ترجمة وتحرير: نون بوست

أظهر الاجتماع المنعقد السبت الماضي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، مدى اهتمام برلين بمساعدة الشعب السوري وإقامة عملية السلام في البلاد. في هذا الإطار، قالت المستشارة الألمانية إنه "أولا وقبل كل شيء، يجب علينا تجنب تفاقم الوضع والحيلولة دون تحوله إلى كارثة إنسانية". ويرى الخبراء أن تصريح ميركل يشير إلى استعداد برلين للانخراط في عملية التسوية في سوريا.

في وقت سابق، أعربت فرنسا عن موقف مماثل حيث اتفقت مع روسيا على إرسال شحنة كبيرة من المساعدات الإنسانية إلى سوريا. وقد صرح المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الروسية، ديميتري بيسكوف، أنه خلال الاجتماع الذي جمع بين بوتين وميركل تم التطرق إلى مقترح تنظيم اجتماع يضم كلا من ألمانيا وفرنسا وتركيا وروسيا من أجل مناقشة الأزمة السورية. كما أشار بيسكوف إلى أنه إلى حدود اللحظة الراهنة لم يتم الاتفاق على تاريخ محدد لعقد مثل هذه القمة، إلا أنه من الممكن عقدها في المستقبل القريب.

عشية وصول الرئيس الروسي إلى ألمانيا، أكدت ميركل أن "هذا الاجتماع مهم للغاية، ويجب أن نستعد له بشكل جيد، وسنعمل على ضمان عقد المستشارين لاجتماع تحضيري". وإثر المحادثة الهاتفية التي جمعت الرئيس الروسي بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، في العاشر من آب/ أغسطس، تم إعلام قصر الإليزيه بأنه من المتوقع عقد اجتماع شخصي في شهر أيلول/ سبتمبر. وقد شددت باريس على أهمية المفاوضات مع موسكو بشأن سوريا وضمان ظروف ملائمة لعودة اللاجئين إلى وطنهم بشكل طوعي، مشيرة إلى ضرورة إرساء السلام وضمان الاستقرار الدائم في البلاد.

بالحديث عن الاجتماع الرباعي، ذكر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن القمة بمشاركة روسيا وفرنسا وألمانيا وتركيا، من المتوقع أن تعقد في السابع من أيلول/ سبتمبر في إسطنبول. ومن جهتها، أشادت وزارة الدفاع الروسية بمساهمة فرنسا في حل المشاكل الإنسانية في سوريا، حيث أشار قائد مركز المصالحة الروسي، الجنرال أليكسي تسيجانكوف، إلى أن فرنسا أرسلت حوالي 44 طنا من الأدوية والخيام، والملابس الدافئة في شهر تموز/ يوليو من هذا العام، بينما تكفلت طائرة نقل عسكرية روسية بتوزيع هذه المساعدات على السكان في ضواحي دمشق ومحافظة الغوطة الشرقية.

في الواقع، تتعارض هذه الخطوات مع الموقف الأمريكي، وعلى وجه الخصوص الرئيس دونالد ترامب الذي ذكر أنه "تم التوقف عن ضخ ما يربو عن 230 مليون دولار من أجل عملية إعادة إعمار سوريا. في المقابل، ستتكفل المملكة العربية السعودية ودول أخرى في الشرق الأوسط بالدفع بدلاً من الولايات المتحدة، لا سيما في ظل رغبتنا في تطوير البلاد والقدرات العسكرية، فضلا عن البلدان التي قدمت لنا يد المساعدة". كما قدمت وزارة الخارجية الأمريكية تفسيرات مختلفة لهذا القرار الجمعة الماضية.

صرح وزير الدفاع التركي خلوصي أكار بأن البنتاغون وأنقرة وضعا خريطة طريق للقيام بدوريات مشتركة في المناطق التي كانت تحتلها في السابق الميليشيات الكردية الموالية لقوات سوريا الديمقراطية

إلى جانب ذلك، أعلن البيت الأبيض أن واشنطن لا تنوي تمويل جهود إعادة بناء سوريا إلا في ظل عملية سياسية تتسم بالمصداقية تحت رعاية الأمم المتحدة. ومما لا شك فيه أن محادثات السلام بشأن التسوية السورية في إطار مفاوضات جنيف قد توقفت تقريبا، بينما لا زالت مفاوضات أستانة التي نظمت بمبادرة روسية مستمرة.

بدعم من شركاء روسيا، تم التوصل إلى طريقة يتم من خلالها تأمين عودة اللاجئين إلى ديارهم، التي تضمنت إجراء بعض الترتيبات لتقديم الدعم الإنساني للسكان، وبذل المزيد من الجهد من أجل التوصل إلى تسوية سياسية. ومن المتوقع أن تنضم فرنسا وألمانيا إلى عملية التسوية السياسية في سوريا.

