الصحفية مريم أبو فرحانة لحظة تلقيها نبأ استشهاد أخيها

آلام لم يذقها إلا من عاش لحظتها، بصوت الأه صرخوا ألمًا عندما فوجئوا برصاصة قتلتهم في أثناء القيام بأعمالهم، فالرصاصة تقتل ثلاثة أو أربعة أو أكثر في آن واحد كما يُقال، فإلى جانب القتيل الذي استهدفته قتلت والدته بحزنها على فلذة كبدها، وشقيقته بانكسارها عليه، وأبيه بتبخر الأحلام التي رآها بنجله مستقبلاً.

الصحفية مريم أبو فرحانة التي لم تفتقدها الحدود الشرقية لمدينة خانيونس جنوب قطاع غزة طوال مسيرات العودة الكبرى، وعلى مدى 20 جمعة أسبوع متتالية، تنطلق من زاوية إلى أخرى لتغطية جرائم الاحتلال بحق المتظاهرين السلميين، محاولة منها فضح هذا العدو الذي يدعي الإنسانية أمام المجتمع الدولي ويغفل عن تماديه بحق المدنيين العزل.

استطاعت الصحفية مريم تسليط الضوء على جرائم المحتل من خلال عدستها التي رصدت الطائرات المسيرة التي تلقي القنابل المتفجرة والغازية على المتظاهرين، وكذلك نيران الدبابات التي استهدفت بها قوات الاحتلال المتظاهرين بشكل مباشر، وكذلك الأسلحة الفتاكة بأنواعها التي استخدمتها قوات الاحتلال بحق المتظاهرين السلميين مثل الرصاصة المتفجرة والانشطارية التي عدتها محكمة الجنايات الدولية جريمة حرب ودعت إلى عدم استخدامها بموجب قانون روما.

في الجمعة الـ17 من مسيرات العودة الفلسطينية، ادعى جيش الاحتلال الإسرائيلي مقتل قائد في وحدة الدبابات على حدود مدينة خانيونس بفعل رصاص قناص فلسطيني، فأطلق وابلاً من قذائف المدفعية على عدة نقاط للمتظاهرين في مخيمات العودة

فضلاً عن ذلك رصدت عدستها بيوت الشهداء والجنازات وآلام الجرحى، وكذلك معاناة ذويهم بعد رحيلهم أو إصابة أبنائهم أو فقدان الأمل بهم جراء حالات البتر التي شهدتها كل ميادين المواجهات في قطاع غزة، جاء دورها لتعيش ألم فراق وتكون قصة بعد أن كانت صانعة قصة.

في الجمعة الـ17 من مسيرات العودة الفلسطينية، ادعى جيش الاحتلال الإسرائيلي مقتل قائد في وحدة الدبابات وإصابة مرافقه بجراح خطرة على حدود مدينة خانيونس بفعل رصاص قناص فلسطيني، فأطلق وابلاً من قذائف المدفعية على عدة نقاط للمتظاهرين في مخيمات العودة، وكذلك استهدف عدة مراصد للمقاومة، كان من بينهم مرصد للمقاومة على الأطراف الشرقية من خانيونس.

وأوضحت الصحفية مريم في حديث خاص لـ"نون بوست" بأنها شاهدت لحظة قصف المرصد وأعمدة الدخان التي تصاعدت منه، فتوجهت فورًا للمكان لتغطية الحدث، وتم انتشال شهيدين حينها تم تهميش جثثهما جراء انفجار قذيفة الدبابة بأجسادهم بشكل مباشر، وايصالهما للمستشفى الأوروبي في الجنوب الفلسطيني.

كُلفت الصحفية مريم بالذهاب فورًا للمشفى قبل أن يتم إعلان أسماء الشهداء ليكون خبرًا حصريًا في موقعها الصحفي الذي تعمل به، فكانت المفاجأة أن رُدِد على مسامعها بأن أحد الشهداء شقيقها.

كان بائع الآيس كريم الشهيد غازي أبو مصطفى يستعد خلال أيام قبل استشهاده للسفر إلى تركيا لاستكمال رحلة العلاج لساقه، إلا أن رصاصة انشطارية باغتته في رأسه مباشرة حالت دون ذلك

تروي مريم لـ"نون بوست": "ذهبت فورًا لثلاجة الموتى لحظة سماع اسم الشهيد محمد أبو فرحانة، متمنية بأن يكون هناك تشابه بالأسماء، ولكن قدر الله وما شاء فعل، كانت من أصعب اللحظات في حياتي العملية بمجال الصحافة، وعلى الرغم من أن ذلك زادني قوةً وإصرارًا على الوجود في ميادين المواجهات للاستمرار بفضح جرائم الاحتلال، فإنني ما زلت أتألم مع كل قطرة دم تخرج من أي شهيد أو جريح، الأمر الذي يعيد لي ذكريات شقيقي".

فاجعة أخرى تعرضت لها المسعفة لمياء أبو مصطفى باستشهاد زوجها بالميدان، وهي التي لم تغادر مخيمات العودة وتتعامل مع المصابين بمختلف إصاباتهم، وودعت شهداء خلال محاولتها لعلاجهم عندما لم يحالفها الحظ بإنقاذ جريح تحت يديها.

كانت المسعفة لمياء قد تفاجأت قبل أكثر من شهر بإصابة زوجها غازي أبو مصطفى بساقه برصاصة، فعالجته في الميدان بشكل مبدئي قبل أن يتم نقله للمشفى الأوروبي في الجنوب الفلسطيني بسبب خطورة إصابته، وتم علاجه بشكل مؤقت حينها.



 لحظة تلقي المسعفة لمياء أبو مصطفى نبأ استشهاد زوجها

كان بائع الآيس كريم الشهيد غازي أبو مصطفى يستعد خلال أيام قبل استشهاده للسفر إلى تركيا لاستكمال رحلة العلاج لساقه، إلا أن رصاصة انشطارية باغتته في رأسه مباشرة حالت دون ذلك.

مباشرة عقب إصابته توجهت المسعفة لمياء لإنقاذ مصاب بناء على أوامر صحية كُلفت بها، تفاجأت بأن ذلك الجريح هو زوجها الذي سقط بين يديها مرة أخرى لمحاولة علاجه، ولم تتمكن من فعل شيء سوى إرساله عبر سيارات الإسعاف للمشفى الأوروبي مباشرة، لتكون ثاني زيارة له لنفس المشفى، لكن هذه المرة برصاصة جندي حاقد أصابها برأسه، ليفارق الحياة عقب إصابته بساعتين فقط.

لماذا قتلوه؟

هذا السؤال التي وجهته المسعفة لمياء لجميع من حولها من مسعفين ومواطنين بشكل هستيري، سؤال يعبر عن حجم القهر الذي تنطق به لمياء التي قُتل زوجها وهو على عكاكيز ويبيع الأيس كريم للمنتفضين، وتعلم إجابة سؤالها مسبقًا مما شاهدت من جميع الحالات التي تعاملت معها في الميدان. وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، وصل عدد الشهداء منذ انطلاق مسيرات العودة الكبرى في الـ30 من مارس/آذار لهذا العام وحتى اليوم إلى 167 شهيدًا، وإلى أكثر من 15 ألف جريح.