بعد نحو أربع سنوات من الحرب الأهلية في جنوب السودان، التي شردت أكثر من 1.6 مليون سوداني جنوبي، أبرم، صباح أمس الأحد، الفرقاء السودانيون اتفاق سلام، رعاه الرئيس السوداني عمر البشير وبحضور عدد من الرؤساء الأفارقة بالعاصمة السودانية الخرطوم، فهل سيصمد، وتعرف جنوب السودان استقرارًا افتقدته منذ سنوات وأثّر على اقتصاد الدول المجاورة وخاصة السودان، أم أنه سيكون هشًّا كسابقيه؟ هل يكون قادرًا على الصمود في وجه صراع السلطة وتقاسم الخيرات، رغم سعي الدول الغربية إلى إحراز سلام واستقرار، حماية لمصالحها في السودان وجنوبه؟

اتفاق برعاية البشير

رعى الرئيس السوداني عمر البشير، الاتفاق الذي وقعه يوم أمس الأحد، بالعاصمة السودانية الخرطوم، وفق وكالة الأنباء السودانية (سونا)، الفريق سلفاكير ميارديت رئيس دولة جنوب السودان، والدكتور رياك مشار عن الحركة الشعبية المعارضة، إلى جانب دينق ألور وغبريال جونسون عن تحالف سوا، وجوزيف أوكيلو عن الأحزاب والقوى السياسية، وفرانسيس دينق عن الشخصيات القومية، ومحمد مرجان عن رجال الدين، بجانب ممثل لمنظمات المجتمع المدني بجنوب السودان.

أكد الدرديري محمد أحمد وزير خارجية السودان (الراعية للاتفاق)، أن جميع الأحزاب السياسية بالجنوب وافقت كليًّا على التوقيع على اتفاق تقاسم السلطة والترتيبات الأمنية

من جانبه، وقّع المشير عمر البشير رئيس جمهورية السودان والرئيس الأوغندي يوري موسيفيني كضامنين للاتفاق، ووقع كل من ممثل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة ومنظمة الإيقاد كشهود.

وتمت مراسم التوقيع، بقاعة الصداقة بالعاصمة السودانية الخرطوم، على اتفاق المسائل العالقة في الحكم والترتيبات الأمنية في جمهورية جنوب السودان، بحضور رؤساء كل من كينيا وأوغندا وجيبوتي ورئيس وزراء الصومال ونائب رئيس الوزراء الإثيوبي، إلى جانب ممثلين للمنظمات الإقليمية والدولية ورجال السلك الدبلوماسي المعتمدين بالخرطوم.

وأكد الدرديري محمد أحمد وزير خارجية السودان (الراعية للاتفاق)، أن جميع الأحزاب السياسية بالجنوب وافقت كليًّا على التوقيع على اتفاق تقاسم السلطة والترتيبات الأمنية، وأضاف الدرديري، خلال حفل التوقيع، أن الاتفاق يحظى بدعم إقليمي ودولي، مشددًا على حرص السودان على إحلال السلام والاستقرار في جنوب السودان، لأن استقرار وأمن الجنوب من أمن واستقرار السودان.

نجاح المفاوضات

أكد وزير خارجية السودان نجاح المفاوضات، مشيرًا إلى أن جميع الأحزاب والقوى السياسية الجنوبية، وقعت على اتفاق المسائل العالقة في الحكم والترتيبات الأمنية في جمهورية جنوب السودان.

وعزا هذا النجاح إلى ثقة الفرقاء الجنوبيين للسودان ودول الإيقاد، إلى جانب دعم الشركاء في المجتمع الدولي والاتحاد الإفريقي، وكذلك الرئيسين السوداني والأوغندي.

وأشار الدرديري إلى أن كل دول الإقليم تقف خلف هذا الاتفاق وتسانده، مشيدًا بمواقف كل الأطراف والتزامها بوقف إطلاق النار في الجنوب قبل بدء المفاوضات، الذي دخل حيز التنفيذ بعد ثلاثة أيام من بدئها، مؤكدين التزامهم بوقف الحرب، وتوقع وزير الخارجية السوداني أن يلتزم الجميع بذلك.

الحل في الاستقرار وحكم المؤسسات 

أكد الدرديري أن حل مشكل جنوب السودان يكمن أساسًا في الاستقرار وحكم البلاد من خلال المؤسسات سلميًا، مشيرًا إلى وجود ضمانات لتنفيذ اتفاق فرقاء جنوب السودان بشأن تقسيم السلطة والترتيبات الأمنية التي تتمثل في مواطن الجنوب سوداني ووحدة دول الإقليم.

