عمدت واشنطن منذ بدء ولاية ترامب إلى ابتزاز حلفائها من أجل دفعهم إلى تمويل مشاريع خاصة بها

بعد مدة ليست بالطويلة من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن على دول عربية غنية تحمل أعباء جلب الاستقرار إلى سوريا بدلاً من واشنطن، سارعت الرياض بضخ دفعة أولى تبلغ 100 مليون دولار سوقتها تحت عنوان "الشد من أزر التحالف الدولي في حربه على تنظيم الدولة في مناطق الشمال السوري".  

يعيد ذلك إلى الأذهان التغير في الموقف السعودي تجاه سوريا، فتصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير عن ضرورة رحيل الأسد بحل عسكري إن لم يكن بحل سياسي، ما زالت عالقة في الأذهان، لكن العكس هو ما يحدث الآن، فالأمر يتعلق بإعادة تأهيل النظام والاعتراف به، وليس أكثر من ذلك دليلاً من عودة الرحلات البرية بين الرياض ودمشق.

أموال سعودية لإعادة إعمار سوريا بأمر أمريكي

قد يفند انشغال الأمريكيين بمَنْ يعمر سوريا تضاؤل اهتمامهم بالملف السوري، لكنهم لا يريدون أن تتم إعادة الإعمار قبل إنتاج حل سياسي شامل، وحتمًا لا يريدون أن يكونوا الجهة التي ستدفع حتى لو تعلق الأمر بمناطق نفوذ قواتهم والوحدات الكردية التي يدعمونها.         

وبينما تعيد الحكومة الأمريكية تقييم دور واشنطن في الأزمة السورية، جمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أموالاً كانت مخصصة لإعادة إعمار سوريا في مارس/آذار الماضي، وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إنها ستعيد توجيه 230 مليون دولار من التمويل المجمد لأغراض أخرى غير سوريا، وإنها جمعت 300 مليون دولار من شركاء في التحالف لجهود إعادة الإعمار في مناطق مستردة من تنظيم الدولة في شمال شرق سوريا.  

هكذا أوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دفعات بلاده السنوية لبرنامج إعادة الاستقرار في هذا البلد، وتلك إسهامات يصفها بـ"السخيفة"، ويترك سداداها للسعودية ودول أخرى لم يسمها، إذ يبدو أن السعوديين لم ينسوا تلويح ترامب لدول خليجية بالانسحاب من سوريا إذا لم تدفع، لكن احتمالًا بقي يتردد وسط السياسيين، هو أن إعلان الانسحاب "إعلامي"، يهدف ترامب من ورائه إلى الضغط على السعودية لتقديم مزيد من الأموال للخزينة الأمريكية.

أوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دفعات بلاده السنوية لبرنامج إعادة الاستقرار في سوريا

غير أن تصريحات الإدارة الأمريكية هذه المرة أو السياق الذي كثر فيه الحديث عن ترتيبات "سوريا المستقبل"، كما هو الحال في قمة بوتين وميركل، يوحي بغير ذلك، فترامب في تغريدته الأخيرة تحدث عن السعودية تحديدًا ودول غنية أخرى، مواصلاً ابتزازه للطرفين العربي والإيراني، فهو يريد من إيران أن تكون فزاغة وتواصل ابتزازها لدول الخليج، بينما يريد من دول خليجية أن تعتمد عليه للدفاع عن نفسها، وهنا تصبح السعودية غير مخيرة.    

أما التصريح الذي يهدف إلى الاستحواذ على أموال سعودية فليس الأول من نوعه، إذ دعا ترامب في تصريح لشبكة "CNN" الأمريكية، خلال حملته الانتخابية في 2016، السعودية لدفع الأموال مقابل حمايتها من إيران، وعقب وصوله إلى الرئاسة عقدت الرياض قمة إسلامية مع ترامب في مايو/أيار العام الماضي، ووقعت معه اتفاقيات وصفقات تجاوزت قيمتها 400 مليار دولار؛ لمواجهة الخطر الإيراني.