ذكرت واشنطن أن القوات الأمريكية ستبقى في سوريا إلى حين هزيمة تنظيم الدولة، وقد عبر ترامب في وقت سابق عن هذا الموقف أمام نظيره الروسي، وذلك وفقا لما أكده مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد. ووفقا لبيانات البنتاغون، ذكرت إذاعة "صوت أمريكا" أن مفارز تنظيم الدولة لا تزال تسيطر على خمسة بالمائة من الأراضي السورية، لا سيما في منطقة وادي الفرات التي تضم في الوقت الراهن حوالي 14 مقاتلا. وللقضاء على هذه الفصائل، ستقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها بتنفيذ عمليات عسكرية في المنطقة.

من الواضح أن القيادة الأمريكية لا تعتمد هذه السياسة لتحقيق بعض الأهداف العسكرية فحسب. فقد أفادت بعض المعلومات الواردة عن مصادر سورية أن الولايات المتحدة تسعى إلى منع بشار الأسد من السيطرة على الأراضي التي تسيطر عليها القوات الموالية لها.

على صعيد آخر، انضمت الميليشيات الكردية المنتمية إلى قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة من الولايات المتحدة، إلى صفوف القوات الحكومية. وقد شرعت قيادة الجماعات الكردية في التفاوض مع دمشق حول تشكيل مناطق حكم ذاتي كردية. وبدعم من موسكو، قدمت دمشق بعض التنازلات لصالح الميليشيات الكردية، الأمر الذي لا يخدم مصلحة تركيا والولايات المتحدة على حد السواء.

في آخر الأسبوع الماضي، أعلن رجب طيب أردوغان أن جيشه يعتزم تطهير الحدود الشمالية السورية المتاخمة للحدود التركية من جميع الإرهابيين. ومما لا شك فيه أن أردوغان لم يخص بتصريحاته تنظيم الدولة والتابعين له فقط، بل الفصائل الكردية أيضا. فقد أكد أردوغان أن "الجيش التركي سينفذ عمليات عسكرية مشابهة للعمليات التي قادها في عفرين، في أجزاء أخرى من سوريا وحتى الحدود العراقية". وتشير تصريحات أردوغان إلى أن جميع المواقع الواقعة تحت سيطرة الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية في شمال سوريا ستخضع لسيطرة أنقرة في المستقبل.

يمكن أن يتحقق مخطط أردوغان بمساعدة الولايات المتحدة. وحيال هذا الشأن، صرح وزير الدفاع التركي خلوصي أكار بأن البنتاغون وأنقرة وضعا خريطة طريق للقيام بدوريات مشتركة في المناطق التي كانت تحتلها في السابق الميليشيات الكردية الموالية لقوات سوريا الديمقراطية. كما يفيد بيان أنقرة المتاح على موقع وزارة الدفاع أنه على خلفية الدوريات التي تقوم بها القوات العسكرية التركية والأمريكية في شمال سوريا، ستبدأ في المستقبل القريب تدريبات مشتركة بمشاركة جنود أتراك وأمريكيين.

من الصعب جدا التنبؤ بكيفية تطور الأحداث في سوريا في حال قررت دمشق دخول إدلب

عشية زيارته إلى موسكو، التقى وزير الدفاع التركي بنظيره الروسي سيرغي شويغو. وقد ذكرت بعض وسائل الإعلام التركية أنه خلال المحادثات التي جمعت بين الطرفين تمت مناقشة تفاصيل العملية العسكرية القادمة للقوات السورية والروسية في إدلب. كما أفادت وسائل الإعلام أن رئيس جهاز المخابرات التركي هاكان فيدان حضر الاجتماع أيضا، وذلك نظرا لإشراف إداراته على المسلحين الموالين للأتراك في سوريا.

لطالما عارضت أنقرة جميع الأعمال العسكرية واسعة النطاق التي تشنها دمشق ضد المسلحين في إدلب. ولم يتم التصريح بنتائج المفاوضات التي جمعت بين الجانبين، ولكن من غير المتوقع أن تسمح أنقرة للنظام السوري بإعادة السيطرة على الأراضي الواقعة حاليا تحت سيطرتها.

بناء على هذه المعطيات، يعتقد الخبير العسكري شاميل غاريف أن روسيا لا تلاحظ التطلعات العدوانية لأنقرة، ويبدو ذلك جليا من خلال مواصلتها العمل معها في تسوية النزاع السوري. وفي ظل تقاعس الجانب الروسي، تمكنت تركيا خلال العام الجاري من احتلال جيب عفرين الكردستاني. ووفقا لما تم الاتفاق عليه مع موسكو، تمكنت أنقرة من السيطرة على 12 موقعا ضمن مناطق وقف التصعيد.

حسب الخبير العسكري، فإنه من الصعب جدا التنبؤ بكيفية تطور الأحداث في سوريا في حال قررت دمشق دخول إدلب، ولكن من غير المستبعد أن يدخل الجيش التركي والقوات الموالية له في مواجهة مباشرة مع قوات بشار الأسد، دفاعا عن الأراضي الواقعة تحت سيطرتهم.

المصدر: صحيفة نيزافيسيمايا