وأضاف في مؤتمر صحافي، سلط فيه الضوء على الاتفاق الموقع: "رئيس جنوب السودان سيلفاكير، أكد تنفيذه للاتفاقية، خاصة وقد فاوض بنودها بندًا بندًا، إلى جانب وجود آلية للمراقبة العسكرية".

كانت المفاوضات بين رئيس دولة جنوب السودان سيلفاكير ميارديت، وزعيم المعارضة الجنوبية رياك مشار، في الأسبوع الأخير من شهر يونيو الماضي، لإيجاد الحلول للقضايا العالقة بين الفرقاء، وخاصة ما يتعلق بمسألة الحكم والترتيبات الأمنية

وأوضح وزير الخارجية السوداني أن ليس للسودان أجندة خفيّة، قائلاً: "جارتنا تعاني ونحن نعاني كذلك من تبعات ما يحدث، في ظل وجود علاقات متشابكة"، وأكد قائلاً: "السودان يريد الاستقرار والأمن للجنوب، لأن استقراره وأمنه من أمننا، وانتعاش اقتصاده يساعد على انتعاش اقتصادنا، فضلًا عن أنه يساعد على تفعيل الاتفاقات المشتركة بيننا في المجالات كافة، وخاصة مجال التعاون النفطي".

من جانبه، قال رئيس جنوب السودان سيلفاكير ميارديت: "أعتقد أن اتفاق السلام الجديد بين الحكومة وجماعة التمرد الرئيسة في البلاد، لن ينهار لأنه لم يُفرض على الطرفين مثل اتفاقات سابقة وتم إجراء مشاورات واتصالات مع مسؤولين أمريكيين وبريطانيين، إلى جانب المبعوثين الأمميين إلى السودان".

وكانت المفاوضات بين رئيس دولة جنوب السودان سيلفاكير ميارديت، وزعيم المعارضة الجنوبية رياك مشار، في الأسبوع الأخير من شهر يونيو الماضي، لإيجاد الحلول للقضايا العالقة بين الفرقاء، وخاصة ما يتعلق بمسألة الحكم والترتيبات الأمنية، وذلك بمبادرة من الرئيس السوداني عمر البشير. وأوضح الدرديري أن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والنرويج اطلعوا على المبادرة، وأكدوا دعمها ومساندتها.

جنوب السودان والنفط

استضافت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، نهاية يونيو الماضي، قمة الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا "الإيجاد"، التي خصصت لمناقشة تطورات الأزمة العالقة منذ أربع سنوات، وذلك بهدف إيجاد الحلول المناسبة التي يمكن أن تساهم في إحلال السلم والاستقرار في المنطقة التي شهدت حملات نزوح وتشريد قاسية لأكثر من مليون ونصف من مواطني جنوب السودان.

وكان اتفاقًا قد أبرم بين الطرفين المتنازعين، في أغسطس 2015، انتهك بسرعة لتندلع المعارك العنيفة في جوبا، يوليو 2016، ومن بين بنود الاتفاق الذي انتهك، عودة رياك مشار إلى منصبه كنائب أول للرئيس سيلفاكير، واحتفاظ الحكومة بنسبة 55% من السلطة، وتسند 25% للحركة الشعبية بقيادة رياك مشار، و20% لمجموعات أخرى معارضة، لكنها لا تعتمد النزاع المسلح.

وكانت الحرب قد اندلعت بين الفرقاء في جنوب السودان، نهاية العام 2013، بعد نحو عامين فقط من الاستقلال عن السودان، وذلك بعد أن اتهم الرئيس سيلفاكير نائبه الأول رياك مشار الذي ينتمي إلى قببيلة النوير، بتدبير انقلاب ضده، ثم أقاله من منصبه، فهرب هذا الأخير إلى جنوب إفريقيا، نهاية العام 2016.

الأزمة بين الرئيس ونائبه، ساهمت في تشريد ملايين من سكان جنوب السودان، هربًا من الحرب الدائرة بين الأطراف المتنازعة ومقتل عشرات الآلاف، فكان أن تردّت ظروف العيش، وتحولت إلى مجاعة حقيقية، وفشلت المحاولات الدولية للضغط على الطرفين وإيقاف الصراع الدائر بين الفرقاء وإحلال السلام، ولم تجد الاتفاقات المبرمة نفعًا، وتواصلت الأزمة بخصوص اقتسام السلطة وخيرات البلاد.

