أحذية وألعاب مجموعة من الأطفال التي وضعت أمام باب مركز احتجاز المهاجرين القصر في تورنيلو، بتكساس، في حركة احتجاجية على الانتهاكات التي تحدث ضدهم. صورة التقطت يوم 21 تموز/ يونيو سنة 2018.

ترجمة وتحرير: نون بوست

منذ سنوات، ساهمت العديد من العوامل، على غرار وجود موظفين غير مؤهلين، في غالبهم، في مراكز أطفال المهاجرين، فضلا عن غياب المراقبة، ووجود سلسلة من القوانين غير الملائمة؛ في تشكيل عاصفة مثالية من الانتهاكات ضد القصر المحتجزين في مراكز أطفال المهاجرين في الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى هذا النحو، تحولت هذه المراكز إلى مسرح مثالي لعدد من حالات الانتهاك الجنسي. وقد كشفت العديد من الأبحاث عن عشرات حالات الاعتداء الجنسي، التي حدث بعضها ضد ضحايا تبلغ أعمارهم الست سنوات.

بهذا الشكل، اكتسبت سياسة "عدم التسامح المطلق مع المهاجرين" التي يتبعها البيت الأبيض بعدا جديدا؛ خاصة عند أخذ هذه الدلائل بعين الاعتبار. وتعتمد هذه السياسة تحديدا على زيادة عدد المعتقلين في هذه المراكز، التي لا تعزز في غالبها بعدد كاف من الموظفين أو تعتمد على المعايير الملائمة لرعاية الأطفال. وفي حقيقة الأمر تعد هذه المراكز عبارة عن ملاجئ أعلنت الحكومة الأمريكية أنها آمنة لا غير.   

في هذا الصدد، تمكن موقع بروبوبليكا الإخباري غير الهادف إلى الربح من الحصول على حوالي ألف صفحة تتضمن تقارير أمنية وملاحظات من حوالي 70 مركزا، من أصل 100، تديره وزارة الصحة والخدمات الإنسانية أو متعاقدا معها. وتأوي هذه المراكز حوالي 10 آلاف قاصر. ومن بين حالات الاعتداء الجنسي ضد القصر، توجد حالات تعود إلى سنة 2014. وقد حدث بعض هذه الانتهاكات في مركز إدارة بيوت الشباب القصر، التابع لمنظمة ساوث ويست كي، الموجود في توكسون، بأريزونا.

توثق التقارير التي حصل عليها الموقع الأمريكي حوالي 125 مكالمة تلقى فيها رجال الشرطة تنديدا بحالات الاعتداء الجنسي في مراكز أطفال المهاجرين في الولايات المتحدة الأمريكية

خلال سنة 2015، تعرض مراهق من هندوراس، البالغ من العمر 15 سنة، إلى الاعتداء الجنسي من قبل أحد العاملين البالغ من العمر 46 سنة، الذي يدعى أوسكار تروجيلو. وقد اعترف القاصر إلى أخصائي نفسي بأن أوسكار تروجيلو كان يقوله له قبل الاعتداء عليه: "أنا أعرف ما تريده، يمكنني أن أقدم لك ما تحتاجه". ومن جهته، نقل الأخصائي النفسي هذه التصريحات إلى الشرطة، مما أدى إلى طرده من العمل بتهمة الاعتداء الجنسي.

بعد سنتين من هذه الحادثة، تعرض قاصر آخر إلى الاعتداء الجنسي خلال أكثر من مناسبة على يد موظف آخر في هذا المركز الذي يأوي أطفال المهاجرين. وخلال بداية هذه السنة، تم التنديد بحالة أخرى، في نفس الوقت الذي نددت فيه العديد من العاملات في المركز بتصرفات أحد زملائهم غير اللائقة وبشكل مستمر.

بشكل عام، توثق التقارير التي حصل عليها الموقع الأمريكي حوالي 125 مكالمة تلقى فيها رجال الشرطة تنديدا بحالات الاعتداء الجنسي في مراكز أطفال المهاجرين في الولايات المتحدة الأمريكية. كما توثق هذه التقارير حوالي 200 مكالمة أخرى من مراكز تأوي أطفال من دون وثائق وآخرين أمريكيين، للتنديد بالاعتداءات ضدهم. وفي واقع الأمر، يختفي وراء هذه الحالات التي تم الإبلاغ عنها العديد من الحالات الأخرى التي لم تخرج إلى النور. وقد أكد الأخصائيون النفسيون الذين يعالجون القصر الذين تعرضوا لحالات الاعتداء الجنسي، أن العدد الحقيقي يمكن أن يكون أكبر بكثير؛ إذ يخشى الضحايا القصر أن تتدهور الأوضاع القانونية لعائلاتهم جراء تنديداتهم.  



