية فربما كانت كثيرة لا تعدّ، خاصة وأنّ على اختلاف المواضيع الأساسية لها، إلا أنها لا بدّ وأنّ تتطرّق بمشهدٍ أو بآخر وبسيناريو أو بغيره إلى تلك القضايا المهمّة التي نستطيع من خلالها التعلّم كيف نكون آباءً أفضل وأمهات أفضل مما كان عليه آباؤنا والأجيال السابقة لهم.

فيلم "الأبوّة والأمومة": اختلافات الأجيال والسعي للحفاظ على العائلة

صنعت هوليود أفلامًا عديدة عن التربية وتنشئة الأطفال والعلاقة بين الوالديْن والآباء وأساليب التربية، لكنّ فيلم "الأبوة" أو Parenthood قد يكون واحدًا من أقدم تلك الأفلام التي استطاعت تصوير مؤسسة الأسرة وصراعها مع الحياة الخارجية بأسلوبٍ واقعيّ وسرديّ ناجح.

الفيلم من إخراج "رون هاوارد" وبطولة "ستيف مارتن" و"خواكين فينيكس" وآخرين

ففي الفيلم، يحاول "جيل باكمان"، مدير المبيعات العصابي، تحقيق التوازن بين عائلته ومهنته. لكنه يكتشف فجأة أنّ ابنه الأكبر يعاني من مشاكل عاطفية ويحتاج للانتباه والعلاج، وأنّ ابنته وابنه الأصغر لسا على ما يرام أيضًا، يبدأ بإلقاء اللوم على نفسه ومساءلة نفسه حول قدراته كأب من جهة وأساليب التنشئة التي يتبعها من جهةٍ أخرى، خاصة عندما يعلم بخبر حمل زوجته بطفلهما الرابع.

من المشهد الافتتاحي نكتشف أنّ "جيل" يسعى إلى أن يكون والدًا لأطفاله بشكلٍ أفضل من الطريقة التي كان والده عليها. فيسعى جاهدًا لتزويدهم بكلّ ما يحتاجونه ويحبّونه، لكنّ الأمر يكلّفه ضغط العمل والساعات الطويلة فيه وبُعده عن أطفاله وغيابه عن تفاصيلهم اليومية، وبمجرّد ما يكتشف المشاكل النفسية التي يمرّ بها ابنه الكبير، نجده يسعى بجدّ لقضاء مزيدٍ من الوقت معه.

تريلر الفيلم

كما يُناقش الفيلم أيضًا قلق الآباء حيال أطفالهم ومستقبلهم، إضافةً للمنافسة التي يضعون انفسهم فيها بين بعضهم البعض فيما يتعلّق بأطفالهم وتفوّقهم ونجاح أساليب تنشئتهم. كما نجد الدافع لرؤية تفوّق الأطفال ونجاحهم على أنه انعكاس لنجاح والديْهم حاضرًا بقوّة بين ثنايا قصة الفيلم، حيث أنّ الآباء فيه يرون أنّ "فشل" أطفالهم سيشكّل "وصمة عارٍ" لهم في محيطهم الاجتماعيّ والعمليّ.

يُناقش الفيلم قلق الآباء حيال أطفالهم ومستقبلهم، إضافةً للمنافسة التي يضعون انفسهم فيها بين بعضهم البعض فيما يتعلّق بأطفالهم وتفوّقهم ونجاح أساليب تنشئتهم.

وتمتدّ الصراعات داخل الفيلم لتتناول فروقات واختلافات الأجيال بين الآباء والأمهات من جة وأطفالهم من جهةٍ أخرى. الأمر الذي لطالما كان موجودًا على مدى العصور المختلفة. لذلك لا عجب وأنْ استند المسلسل التلفزيوني، الذي حمل الاسم نفسه أيضًا وتم إنتاجه عام 2010، بشكل فضفاض على الفيلم نفسه، إذ تتمحور قصته حول عائلة متعددة الأجيال تختبر مراحل مختلفة من الأبوّة والأمومة، مع وجود الأفكار المتضاربة والمختلفة حول أفضل طريقة أو أسلوب لتربية الأطفال في عصرٍ توسّعت فيه الفجوة بين جيل الآباء والأمهات وجيل الأطفال بشكلٍ عميقٍ وكبير، قد يصعب السيطرة عليه في أغلب الأحيان.