اتخذت أمريكا منذ وصول الرئيس دونالد ترامب، إلى السلطة، إيران وسيلة لرفد خزينتها بأموال المملكة عبر تصريحات متكررة أطلقها ترامب خلال الأشهر الماضية

وقد اتخذت أمريكا منذ وصول الرئيس دونالد ترامب، إلى السلطة، إيران وسيلة لرفد خزينتها بأموال المملكة عبر تصريحات متكررة أطلقها ترامب خلال الأشهر الماضية، بخصوص ضرورة دفع الرياض الفاتورة إذا أرادت التخلص من إيران وكبح جماحها في الشرق الأوسط وخاصة في سوريا.

وعقب القصف الصاروخي الذي شنته وحدات القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية على سوريا في 14 من أبريل/نيسان، أكد رئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران علي لاريجاني أن مسارعة النظام السعودي لتقديم أموال شعبه للأمريكيين التي جرت بمنتهى الصلافة قد شجعهم على قصف سوريا ليعملوا على تغيير المعادلة حسب أوهامهم وأحياء أوكار الإرهابيين من جديد"، وفقًالوكالة أنباء "فارس" الإيرانية..

إعادة إعمار أم إعادة تأهيل الأسد؟

الرياض وواشنطن تتحدثان عن روايتين مختلفتين، فالسعودية تقول إن الأموال لصالح "مشاريع استعادة سبل العيش والخدمات الأساسية" ينفذها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في مناطق شمال شرق سوريا التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم الدولة، وهو استكمال للعهد الذي قدمه وزير الخارجية عادل الجبير في 12 من يوليو الماضي في بروكسل"، بحسب وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس".

أما واشنطن التي رحبت بالمساهمة السعودية، فتقول إن الأموال ستُوَجَه للتنمية وتثبيت الاستقرار في تلك المناطق، والحقيقة أن ما ترحّب به واشنطن، هو ما وعدت به الأكراد في شمال سوريا، واتفقت عليه مع الإمارات والسعودية، أواخر العام الماضي، لإعادة إعمار مدينة الرقة التي يسيطر عليها المسلحون الأكراد، بعدما دمرت غارات التحالف، الجزء الأكبر منها.

وبين الروايتين من يرى أن هذا الأمر ليس لإعادة الإعمار بل لدفع تكاليف بقاء القوات الأمريكية في سوريا، فقد عمدت واشنطن، منذ بدء ولاية ترامب، إلى ابتزاز حلفائها من أجل دفعهم إلى تمويل مشاريع تدعمها هي، بغية التخفيف من نفقاتها الخارجية، ولعل السعودية هي التي تتكفل بتسديد غالبية الفواتير الأمريكية في المنطقة.

لكن سواء تعلق الأمر بتثبيت المكاسب ضد تنظيم الدولة أم جهود الاستقرار والتنمية، فإنه قد يشكل برأي البعض توطئة لإعادة تأهيل نظام الأسد سياسيًا، وهنا تذكرنا مجاراة واشنطن بمواقف طالما ربطت المشاركة في إعادة إعمار سوريا بقيام هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات واستبعاد الأسد من أي عملية سياسية.

أما من حيث التوقيت، فالمساعدات السعودية تأتي في وقت تحاول قوات سوريا الديقراطية "قسد" التي تشكل قوامها الوحدات الكردية، المحافظة على نفوذها ومكاسبها التي حازتها لدى قتالها داعش، بجانب سيطرتها على المناطق الخاضعة لسيطرة النظام إثر انسحابه في 2012، وتبعها تصاعد نفوذ الأكراد الذين شكلوا إدارة ذاتية ونظامًا فيدراليًا قبل نحو عامين.

وكان وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان، قد زار في أكتوبر/تشرين الأول 2017، منطقة عين عيسى في محافظة الرقة، التي تقع تحت سيطرة "قسد"، أما هدف الزيارة، فكان "الوقوف على الأوضاع في المدينة، وبحث إعادة إعمارها"، كما قالت صحيفة "عكاظ" السعودية التي نشرت الخبر حينها، وكشفت أن السبهان التقى "المجلس المدني لمدينة الرقة" في عين عيسى، وعقد اجتماعات مع مسؤولي المدينة للاطلاع على الأوضاع الأمنية والاقتصادية.

