حالة من القلق سادت الأوساط الأوروبية مع الساعات الأولى للأزمة التي تواجهها تركيا في أعقاب الهبوط الحاد لعملتها المحلية "الليرة" أمام العملات الأجنبية، إثر الحرب الاقتصادية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية محاكمة القس الأمريكي أندرو برونسون لتورطه في دعم منظمات إرهابية.

العديد من المؤشرات والتقارير تذهب إلى أن أنقرة لن تكون الخاسر الوحيد في أزمتها الراهنة، فالخسائر ربما تمتد إلى ما هو أبعد من الحدود التركية وقد تلاحق الأوروبيين بصورة مباشرة وأكثر خطورة من غيرها، نظرًا للقرب الجغرافي وما يترتب عليه من تبعات سياسية وأمنية.

عضوية تركيا في حلف الأطلسي، وإن شابها بعض التوترات مؤخرًا، فضلًا عن العلاقات الاقتصادية التي تربطها بالقارة العجوز لا سيما التعاملات البنكية، دفعت العديد من العواصم الأوروبية للإعلان مبكرًا دعمها لاستقرار الاقتصاد التركي والتنديد بالسياسات العدائية الأمريكية، ليبقى السؤال: ما التهديدات المحتملة حال استمرار تصعيد التوتر الأمريكي التركي على مستقبل أوروبا؟

مخاطر اقتصادية

المؤسسات المالية في تقديراتها التقييمية مع بداية الأزمة حذرت من اندلاع أزمة مصرفية واسعة النطاق حال استمرار التصعيد بين أنقرة وواشنطن، ووفقًا لتقديرات معهد التمويل الدولي فإن تركيا تعتمد على الاقتراض بالعملة الأجنبية أكثر من أي سوق ناشئة أخرى، إذ يبلغ حجم اقتراض الشركات التركية بالعملة الأجنبية نحو 5.5 تريليون دولار، ويعد الأعلى في تاريخ تركيا الحديث، مقدرًا حجم اقتراض الشركات والبنوك التركية بالعملة الأجنبية بنحو 70% من الاقتصاد التركي.

الشركات التركية بدورها كانت الأكثر والأسرع تأثرًا بما حدث، إذ عانت من ارتفاع تكلفة سداد تلك القروض، مقومةً بالعملة المحلية الآخذة في الانهيار منذ بداية العام الحاليّ، وكما جاء على لسان أحد مسؤولي الائتمان في بنك "يو بي إس" في نيويورك فإن العديد من الشركات التركية أعلنت بالفعل عدم قدرتها على سداد تلك المديونيات.

حالة من القلق كذلك تخيم على البنك المركزي الأوروبي بشأن مصير بنوك منطقة اليورو التي تتعامل مع تركيا إثر أزمة الليرة، وإن لم يفصح عن ذلك بشكل رسمي، فإن بيانات بنك التسويات الدولية أظهرت أن بنوك منطقة اليورو لديها قروض تزيد قيمتها على 150 مليار دولار في تركيا، وتعد البنوك الإسبانية والفرنسية والإيطالية الأكثر تعرضًا لتلك الأزمة.

تركيا الحاجز الذي يفصل بين أوروبا والحرب في سوريا، ويمنع وصول مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" إلى القارة عبر بوابة اليونان

وفي السياق ذاته تعرضت أسهم بعض أكبر البنوك في أوروبا لضربة قوية قبل يومين، وانخفض UniCredit إيطاليا 5.6% وانخفض BBVA الإسباني 5.5%، وانخفض مؤشر BNP Paribas الفرنسي بنسبة 4.3%، وانخفض سهم Deutsche Bank بنسبة 5.3%.

الخسائر لن تتوقف عند الأوروبيين فحسب، بل تشير التقديرات إلى احتمالية تعرض الاقتصاد الأمريكي هو الآخر لمخاطر جديدة، إذ إن نسبة ما يمتلكه المستثمرون الأمريكيون من السندات والأسهم التركية نحو 25% من السندات القائمة حاليًّا، وأكثر من 50% من أسهم الشركات التركية المتداولة، كما أقرضت البنوك الأمريكية الشركات التركية، وفقًا لإحصاءات بنك تسوية المعاملات الدولية، نحو 18 مليار دولار.

تداعيات سلبية لأزمة الليرة على الأسواق العالمية

قلق سياسي وأمني

"تحول تركيا نحو روسيا وإيران سيكون له نتائج كارثية على القارة الأوروبية".. هكذا استهل الكاتب الصحفي جيم إدواردز رئيس تحرير موقع "بيزنس إنسايدر" النسخة البريطانية، مقاله الذي حذر فيه من تبعات انهيار الاقتصاد التركي وبحث أنقرة عن حلفاء جدد، واصفًا التحركات الأخيرة للرئيس التركي بالتقارب مع روسيا بالـ"مخيفة".

إدواردز أكد أن أوروبا والغرب عمومًا يحتاجون إلى أن تكون تركيا قوية وأن تنتهي أزمتها بسلام، مشيرًا إلى أنها الحاجز الذي يفصل بين أوروبا والحرب في سوريا، ويمنع وصول مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" إلى القارة عبر بوابة اليونان، فضلًا عن منعها للروس من العودة إلى بلغاريا، والحيلولة دون تصعيد العراقيين والإيرانيين والأكراد  لنزاعاتهم المتنوعة شمالًا إلى أوروبا.

