قضت عهد التميمي 8 أشهر في سجون الاحتلال قبل إطلاق سراحها يوم الأحد الماضي

قبل عامين من الآن وتحديدًا في شهر أبريل/نيسان خرجت أصغر أسيرة في سجون الاحتلال الطفلة "ديما الواوي" التي كان قد اعتقلها الاحتلال الإسرائيلي بتهمة طعن إسرائيليين قرب محافظة الخليل، ونظراتها مليئة بالخوف والرعب، وحينما استقبلتها كاميرات وسائل الإعلام حين خروجها من المعتقل بعد مضي أكثر من شهرين ونصف، لم تستطع الطفلة الرد على أسئلتهم، واكتفت بنظرات مترددة وخائفة وتركت والديها يجيبون عنها.

اتضح من صور ديما التي انتشرت بين وسائل الإعلام وعلى منصات التواصل الاجتماعي تعرضها لاضطراب ما بعد الصدمة، وهو ما سلط الضوء على قضيتها وقضية مئات الأطفال المعتقلين في السجون الإسرائيلية دون تهم واضحة أو حقيقية، وعلى الرغم من مرور أكثر من عامين على واقعة اعتقال ديما الواوي، فإنها عادت إلى منصات التواصل الاجتماعي من جديد خلال الأيام القليلة الماضية، واستخدمها كثير من النشطاء الفلسطينيين منهم وغير الفلسطينيين للمقارنة بين حالة ديما الواوي وحالة عهد التميمي، كانت الأولى تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة أما الثانية فكانت جريئة وقوية ومقبلة على الحياة أكثر.

انتشرت صور وأخبار المعتقلة الفلسطينية عهد التميمي بشكل فيروسي على كل منصات التواصل الاجتماعي وجذبت اهتمامًا دوليًا بقضية اعتقال الأطفال القصر في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وانتشرت أخبارها أكثر وأكثر مع صور الإفراج عنها يوم الأحد الماضي وعودتها سالمة إلى أهلها وسط استقبال إعلامي ضخم من كثير من وسائل الإعلام المحلية والدولية، لتخرج الأخيرة في خطاب لها يبعث الأمل في النفوس، مطمئنة العالم على أنها أقوى من ذي قبل، وأكثر إقبالًا على الحياة قبل تعرضها لاعتقال دام شهورًا عديدة في السجون الإسرائيلية، وأن اعتقالها لن يمنعها من استمرارها في المقاومة التي بدأتها منذ كانت طفلة صغيرة.

 

بينما كانت عهد تأمل في حياة أكثر جرأة وحافلة بالمقاومة بعد الخروج من المعتقل، كان هناك على الجانب الآخر من يدعوها بالعميلة، حيث افترض الكثير من النشطاء العرب ومستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي أن حالة عهد "الجيدة" التي خرجت بها من المعتقل تشير إلى معاملة حسنة في السجون الإسرائيلية، حيث وصفها البعض بأنها خرجت دون "جرح أو كسر" لأنها مُجندة إسرائيلية استغلها الكيان الصهيوني كوسيلة من وسائل البروباجندا الإسرائيلية.

هل جعلت عهد سجون الاحتلال تبدو أكثر رحمة؟

لحظة إطلاق سراح عهد التميمي يوم الأحد الماضي

لماذا ثارت كل هذه الضجة بشأن قضية عهد التميمي؟ ولماذا اتُهمت بالخيانة والعمالة من أولاد بلادها أنفسهم؟ ولماذا صارت الفتاة ذات الـ18 عامًا ضحية للاحتلال وضحية لأبناء الوطن وضحية للقضية الفلسطينية أيضًا؟ علينا أن نتفق أننا لا نسمع عن كل الأسرى ولا كل الشهداء، ولا نسمع عن كل القصص البطولية للمقاومة الفلسطينية، لقد سمعنا عن المسعفة الميدانية الشهيدة رزان النجار ولكننا لم نسمع عن غيرها من كثير ممن استشهدوا في غزة، وسمعنا عن الثائر الشهيد باسل الأعرج ولكن هناك الكثير مثله لم يثيروا الضجة ذاتها في الإعلام، إلا أن الأمر كان مختلفًا قليلًا مع عهد التميمي التي جعلت، دون قصد منها، سجون الاحتلال تبدو أكثر رحمة من ذي قبل!

