لم يكن فوز حرب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية في تركيا مفاجئاً للجميع، لكن المفاجئة كانت في نسبة الفوز والاكتساح الذي حققه الحزب برئاسة رجب طيب أردوغان، فقد حقق الحزب نتائج اكثر مما حققه في الانتخابات السابقة في 2009 رغم كل ما تعرض له الحزب من هزات سياسية وإعلامية في قضايا الفساد التي لم يثبت شيء منها حتى الآن، وفي حجم التحالفات السياسية التي واجهها الحزب في الانتخابات وعلى رأسها تحالف حزب الشعب الجمهوري مع جماعة فتح الله كولن .  

رغم كل ذلك فقد حصل الحزب على ما يقارب 46% من الأصوات وقد فاز مرشحوه في رئاسة البلدية الكبرى في إسطنبول وأنقرة فيما لم يحصل حزب الشعب الجمهوري برئاسة كمال كليتشدار أوغلو وهو اكبر حزب معارض على اكثر من 27.9 % من الأصوات وتلاه حزب الحركة القومية بنسبة 15.16% وحزب السلام والديمقراطية بنسبة 4.02%، وبقية الأحزاب 7.36% من الأصوات المتبقية .

مما لا شك فيه ان جودة الخدمات والمشاريع المميزة في مجالات الطاقة والمواصلات والبنى التحتية التي نفذها أعضاء حزب العدالة والتنمية في البلديات والمدن الكبرى هي من أهم العوامل التي ساعدت الحزب في اقناع الجماهير بالتجديد له ولمرشحيه، لكن لا يخفى أيضا أن السياسة الخارجية لحكومة العدالة التنمية برئاسة رجب طيب اردوغان في دول المنطقة والعالم والتي اعادت تركيا الى دورها المحوري ساهمت في تعزيز رصيده لدى الجمهور التركي، وقد اكد على ذلك اردوغان عندما القى خطاب النصر ليلة اصدار النتائج من شرفة مقر حزبه في انقرة فقد ذكر في خطابه غزة وفلسطين وسوريا ومصر ورفع شعار رابعة – كما هي عادته دائما في كل خطاباته – مذكراً بأن انتصار حزبه هو انتصار لمشروعه وسياساته الخارجية في المنطقة.

في السنوات الثلاث الماضية كان الدور التركي الأبرز أقليميا في سوريا وقد تميز هذا الدور بجعل تركيا مقرأ للمعارضة السورية بكافة اطيافها السياسية والعسكرية وقد ضاقت بهم السبل في دول الجوار العربي وخصوصا بعد الانقلاب في مصر، فعلى صعيد اللاجئين لقى السوريين في تركيا وقد بلغ عددهم قرابة المليون بين مقيمين في المدن التركية ومقيمين في اكثر من 20 مخيماً على الحدود معاملة ممتازة بشهادة القاصي والداني وحصلوا على كافة الخدمة والتسهيلات، فقد حصل أبناء السوريين على فرصة التعليم المجاني في الجامعات التركية، وقد حصل كافة السوريين على تأمين صحي مجاني في مستشفيات الدولة التركية وقد اعفيت الشركات التركية من بعض الضرائب في حال توظيفها لعاملين سوريين لديها، مما جعل تركيا الدولة الأكثر استقطابا للاجئين السوريين لجودة الخدمات والتسهيلات المقدمة لهم .

وعلى الصعيد السياسي والعسكري كانت الأراضي التركية هي الأكثر أمننا للمعارضة السورية لاجتماعاتها فقد حوت مدن إسطنبول وغازي عنتاب التركية على مقرات الإئتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية وكذلك مكاتب المجلس الوطني السوري والحكومة السورية المؤقتة والكثير من الهيئات والمؤسسات السورية المعارضة والعاملة في مجال الدعم الاغاثي وتنمية المجتمع المدني السوري في المناطق التي تحت سيطرة المعارضة، هذا ولم تكن الحدود السورية التركية يوما مغلقة في وجه الجرحى من المدنيين والعسكريين القادمين من سوريا، أضف الى ذلك مجموعة من الضغوط والمواقف السياسية التركية الرسمية التي تؤيد الثورة السورية وتدعو لمحاسبة نظام الأسد على ما ارتكبه في سوريا .