المقال تطرق إلى أنه في الوقت الذي قد لا تكون فيه تركيا مهمة اقتصاديًا لأوروبا لصعوبة إمكانية انتقال عدوى التراجع الاقتصادي إلى الأنظمة العالمية فإنها من ناحية أخرى مهمة إستراتيجيًا وعسكريًا، لأنها "الجسر بين الغرب الديمقراطي المسالم والدكتاتوريات المنكوبة بالحرب في الشرق، والحاجز الذي يمنع انزلاق حروب الشرق الأوسط إلي اليونان".

الكثير من العواصم الأوروبية أكدت دعمها للاستقرار التركي منذ نشوب الأزمة، ونقلت الصحف الغربية عشرات التصريحات على ألسنة المسؤولين عكست حجم التأييد الأوروبي لأنقرة في حربها الاقتصادية ضد أمريكا

وتبرز أهمية تركيا الإستراتيجية لأوروبا نظرًا لموقعها الحيوي، إذ يحدها غربًا اليونان وبلغاريا العضوان في الاتحاد الأوروبي، ويحيط بها في حدودها الأخرى 6 دول هي جورجيا وإيران والعراق وسوريا وأرمينيا وناخشفان، 5 منها غارقة في نزاعات مسلحة مستمرة أو حرب مباشرة.

كما شدد على أن أوروبا في حاجة إلى أن تكون تركيا قوية ومستقرة، لافتًا إلى أن التحركات الأخيرة التي قام بها الرئيس التركي تثير الذعر، على حد وصفه، مشيرًا إلى أن بحث أردوغان عن أصدقاء جدد أمر يدعو إلى القلق، لأن أنقرة أصبح لديها على نحو مفاجئ الكثير من القواسم المشتركة مع إيران وسوريا وروسيا الذين تستهدفهم جميعًا العقوبات الأمريكية.

وتساءل جيم إدواردز: "هل نريد حقًا أن تتحول تركيا نحو إيران أو سوريا أو روسيا"؟ محاولًا الإجابة بقوله إن هذه نتيجة محتملة واحدة إذا لم يستطع الغرب إيجاد طريقة لإبقاء أردوغان في المجموعة، مختتمًا مقاله بعلامة استفهام جديدة: ما نهاية اللعبة إذا لم يعكس أردوغان مساره، أو إذا أبقت الولايات المتحدة على العقوبات أو زادت منها"؟

تحذيرات أوروبية من التقارب التركي الروسي الإيراني

يذكر أن الكثير من العواصم الأوروبية أكدت دعمها للاستقرار التركي منذ نشوب الأزمة، ونقلت الصحف الغربية عشرات التصريحات على ألسنة المسؤولين عكست حجم التأييد الأوروبي لأنقرة في حربها الاقتصادية ضد أمريكا، ففي ألمانيا على سبيل المثال ورغم ما يشوب علاقتها بتركيا من توتر في الفترة الأخيرة، قال المتحدث باسم الحكومة بها شتيفان زايبرت إن برلين تتابع باهتمام بالغ تطورات ملف العملة في تركيا، مضيفًا "أستطيع إخباركم أن الحكومة الألمانية لديها مصلحة في استقرار تركيا اقتصاديًا".

المتحدث باسم وزارة الاقتصاد الألماني أكد هو الآخر أن تركيا تعد من أهم الشركاء الاقتصاديين لألمانيا، فيما أشار الخبير الاقتصادي الألماني سليمنز فويست على أن منع أي تراجع اقتصادي في تركيا يصب في مصلحة أوروبا.

الأهمية الإستراتيجية لتركيا، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، التي عززتها طيلة السنوات الماضية ربما تكون الدافع نحو دعم أوروبي لأنقرة في مواجهة العقوبات الأمريكية

صحيفة "هاندلسبلات" الألمانية أكدت في تعليقها "تركيا تستحق الدعم لأنها أكثر من أردوغان الذي انتُخب فقط من نصف الذين يحق لهم التصويت، أوروبا لها مصلحة أساسية في تركيا مستقرة ومنفتحة على العالم، ليس بسبب الصفقة المثيرة للجدل بشأن اللاجئين، بل لأن تركيا دولة محورية بين الشرق والغرب، ومن سخرية التاريخ: الأسواق هي أفضل حليف في النضال من أجل تركيا منفتحة".

كما حذرت صحيفة "إلموندو" الإسبانية من أن انهيار الليرة التركية ومخاطر زعزعة استقرار بلد مهم من الناحية الجيو إستراتيجية مقلقة، مشددة على البنك المركزي في أنقرة سيضمن كل سيولة ضرورية لمواجهة المضاربات ضد العملة المحلية، "لكن يبدو أن هذا ليس كافيًا، نحن على عتبة أزمة متكاملة".

وفي المجمل فإن الأهمية الإستراتيجية لتركيا، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، التي عززتها طيلة السنوات الماضية، ربما تكون الدافع نحو دعم أوروبي لأنقرة في مواجهة العقوبات الأمريكية، ليس بسبب القلق من خروج تداعيات تلك الأزمة عن السيطرة ونقل عدواها لخارج الحدود التركية فحسب، بل لكون مصير واحد يجمع كل من تركيا وأوروبا بجانب المعسكر الشرقي حال استمرار دونالد ترامب في سياساته العدائية التي تبناها مع اللحظات الأولى لتنصيبه يناير 2017.