خرج محاضر إسرائيلي من جامعة بار إيلان متحدثًا عن عهد التميمي على قناة البي بي سي العربية، وعقد مقارنة غريبة من نوعها بين جنود الاحتلال والجيوش العربية والأنظمة العربية، حيث قال إنه لو كانت عهد التميمي في مصر أو سوريا لما تردد الجندي في إطلاق النار عليها فورًا وقتلها بدلًا من اعتقالها، وحينما واجهته المذيعة بأننا قد رأينا جيش الاحتلال يطلق النار من قبل على مُقعدين وليس فقط على أطفال، أجابها بـ"تحية للجندي الإسرائيلي الذي ضبط نفسه أمام عهد التميمي ومنع نفسه من قتلها".

https://twitter.com/yasserashour95/status/1023854325439836160?s=21

محاضر صهيوني يقارن بين الجيوش العربية وجيش الاحتلال

على الرغم من أنه لا يوجد أي منطق في مقارنة جيش احتلال ومستعمر للأراضي الفلسطينية المحتلة بأنظمة عربية مستبدة كانت قد اشتركت مع الجيش الصهيوني في أساليب القهر والتعذيب للمعتقلين، فإن ذلك المحاضر الإسرائيلي لم يكن الوحيد المتحيز لجيش بلاده الذي يحاول إظهار إجرامه في صورة شرعية ومُقننة، بل حاز الجيش الصهيوني بإعجاب كثير من العرب أيضًا بشكل غير مبرر، إذ قارنوا هم أيضًا بينه وبين الجيوش العربية، واتخذوا من عهد التميمي مثالًا واضحًا للشكل الذي تكون عليه ضحية جيش الاحتلال والشكل الذي تكون عليه ضحية نظام الأسد مثلًا.

تحدث "نون بوست" إلى الناشط الفلسطيني "ياسر عاشور" وسألناه عن رأيه في قضية الفلسطينية عهد التميمي التي خدمت بشكل غير مباشر الصورة الكاذبة التي يود الكيان الصهيوني ترويجها دوليًا عن عدالة ورحمة جيش الاحتلال مقارنة بالأنظمة العربية المستبدة التي يخرج معتقلوها باضطرابات نفسية قد تدفعهم للانتحار أو التطرف.

أجاب ياسر عاشور في حديثه مع نون بوست أن الأمر يجب النظر إليه من خلال 3 نقاط رئيسية، الأولى هي أننا يجب أن نتفق على أن الاحتلال سوف يستغل أي وسيلة تساعده في تبرير جرائمه وانتهاكاته في حق الفلسطينيين من خلال الإعلام الغربي والعربي أيضًا، لكي يروج عن نفسه صورة الكيان "الأفضل في المنطقة" والأكثر عدلًا وديمقراطية من الأنظمة العربية المجاورة، وأن ضحايا تلك الأنظمة يتمنون أن يكونوا في سجون إسرائيلية ليتلقوا المعاملة الحسنة التي يروج الاحتلال الصهيوني لها في كل مكان.

المفاضلة في الإجرام محاولة فاشلة لأنسنة المجرم

https://twitter.com/mariambarghouti/status/1023557369874325504?s=12

عهد التميمي تأكل المثلجات بعد إطلاق سراحها بعد 8 أشهر من الاعتقال في السجون الإسرائيلية

النقطة الثانية كما شرحها لنا الناشط الفلسطيني ياسر عاشور هي عدم منطقية إثبات إجرام كيان ما أو شخص ما بمقارنته بمجرم آخر، وبالتالي لا يمكن أيضًا المفاضلة بين الأنظمة في الإجرام لأن ذلك سيجعلنا، دون وعي منا، نحاول إيجاد أنسنة غير حقيقية في المجرم الآخر الموجود في أحد طرفي المقارنة، ولهذا فإن نظام الأسد مجرم والكيان الصهيوني مجرم ولا داعي للمفاضلة في الإجرام.