قصر من المهاجرين في مراكز احتجاز في مركز تورنيو لاحتجاز القصر بتكساس

ضحايا لا يتجاوزون سن السادسة

صرحت الأخصائية في علم النفس السريري نايلي شافيز دويناس، والمشاركة في وضع معايير لرعاية الأطفال في هذه الملاجئ ضمن إحدى المبادرات، لموقع بروبوبليكا الإخباري أن "المنحرف يسعى دائما إلى اختيار ضحيته، وعادة ما يتم اختيار شخص يحتمل أنه لن يبلغ عن حالات الاعتداء الجنسي خلافا لغيره". ووفقا للأخصائية النفسية، تتمثل العوامل التي تجعل هؤلاء القصر في وضع هش للغاية، في أنهم "من الأجانب، ولا يملكون وضعا قانونيا في البلاد، ولا يتحدثون اللغة الإنجليزية، كما أنهم ليسوا على اتصال بمحامين أو أشخاص قادرين على حمايتهم".

تعليقا على الانتهاكات التي تحدث في مراكز إيواء أطفال المهاجرين، أوردت ليزا فورتونا، مديرة قسم طب نفس الأطفال والمراهقين في مركز بوسطن الطبي، العبارات التالية: "في حال كنت من "المفترسين" الجنسيين، فإن هذه المراكز بمثابة منجم ذهب بالنسبة لك". وأضافت: "في هذه المراكز، تملك الحق الكامل للوصول إلى القصر الذين وقعوا في السابق ضحية للاعتداء الجنسي".  

من جانب آخر، تم الحديث عن آخر حالات الاعتداء الجنسي في صحيفة "ذا نايشن"، الذي وثق حالة اعتداء كانت ضحيتها طفلة تبلغ من العمر ست سنوات، تم الإشارة لها فقط بالأحرف الأولى من اسمها (دي أل). وتعود جذور قصة الاعتداء على الفتاة القاصر إلى نهاية شهر أيار/ مايو الماضي، عندما ظهرت والدتها في ال باسو بتكساس، تحمل وثائق تثبت أنها فرت رفقة ابنتها من عنف الشوارع في غواتيمالا.

حول حادثة الاعتداء الجنسي، قالت والدة القاصر في تصريح لها لصحيفة ذا نايشن: "لقد شعرت بالرعب، كما أنني لم أتمكن من مساعدة ابنتي لأنه قد تم فصلها عنّي"

في وقت لاحق، قامت السلطات باعتقال والدة الفتاة، وتم فصلها عن ابنتها التي تم إرسالها إلى أحد مراكز ساوث ويست كي في أريزونا. وفي هذا المكان تحديدا، تعرضت (دي أل) إلى الاعتداء جنسيا من قبل أحد القصر المحتجزين في هذا المركز. وبعد هذه الحادثة، جعلت إدارة المركز الفتاة توقع على وثيقة وردت فيها توصيات لفتاة بالبقاء على مسافة من المعتدي المحتمل كما تم التأكيد فيها على أنه قد تم مد الضحية "بالتوجيه النفسي". وفي وقت لاحق، تم إعلام والد الفتاة، وهو مهاجر من دون وثائق إقامة في كاليفورنيا، وأيضا والدتها المحتجزة في مركز آخر في تكساس.

حول حادثة الاعتداء الجنسي، قالت والدة القاصر في تصريح لها لصحيفة ذا نايشن: "لقد شعرت بالرعب، كما أنني لم أتمكن من مساعدة ابنتي لأنه قد تم فصلها عنّي. علاوة على ذلك، كانت الحادثة بمثابة الكابوس بالنسبة لي. وعندما أخبرني زوجي بما حدث لطفلتنا، شعرت بالعجز؛ فابنتي صغيرة ومن الممكن أنها قد شعرت بالخوف الشديد". من جهة أخرى، لم تنته معاناة الفتاة القاصر عند هذا الحد، إذ تعرضت للاعتداء والضرب مجددا. وبفضل المجهودات المبذولة في الغرض، إلى جانب الأمر القضائي الذي يقضي بلم شمل العائلات، تمكنت الفتاة الصغيرة من العودة للعيش مع والديها مجددا.   