ويرى مراقبون، أن الأزمة التي عاشها مواطنو جنوب السودان، خلال أربع سنوات، من شأنها أن تجعل المسؤولين يفكرون جيدًا في مواطنيهم، ومساعدتهم على العودة لديارهم، وبالتالي يستبعدون تقويض هذا الاتفاق، الذي شهد موافقة جميع الأطراف المتنازعة، لكن مراقبين آخرين، وإن لم يؤكدوا إفشال الاتفاق الذي حصل يوم أمس في الخرطوم، فإنهم عبروا عن تخوفهم من هشاشة ما حصل رغم السند الدولي الذي يحظى به.

تعتبر جمهورية جنوب السودان منطقة غنية بالموارد الطبيعية، ويعتبر النفط أهم صادراتها، حيث تتركز فيه 85% من احتياطي جمهورية السودان، وتتركز الثروة النفطية والمعادن، في مناطق النوير والدينكا

وكانت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة قد حذرت من تسارع وتيرة اللجوء في جنوب السودان، نتيجة الأوضاع الأمنية، وأشارت في تقرير لها أصدرته في سبتمبر الماضي، إلى أن "جنوب السودان تحولت إلى أسرع منطقة في العالم لإنتاج اللاجئين، وتصديرهم إلى البلدان المجاورة خلال الأشهر الست الماضية".

وتحدث التقرير عن تقصير في الجهود الدولية لتمويل إجراءات تسكين وتأمين حياة اللاجئين في جنوب السودان، حيث لا تغطي الأموال المرصودة أكثر من 8% من المطلوب.

وكانت دولة جنوب السودان قد شهدت في ديسمبر/كانون الأول 2013 أولى بوادر حركة التمرد التي يقودها النائب الأول للرئيس سيلفاكير، رياك مشار، كانت وراء تشريد الملايين وقتل عشرات الآلاف من مواطني جنوب السودان.

جنوب السودان شهدت في ديسمبر من العام 2013 انطلاق الرصاصة الأولى في حركة تمرد قادها رياك مشار راح ضحيتها عشرات الآلاف من القتلى، فضلاً عن تشريد مليونين من أبناء جنوب السودان من ديارهم.

ونالت جمهورية جنوب السودان وعاصمتها جوبا، استقلالها من السودان في التاسع من يوليو 2011، فيحد جنوب السودان شمالًا السودان، وشرقًا إثيوبيا، وكينيا من الجنوب الشرقي، وجنوبًا أوغندا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية من الجنوب الغربي، وغربًا جمهورية إفريقيا الوسطى.

وتعتبر جمهورية جنوب السودان منطقة غنية بالموارد الطبيعية، ويعتبر النفط أهم صادراتها، حيث تتركز فيه 85% من احتياطي جمهورية السودان، وتتركز الثروة النفطية والمعادن، في مناطق النوير والدينكا.

ضخ النفط نهاية العام الحاليّ

أعلن وزير النفط في جنوب السودان إزيكيل لول جاتكوث، أن بلاده ستستأنف ضخ النفط في الـ2 من ديسمبر/كانون الأول المقبل، بإنتاج 45 ألف برميل يوميًا، كمرحلة أولى، وذلك عقب تفاهمات مع السودان. 

وفق الاتفاق المبرم، سترعى حكومة السودان تأمين حقول النفط في جنوب السودان بالتنسيق مع حكومة جوبا

وقال جاتكوث، عقب اجتماعه بالرئيس السوداني عمر البشير: "الـ2 من سبتمبر القادم، سيشهد استئناف ضخ النفط بمعدل إنتاج 45 ألف برميل يوميًا من حقلي "تور" و"توما ثاوث"، بعدها سيتم الانتقال إلى حقول "منقة" و"الوحدة"، وبنهاية العام، سيكون الإنتاج في "بلكات 1،2،4" بطاقته القصوى.

ووفق الاتفاق المبرم، سترعى حكومة السودان تأمين حقول النفط في جنوب السودان بالتنسيق مع حكومة جوبا، وشرعت الخرطوم وجوبا، وبالتوازي مع المفاوضات في مناقشة القضايا الفنية المتعلقة بإعادة تأهيل وتشغيل حقول النفط الجنوبية المتوقفة، والعودة بالإنتاج النفطي إلى مستوياته السابقة.