تضغط واشنطن على الرياض مستغلةً تورّطها بعدد من الملفات

الفاتورة الأمريكية تمتص أموال المملكة

كان إعداة الإعمار مزاجًا غربيًا أيضًا، ربما أثرت فيه مكاسب النظام الميدانية بدعم روسي والاستفادة من اتفاقات خفض التصعيد، ولعل ذلك ما أفرز نوعًا من التناغم بين موسكو وواشنطن، لكنه قد يتأثر بتعيين الدبلوماسي المخضرم، خبير سياسات الشرق الأدنى جيمس جيفري ممثلاً أمريكيًا خاصًا في سوريا، ومهمته الرسمية تتمثل في إحياء عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة، أما مواجهة اسئثار رعاة مسار أستانة (الروس والأيرانيين والأتراك) بالملف السوري فتلك مهمة غير معلنة.

ومثلما تختلف المصالح تختلف الرؤى نحو "سوريا الغد" التي انطلقت نحوها الماكينات الدبلوماسية في وقت واحد ومن جهات عدة، فحتى روسيا وألمانيا تجدان فسحة بين ملفات الخلاف والاختلاف للحديث عن سوريا، فميركل تدعم جهود المبعوث الدولي إلى سوريا وتخشى وقوع كارثة إنسانية هناك، أما بوتين فبدا منشغلاً أكثر بإعادة اللاجئين السوريين إلى ديارهم.

وبالعودة إلى الرئيس الأمريكي، فقد أثار إعلان الانسحاب من سوريا مخاوف الرياض لأن الانسحاب الأمريكي سيصب في مصلحة إيران وزيادة تمددها في المنطقة وهو ما تخشاه الرياض، الأمر الذي أكده ولي عهدها في حديث إلى مجلة "التايم"، بأن "خروج أمريكا من سوريا يصب في مصلحة إيران"، مطالبًا ببقاء القوات الأمريكية لفترة متوسطة المدى على الأقل.

تضغط واشنطن في هذا الاتجاه لعدة أسباب مستغلةً تورّط السعودية بمجموعة من الملفات، ومنها الملف اليمني

وفي اليمن فاتورة أخرى تدفعها السعودية وحليفتها الإمارات لحساب أمريكا، فكما تدعم إيران النظام السوري في معاركه ضد المعارضة، تُتهم إيران أيضًا بدعم الحوثيين في اليمن ضد قوات الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، في حين ترفض السعودية تصرفات إيران في المنطقة العربية وتسعى إلى إيقافها، وسط تهديد بتحركات عسكرية.  

وهنا تضغط واشنطن في هذا الاتجاه لعدة أسباب مستغلةً تورّط السعودية بمجموعة من الملفات، ومنها الملف اليمني، فتحت عنوان "أوقفوا التأييد الأمريكي لهذه الحرب الخاسرة غير الشرعية"، كتبت صحيفة "واشنطن بوست" في افتتاحيتها بالأمس تقول إنه في الـ9 من أغسطس الحاليّ وثق "الصليب الأحمر" قتل التحالف السعودي الإماراتي عشرات الأطفال المدنيين في قصف بقنبلة أمريكية على حافلة مدرسية في قرية ضحيان بمحافظة صعدة، وفيما قال السعوديون إن الحافلة كانت هدفًا مشروعًا، اكتفى الأمريكيون بإبداء الحيرة والصمت.

قصف ضحيان ليس حادثًا عابرًا، فحوادث مشابهة سابقة استهدفت مراسم زفاف وجنائز وأسواق، وقُتل آلاف المدنيين منذ أن بدأت السعودية تدخلها في اليمن في أبريل/نيسان 2015، بدعوى محاربة الحوثيين ومن خلفهم إيران، حتى بات دعم واشنطن العسكري للسعوديين يرقى إلى التحريض على جرائم الحرب، كما يقول عضو الكونغرس الأمريكي تيد ليو للواشنطن بوست.