على الجانب الاخر في تركيا كان للمعارضة التركية ممثلة بالحزب الجمهوري رأي اخر مما يجري في سوريا، ففي الوقت الذي كان فيه نظام الأسد يعاني من عزلة دولية اجرت قناة أولوصال وصحيفة ايدينليك التركيتان المعارضتان مقابلة مع بشار الأسد، وارسل حزب الشعب الجمهوري المعارض ثلاث نواب من البرلمان التركي لزيارة بشار الأسد وقد صرح حسن أك غول نائب في البرلمان التركي عن حزب الشعب الجمهوري من دمشق ان الشعب التركي يرفض سياسات اردوغان في سوريا متحديا بذلك سياسات الحكومة التركية تجاه الثورة السورية .

وحتى في الحملات الانتخابية قبل الانتخابات البلدية لم تخلوا خطابات المرشحين من التطرق للقضية السورية والسياسة الخارجية لحكومة العدالة والتنمية، فقد صرح مصطفى ساري غول مرشح المعارضة لبلدية إسطنبول الكبرى ان سياسات حزب العدالة والتنمية في سوريا وقدوم آلالاف السوريين الى إسطنبول قد اضر بالسياحة في المدينة التاريخية وقد تعهد في حال فوزه بالحد من تواجد السوريين في المناطق السياحية السورية، وكذلك الامر في الولايات الحدودية في غازي عنتاب واورفا وهاتاي فقد تقدم مرشحوا المعارضة بالكثير من الانتقادات لحكومة العدالة والتنمية التي سمحت بدخول مئات ألالاف المدنيين الى هذه المدن مما ساهم في رفع أسعار العقارات ومنافسة العمال السوريين للعاملين الأتراك في سوق العمل التركية .

والجدير بالذكر ان أكثر المدن والولايات تأثرا بسياسات حكومة حزب العدالة والتنمية في سوريا هي الولايات الحدودية هاتاي وغازي عنتاب وشانلي اورفا وكلس، وقد جاءت نتائج الانتخابات البلدية في هذه الولايات مخالفة لتوقعات المعارضة فقد حاز حزب العدالة والتنمية على البلديات الكبرى في شانلي اورفا وغازي عنتاب وكلس مكتسحا المعارضة هنالك وخسر في بلدية هاتاي الكبرى بفارق اقل من واحد بالمئة من الأصوات وفاز في البلديات الحدودية التي يتجمع فيها السوريين في قرخان ويلداداغي والريحانية رغم ان الأخيرة حدثت فيها تفجيرات راح ضحيتها اكثر من مئة مواطن تركي السنة الماضية وعملت المعارضة على تحميل حكومة حزب العدالة والتنمية مسؤولية تلك التفجيرات بسبب تصرفاتها في الشأن السوري .

المعنى الذي تحمله نتائج الانتخابات في هذه الولايات الحدودية هو ان الشعب التركي هنالك يصوت لمتابعة هذه السياسات في سوريا وفتح باب استقبال السوريين ومساعدتهم على مصراعيه اكثر مما هو مفتوح اصلاً، فالشعب ارسل رسالة واضحة لاردوغان في انهم يرضون بما هم فيه من ضيق في العقارات وارتفاع في الأسعار في المناطق الحدودية بسبب مئات آلالاف السوريين هنالك، ويدعمون توجهات حكومة العدالة والتنمية في تحركاتها في دعم الثورة السورية، وهذا مما لا شك فيه سينعكس بمزيد من الارتياح لدى الحكومة للتقدم خطوات إلى الامام في دعم الثورة السورية .