عملية نقل مجموعة من الأطفال المهاجرين الذين تم فصلهم عن آبائهم ليتم احتجازهم في مركز للعناية بالقصر في نيويورك.

في نفس الوقت، شهدت منظمات أخرى غير ربحية تعمل على استقبال القصر المهاجرين، حالات اعتداء مماثلة. وعلى سبيل المثال، حُكم على إحدى الموظفات في مركز في هومستيد بولاية فلوريدا بالسجن لمدة 10 سنوات، بتهمة إرسال صور عارية إلى أحد القصر في المركز البالغ من العمر 15 سنة وطلب ممارسة الجنس معه. وفي مركز في فوليرتون بولاية كاليفورنيا، تمت محاكمة المدير بسبب الاعتداء جنسيا على العديد من القصر.

عموما، تتمثل إحدى المشاكل في نسق تدفق القصر المهاجرين على هذه المراكز، المتذبذب بين الشهر والآخر. ويجعل هذا العامل المشرفين على المراكز يتعاقدون مع موظفين جدد ويتخلون عن البعض الآخر بحسب الحاجة؛ مما يجعل من الصعب تكوين مجموعة من الموظفين ذوي الخبرة في هذه المراكز، الذين من شأنه أن يضمن نسق عمل مستقر وخاضع للمراقبة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن المنظمة غير الحكومية ساوث ويست كي، التي تتكفل باستقبال حوالي 1500 قاصر في مراكز أريزونا، وتكساس، وكاليفورنيا؛ قامت بالتخلي عن حوالي ألف عامل خلال الربيع الماضي. وقد جاءت هذه الخطوة مباشرة بعد إعلان ترامب عن سياسة "عدم التسامح المطلق مع المهاجرين". وعلل ترامب سياسته بوصفه للبالغين المهاجرين غير الشرعيين بالمجرمين. لكن، أدى القبض على المهاجرين غير الشرعيين وفصلهم عن أبنائهم إلى زيادة عدد القصر القادمين إلى مراكز إيواء القصر. تبعا لذلك، اضطرت ساوث ويست كي إلى التعاقد بشكل عاجل مع موظفين آخرين.

منذ شهر نيسان/ أبريل الماضي، تم فصل حوالي ثلاثة آلاف قاصر عن آبائهم، بسبب تغيير سياسة الهجرة

في هذا الصدد، أشارت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية، التي استجوبتها بعض وسائل الإعلام، إلى أنها "تحرص دائما على سلامة ومصلحة كل طفل. كما أن هؤلاء الأطفال ضعفاء وفي ظروف صعبة،  وتتحمل الإدارة مسؤوليتها تجاه كل طفل وتضمن له أكبر قدر من العناية".

في حقيقة الأمر، يعد غالبية القصر المحتجزين منذ سنة 2014 من غير المرافقين بأوليائهم. ومنذ شهر نيسان/ أبريل الماضي، تم فصل حوالي ثلاثة آلاف قاصر عن آبائهم، بسبب تغيير سياسة الهجرة. وفي تموز/ يونيو الماضي، أمر أحد القضاة بإعادة شمل العائلات. لكن، سجل عدم تغيير وضع 700 قاصر، الذين ظلوا منفصلين عن آبائهم لأسباب مختلفة؛ إما لأنه قد تم ترحيل مرافقيهم أو لاعتبار أنهم غير قادرين على العناية بهؤلاء القصر. من جهة أخرى، تسببت عدم القدرة على إدارة مراكز أطفال المهاجرين بنسق مستقر في جعل فترة احتجاز القصر أطول، إذ أصبحت في حدود 57 يوما بعد أن كانت في حدود 34 يوم.

في واقع الأمر، تعد هذه هي المرة الأولى التي تخرج فيها مثل هذه التقارير إلى النور، التي ساهمت في تأجيج الجدل حول سياسة الهجرة الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى وجه الخصوص، تنفي حالات الاعتداء ضد القصر الضمانات التي أعلنت إدارة ترامب عن الالتزام بها والتي أكدت أن هذه المراكز آمنة بالنسبة للقصر المحتجزين. إضافة إلى ما سبق ذكره، تجدر الإشارة إلى أن أعضاء الكونغرس المكلفين بمناقشة سياسة الهجرة لم تكن لديهم الفرصة للإطلاع على تفاصيل حياة القصر المهاجرين في هذه المراكز، التي يمكن أن تتحول إلى جحيم بالنسبة لهم.  

المصدر: الكونفدنسيال الإسبانية