ترجمة وتحرير: نون بوست

اتجهت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا نحو فرض المزيد من العقوبات على تركيا. ووفقا للخبير ورئيس البرنامج السياسي بمركز دراسة تركيا المعاصرة، يوري مافاشيف، قد يمنح تدهور العلاقات التركية الأمريكية روسيا فرصا إضافية لمزيد تعزيز مكانتها في الشرق الأوسط خاصة، وعلى الساحة الدولية بشكل عام. لكن هل ستكون موسكو قادرة على الاستفادة من هذه الفرصة فعلا؟

حسب ما أكده مافاشيف على صفحته على فيسبوك فإن "العقوبات الأمريكية المفروضة ضد تركيا قد تتالت خلال بضع ساعات فقط. ومؤخرا، تم فرض عقوبات جديدة على وزيري العدل والداخلية على خلفية قضية القس الأمريكي أندرو برونسون. كما اتفق أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي على منع تسليم المقاتلات الأمريكية إف-35 لتركيا".

وفقا لهذا الخبير، مثلت هذه الإجراءات ضربة قوية للعلاقات الثنائية الأمريكية التركية، وما يزيد من تفاقم الأزمة تبادل التهم والتهديدات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان. كما تعتبر هذه العقوبات ضربة حقيقية لشخصية الرئيس أردوغان، نظرا لأن تركيا تتعرض للمساومة وقد لا يكون المجتمع التركي قادرا على مجابهة الوضع بعد تأزم الشراكة مع الحليف الإستراتيجي الأمريكي.

بين الخبير العسكري ألكسي ليونكوف أن "روسيا لا تعتمد على سياسة سحب خصومها إلى جبهتها عنوة، وإنما هم من يلجؤون إليها باختيارهم"

شهدت العلاقات الروسية التركية أزمة حرجة، بعد حادثة سقوط الطائرة الروسية سنة 2015، لكن سرعان ما تحول الخلاف إلى علاقة تعاون. فإلى أي مدى سيزداد التوتر بين تركيا والولايات المتحدة؟ وكيف يمكن لروسيا الاستفادة من الوضع الحالي؟

حيال هذا الشأن، بين الخبير العسكري ألكسي ليونكوف أن "روسيا لا تعتمد على سياسة سحب خصومها إلى جبهتها عنوة، وإنما هم من يلجؤون إليها باختيارهم. فعلى سبيل المثال، كانت العلاقات بين بولندا وروسيا متوترة، لكن بعد الحرب العالمية الثانية ونتيجة لتدهور العلاقات بين ألمانيا وبولندا، اتخذ هذا البلد الأوروبي من الاتحاد السوفيتي حليفا له".

بالنسبة لتركيا فالوضع مختلف لأنها دولة قوية، ولديها القدرة على اتخاذ القرار بشأن الأطراف التي ترغب في توثيق التعاون معها أو العكس. أما فيما يتعلق بالعلاقات التركية الأمريكية، خاصة خلال الآونة الأخيرة، فإن الولايات المتحدة لا تتصرف كحليف لتركيا ولا تعاملها كشريك حقيقي ومتكافئ معها. كما تتخذ بروكسل موقفا مشابها للموقف الأمريكي تجاه أنقرة، ومن أبرز تجلياته عدم تمكن تركيا من الانضمام للاتحاد الأوروبي رغم كل الوعود.

منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية، اعتمدت الدول الأوروبية طريقة العصا والجزرة في التعامل مع أنقرة. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، هناك العديد من الممارسات التركية المستفزة على غرار الانتماء الأيديولوجي لرجب طيب أردوغان وتعامله مع بعض الأطراف السياسية ذات التوجه الإسلامي، بالإضافة إلى مسألة اللاجئين. وبشكل عام هذه ثمار تعاون تركيا مع الغرب.

تدرك تركيا أن حلف شمال الأطلسي قد يتحول من حليف إلى تهديد حقيقي على البلاد

الصحيفة: لا يمكن القول إن العلاقات التركية الروسية، لطالما اتسمت بالسلاسة...

لكسي ليونكوف: نعم... في الواقع، لطالما مرت العلاقات التركية الروسية بلحظات عصيبة، لكن لم يستمر ذلك لوقت طويل وتمكن الطرفان من تعزيز التعاون الاقتصادي، من خلال مشاريع مثل مشروع التيار التركي، فضلا عن التعاون في المجال السياحي. في الوقت الراهن، بدأ التعاون العسكري والتقني بين تركيا وروسيا. ومن الممكن القول إن روسيا غالبا ما تتصرف بشكل صائب مع حلفائها، إذ لا تجبر تركيا على تقديم التنازلات. وبناء على ذلك، ليس من المستغرب مشاركة تركيا في مختلف الأحداث الهامة مثل قمة منظمة شنغهاي للتعاون وقمة بريكس.