"من يقرأ مجازر التاريخ يجد آلاف الطرق وأدوات التعذيب التي استخدمت ضد الناس وفي السجون، الكثير منها لم يستخدمه الأسد إلى الآن، هل من المنطق أن أقارن ذلك وأقول إن الأسد على كل جرائمه لم يفعل ذلك بعد؟ ولهذا هو أكثر إنسانية من أنظمة غيره؟

النقطة الثالثة والأهم خروج عهد التميمي دون كسر أو جرح لا يعني أبدًا أن الكيان الصهيوني كيانًا عادلًا وأكثر رحمة من الأنظمة العربية، لقد حفل التاريخ بجرائم الاحتلال داخل السجون ضد الأسرى، بل هناك المئات ممن ماتوا تحت التعذيب أو بسبب أساليب القهر الأخرى، كما توجد حالات كثيرة مجبرة على العزل الانفرادي لعشرات السنين داخل السجون الإسرائيلية.

https://twitter.com/tarekhamoud/status/1023673379667279873?s=12

وقع الكثير من العرب ممن عقدوا المقارنة بين النظامين في فخ إحدى أبشع الظواهر التي يشهدها العصر الحديث التي برع الاحتلال الإسرائيلي في استغلالها لسنوات طويلة، وهي القدرة على الإقناع بشرعية الإجرام من خلال القدرة على الترويج لنفسه بأنه "مجرم متحضر" طبقًا لما نشره رئيس مركز "العودة" الفلسطيني طارق حمود على حسابه الرسمي على تويتر.

لا تعتبر عهد التميمي التي خاضت هي وأسرتها نضالًا مستمرًا في المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2011 مذنبة فيما حدث من ضجة إعلامية جعلت منها ضحية من المحتل ومن أصحاب الأرض أيضًا، ولا يمكن لصورة لها وهي تتناول المثلجات بعد إطلاق سراحها أن تُنسينا العقلية الإجرامية التي يتبعها الكيان الصهيوني لتشريع وجوده على الأرض، حيث يكون له أسباب مختلفة جذريًا عن الأسباب التي تتبعها الأنظمة العربية المستبدة، فلكل منهم هواجس مختلفة جدًا عن الآخر، ولا تحتاج القضية الفلسطينية من الأساس أن توضح أن الاحتلال هو أكثر نظام إجرامي في المنطقة وأكثر إجرامًا من غيره لكي تثبت موقفها من القضية وأحقية الأرض.

يأتي الدليل على ذلك من خلال ما نشره المتحدث الرسمي باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي باللغة العربية أفيخاي أدرعي الذي استفاد من كل ما غرده العرب عن مقارنتهم بين السجون الإسرائيلية والسجون العربية في الأنظمة المستبدة كسجون بشار الأسد، حيث جمعها في مقطع قصير على حسابه الرسمي على تويتر وأكد أن "إسرائيل" أكثر رحمة من النظم العربية المجاورة في المنطقة، ردًا على تغريدة الصحفي السوري موسى العمر التي وصفت اعتقال عهد التميمي كما لو أنه "رحلة مدرسية". 

كما بيّن الصحفي السوري "أحمد أبوالخير" لنون بوست أن الغرض من المقارنة التي قام بها كثير من النشطاء والصحفيين السوريين لم تكن من أجل تبرئة "إسرائيل" بقدر ما هي نوع من إدانة نظام الأسد، كمحاولة لجرّ مؤيدي الأسد بعيداً عن سردياتهم التقليدية حول المقاومة والممانعة، إذ أكد "أبوالخير" أن كلا الطرفين في سوريا يستخدمون القضية الفلسطينية بشكل ما، فالنظام يستغلها محاولًا أن يبني عليها شرعيته، حيث يجد تأييدًا لذلك بسبب "حمايته ودعمه للمقاومة"، بينما تجد المعارضة أنه لم يكن هناك أي إطلاق نار من النظام الأسدي تجاه "إسرائيل"، ولهذا يجد الصحفي السوري أن المقارنة أساسها استغلال فلسطين لإدانة الطرف الآخر وليس من أجل تبرئة الكيان الصهيوني. 

قد يكون دوافع من حاولوا المقارنة بين الاحتلال الإسرائيلي والأنظمة العربية المستبدة هو إظهار "العداء الزائف" للكيان الصهيوني من تلك الأنظمة، إلا أنهم بقصد أو من دون قصد استطاعوا مساعدة الاحتلال نفسه على الترويج لصورة زائفة عن كونه أفضل من كثير من الأنظمة العربية، وأن مقاومة الشعب الفلسطيني تجاهه غير عادلة، وأنه لا يأذي كما يتم تصويره في المحافل الدولية، ضاربًا بعرض الحائط كل المجازر الجماعية التي سجلها التاريخ للصهاينة منذ وجودهم على الأرض المحتلة.