تريلر الموسم الأول من مسلسل "الأبوّة والأمومة"

قد يكون أكثر ما يميّز المسلسل أيضًا هو تركيزه على محاولة نجاة هذه العائلة معًا كعائلة على اختلاف أجيالها وأفكارهم وطرق تعاملهم مع الحياة، إضافةً لتركيزه على النسيج الداخليّ لهذه العائلة في وقتٍ تقلّص فيه مفهوم العائلة عند الأفراد وانتشرت الفردانية والأفكار الداعية للتحرّر من مفاهيم الأسرة والزواج والإنجاب وما إلى ذلك. إضافةً إلى تناوله قضية إصابة أحد الأطفال بأحد أنواع التوحّد، أو ما يُعرف بمتلازمة أسبرجر، وكيفية تأثير ذلك على الحياة اليومية، إضافةً لتسليط الضوء على السلوكيات والمشاعر التي يُساء فهمها في كثير من الأحيان حول الأشخاص المصابين بالتوحد.

أنْ تقتلَ طائرًا بريئًا: القدوة الحسنة والاستفادة من حكمة الحياة

لعلّ رواية " To Kill a Mockingbird" التي تحوّلت إلى فيلمٍ فيما بعد، تشتهر أكثر ما تشتهر لتركيزها على موضوعات مثل العنصرية والتسامح وقضايا الطبقية والجريمة وغيرها من القضايا التي كانت تنتشر في الولايات المتحدة الأمريكية في أوائل القرن الماضي. لكنّها، والفيلم أيضًا، وسيلةً جيدة يمكن أنْ تقدّم دروسًا قيّمة في الأبوّة والتربية والتنشئة القائمة على الحكمة والاستفادة من دروس الحياة والواقع.

تريلر فيلم "أنْ تقتل طائرًا محاكيًا"

فالأب "أتيكوس فينتش، والد الطفلين سكاوت وجيم، على خلاف الآباء الآخرين في ثلاثينات القرن الماضي، هو والدٌ متحضّر، هادئ وودود مع الجميع، ويمنح أطفاله أجوبة صادقة على الأسئلة الصعبة. والأهم من ذلك، في حال حديثنا عن فلسفة الأبوة والأمومة في الفيلم، فهو يأتي بالسلوك الذي يريد أن يراه في أطفاله.

يبيّن الفيلم لنا كمْ من المهمّ أنْ يثق الأب بقدرات أطفاله ويتيح لهم الفرصة لاختبار خياراتهم وقراراتهم في الحياة في ظلّ مراقبته ورعايته متى ما استلزم الأمر

ولعلّ أهم الدروس القيّمة التي يقدّمها الفيلم في التنشئة هي البحث عن القيم الجيدة في المجتمع والعيش لأجلها؛ وقد تجلّى ذلك حينما دافع "أتيكوس" عن ذلك الرجل الأسود المتهم باغتصاب امرأة بيضاء، شارحًا لأطفاله أنّ اتباع الضمير وجعله الدليل لهو شيء مهمّ في الحياة. كما يبيّن الفيلم لنا كمْ من المهمّ أنْ يثق الأب بقدرات أطفاله ويتيح لهم الفرصة لاختبار خياراتهم وقراراتهم في الحياة في ظلّ مراقبته ورعايته متى ما استلزم الأمر، فهو  يزودهم بمشورته الحكيمة حتى يتمكنوا من اتخاذ قرارات أفضل في حياتهم اليومية وتطوير شخصياتهم.

الفيلم من إخراج "روبرت موليغان" وبطولة "غريغوري بيك"

وعلى عكس الآباء الآخرين، فإنه لا يضغط على أطفاله لمناداته بكلمة "أبي"، فهو يسمح لهم بمناداته باسمه وكأنه صديقٌ لهم، ما يتيح انفتاحًا أكبر في علاقتهم وقربًا أكثر، وهذا واضح في طريقة مناقشتهم معه أفكارهم وشؤونهم الشخصية. فأتيكوس بالنهاية يريد أن ينمو أطفاله ليكونوا نبيلين وحكماء وعقلانيين بعيدًا عن المشاعر السيئة الكامنة في المجتمع آنذاك من حقد وضغينة وتفرقة عنصرية.