علاوة على ذلك، تعتبر أنقرة مشاركا نشطا في عملية التفاوض في سوتشي وأستانا فيما يتعلق بالقضية السورية. وتدرك تركيا أن حلف شمال الأطلسي قد يتحول من حليف إلى تهديد حقيقي على البلاد. فبعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا سنة 2016، فقد العديد من الضباط العسكريين والمسؤولين عن التعاون مع حلف شمال الأطلسي مناصبهم، فيما تم اعتقال بعضهم.

الصحيفة: ما هي فائدة روسيا من النزاع بين الولايات المتحدة وتركيا؟ وإلى أي مدى يمكن أن يصل هذا النزاع الثنائي؟

ليونكوف: مبدئيا، من الواضح أن العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا ستستمر في التدهور. وفي هذه الحالة، سيفقد الأمريكيون حليفهم الاستراتيجي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، علما وأن تاريخ هذا التعاون الاستراتجي يعود إلى سنة 1947. ونتيجة لذلك، سيضعف موقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

أشار عميد كلية العلوم السياسية بالجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية، ألكسندر شاتيلوف، إلى أن "أردوغان سياسي عقلاني، على الرغم من تصريحاته النارية تجاه واشنطن.لهذا السبب، لن يصل التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا إلى مرحلة المواجهة"

لن يكون لدى الأمريكان حليف موثوق به في المنطقة سوى المملكة العربية السعودية. وفي خضم ذلك، سيزداد نفوذ تركيا في الشرق الأوسط، خاصة مع تواجد العديد من الجهات والقوات الموالية لتركيا في العديد من أقطار المنطقة. ومن المتوقع أن يكسب العداء بين الولايات المتحدة وتركيا عملية الضغط على الأمريكيين لمغادرة المنطقة زخما أكبر. وقد يؤدي رحيل الولايات المتحدة وبريطانيا من الشرق الأوسط إلى اختفاء معظم الصراعات في المنطقة بصفة تدريجية. وبذلك سيزول خطر تصدير الإرهاب من دول العالم العربي إلى روسيا وأوروبا.

في شأن ذي صلة، أشار عميد كلية العلوم السياسية بالجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية، ألكسندر شاتيلوف، إلى أن "أردوغان سياسي عقلاني، على الرغم من تصريحاته النارية تجاه واشنطن. لهذا السبب، لن يصل التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا إلى مرحلة المواجهة". صحيح أن أردوغان مولع بإبراز سيادته واستقلاليته أمام الولايات المتحدة، لكنه غير مستعد للتعاون مع موسكو ضد واشنطن، ناهيك عن أن تركيا مازالت منافسا استراتيجيا جديا لروسيا في الشرق الأوسط.

من جهتها، لا تخفي تركيا رغبتها في زيادة نفوذها على الشعوب الناطقة باللغة التركية، بما ذلك تلك المتواجدة داخل الحدود الروسية. كما تجد الأفكار القومية التركية في منطقة الفولغا الروسية أرضية خصبة لها، وهذا يعني أن احتمال تضارب المصالح الروسية التركية وارد جدا. وعلى العموم، إن مجال التعاون الإستراتيجي الوحيد بين تركيا وروسيا هو القضية السورية.

والجدير بالذكر أن أردوغان لن يفوت أي فرصة لمحاولة الاستفادة من التناقضات بين روسيا والولايات المتحدة. وإلى حد الآن تعتبر إسرائيل المستفيد الأكبر من التناقضات الروسية الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالحرب السورية.

على الرغم من أن أردوغان يبدو صاحب موقف قوي في الفترة الأخيرة، إلا أن تركيا تشهد العديد من التناقضات على عدة مستويات

الصحيفة: إذن، هل من المتوقع أن تتحسن العلاقات بين روسيا وتركيا أكثر، على خلفية العقوبات الأمريكية المفروضة على أنقرة؟

ليونكوف: يجب الأخذ بعين الاعتبار أن تركيا لن تتجه إلى تحالف إستراتيجي مع الكرملين، ولن تعترف بشبه جزيرة القرم جزءا من روسيا. أما فيما يتعلق بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، ستحاول أنقرة الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن، ولكنها مع ذلك لن تقبل التنازل أمام واشنطن ولن تعمل على إظهار المزيد من التناقضات مع النخبة الأمريكية.

على الرغم من أن أردوغان يبدو صاحب موقف قوي في الفترة الأخيرة، إلا أن تركيا تشهد العديد من التناقضات على عدة مستويات. وتشهد العلاقات مع الغرب توترا في الوقت الحالي، إلا أنه هو المسؤول عن الطريقة العلمانية للتنمية في البلاد. ومن الواضح أنه ليس من مصلحة أردوغان القيام بمناورة سياسية ورمي نفسه كليا في أحضان روسيا.

المصدر: سفابودنايا براسا