بنات غيلمور: درس في أساليب التربية

بلغته السهلة والساخرة، يركّز مسلسل "Gilmore Girls" بمواسمه السبعة، على العلاقة، التي ترتكز على نوعٍ من الصداقة، بين الأم وابنتها المراهقة. وبغضّ النظر عن تقييم المسلسل دراميًّا وإخراجيًا، فقد يكون أفضل ما فيه أنه حاول إظهار العديد أساليب التنشئة والتربية الأربعة التي يصنّفها علم النفس.

تريلر مسلسل Gilmore Girls

فتارةً ما تجد التربية المتساهلة، والتي تسمى أيضًا المتسامحة أو غير التوجيهية أو التحررية، وهي أسلوب التربية الذي يكون فيه المربي متساهلًا بشكل كبير مع أطفاله ولا يتوانى في إظهار هذا لهم وعلاقته معهم عاطفية ويقدم لهم رعاية عالية الجودة، ولكن الأطفال الذين ينشئون في كنف هذا النمط المتساهل يفتقدون إلى الكثير من الانضباط والتهذيب نظرًا لأنّ الآباء لا يطلبون من الأطفال تنظيم أنفسهم أو التصرف بشكل مناسب.

قد يكون أفضل ما في المسلسل أنه حاول إظهار العديد أساليب التنشئة والتربية الأربعة التي يصنّفها علم النفس.

وتارةً أخرى نشاهد التربية الاستبدادية أو السلطوية، وهي أسلوب تقييدي شديد العقوبة يقوم فيه الوالدان بإبقاء أولادهما في حالة تبعية للتوجيهات الأبوية مع القليل من التفسير أو التغذية المرتجعة أو التركيز على تصور الطفل والأسرة، ويعد العقاب البدني والصراخ إحدى طرق التنشئة المتبعة، ويكون الهدف منها تعليم الطفل التصرّف أمام المجتمع المحيط به.

لوري غيلمور وابنتها روري في مسلسل "بنات غيلمور"

وعلى جانبٍ آخر، يركّز المسلسل على بعض النصائح الجيدة في تربية الأطفال والتعامل معهم، لا سيّما المراهقين، مثل مصادقتهم والحوار والحديث معهم، مشاركتهم بعض التفاصيل اليومية والفعاليات الممتعة وقضاء الأوقات معهم، وحلّ المشاكل الشخصية بطريقة لا تؤثر أو تنعكس عليهم، الاعتراف بالخطأ في حال وقوعه والاعتذار عنه، واحترام الطفل ككيان خاص بكلّ ما فيه وما يخضع له من تغيير في الأفكار والتصرفات والسلوكيات واختلاف في الشخصية.

وكما أسلفنا في المقدمة، فلا ينبغي أنْ يكون أبطال المسلسل أو الفيلم آباءً وأمهاتٍ أو أن تكون العائلة والأسرة والتربية مواضيعه الرئيسية والأساسية، فالكثير من الأفلام والمسلسلات نستطيع أنْ نستشفّ منها دروسًا في التربية والأبوّة والتعامل مع الأطفال بغض النظر عن مواضيعها، فهي بالنهاية فرصة مناسبة لمدّنا بالقصص التي يمكن أنْ تثري حياتنا وتزودنا بالمعرفة والحكمة وتدلنا أو تقربنا من الأسئلة التي نبحث عن إجاباتها في شتى المجالات. 

وبالنهاية، فكلّ تلك الأفلام والمسلسلات تحمل رسالةً واضحة وصريحة مفادها أنّنا لا نختلف كثيرًا عن الآخرين المحيطين بنا في هذا العالم، وأنّ تحدياتنا ومشكلاتنا وصراعاتنا الداخلية والخارجية قد تكون مألوفةً بدرجة أو بأخرى مع تلك التي للآخرين، بما في ذلك تحديات الأبوة والأمومة والتربية والإنجاب والزواج والعائلة وما إلى ذلك. جرّب أنْ تشاهد أحد الأفلام والمسلسلات التي تحدثنا عنها لترى كم تتشابه فعلًا مع تجربتك كأبٍ أو كأم، واسأل نفسك، على اختلاف السياقات والثقافات، كيف يمكن أنت أن تستفيد منها.