تواصل أنقرة خلال الأيام الماضية تعزيزاتها العسكرية على الحدود السورية

بالتزامن مع الحديث عن تحضيرات من قبل قوات النظام السوري لبدء عملية عسكرية ضد فصائل المعارضة في محافظة إدلب، تؤكد تركيا بقاءها على الحدود السورية بتعزيز نقاط المراقبة التي نشرتها في المحافظة، وعلى مدار الأيام القليلة الماضية واصلت أنقرة تعزيزاتها العسكرية، وكان آخرها إرسال وحدة القوات الخاصة المتمركزة بولاية هطاي ضمن عملية "غصن الزيتون" المتواصلة بمنطقة عفرين شمالي سوريا، إلى الشريط الحدودي.

وتبذل تركيا جهودًا كبيرة لتجنيب إدلب عملية عسكرية كبيرة يهدد بها النظام السوري منذ أسابيع ويحشد لها القوات مؤخرًا، فالمنطقة، الرابعة من مناطق خفض التصعيد وفق مسار أستانا، تحظى باهتمام تركي كبير لما تختص به من مميزات، فهي المنطقة الوحيدة التي تسيطر عليها المعارضة السورية، إضافة لتواصلها الجغرافي أو قربها من مناطق النفوذ التركية في "درع الفرات" و"غصن الزيتون"، فضلًا عن التواجد التركي الميداني في المحافظة عبر نقاط المراقبة العسكرية.  

مساعي تركية للدفاع عن آخر معاقل المعارضة

بعد حسم ملف الجنوب السوري، يحاول نظام الأسد الالتفات شمالًاً مرة أخرى وعينه على إدلب، وهو ما تصاعدت معه احتمالات تعرض مناطق خفض التصعيد في المحافظة لهجمات من نظام الأسد وحلفائه على غرار ما حدث في مناطق أخرى كالغوطة وحمص والجنوب الغربي، وهو ما ردت عليه أنقرة مرارًا بتحذيرها من حدوثه وعواقبه التي ستمتد لتؤثر على "مباحثات أستانة" حال وقوع مثل هذه الهجمات.

ركز الجيش التركي في انتشاره بإدلب على اختيار المناطق الاستراتيجية للتثبيت فيها

وعلى وقع ترقب انطلاق الحرب على إدلب، كانت أنقرة قد دفعت بتعزيزات من القوات الخاصة والآليات العسكرية إلى الوحدات المنتشرة على الحدود مع سوريا، خلال الأيام القليلة الماضية، كما أدخلت تعزيزات عسكريةً إلى نقاطها المنتشرة بمحيط إدلب، في إطار عملية "غصن الزيتون" المتواصلة بمنطقة "عفرين" شمالي سوريا.

وركز الجيش التركي في انتشاره بإدلب على اختيار المناطق الاستراتيجية للتثبيت فيها، اعتمادًا على قربها من نفوذ قوات الأسد وحليفته روسيا، أو الجغرافيا التي تشكلها من حيث الارتفاع والإطلالة العسكرية، وفقًا لوكالة الأناضول التركية. 

وتأكيدًا لبقاء تركيا في إدلب، أرسل الجيش التركي، في 18 من أغسطس/آب الحالي، تعزيزات عسكرية، تضمن الشاحنات محملة بدبابات من طراز "M60T"، والتي جرى تحديثها بعد عملية "درع الفرات" في ريف حلب الشمالي. بحسب صحيفة “ديلي صباح” التركية.

توجه القوات الخاصة التركية إلى الحدود، يتزامن مع استمرار تعزيز نقاط المراقبة من قبل الجيش التركي، والمنتشرة على حدود محافظة إدلب من ناحية، فمنذ مطلع العام الحالي، ثبت الجيش التركي 12 نقطة مراقبة عسكرية في إدلب، بدأت أولها في أكتوبر/ تشرين الأول 2017 بموجب اتفاق أستانة المعروف باتفاق خفض التصعيد، الذي أبرم بضمانة روسية وإيرانية وتركية.

يواصل الجيش التركي العمل على تقوية النقاط  العسكرية  التي بدأت من تخوم المنطقة الخاضعة لسيطرة المعارضة شمال غربي سوريا

من ناحية أخرى،  يتزامن ذلك مع حديث مصادر عديدة عن عملية عسكرية تستعد لها قوات النظام السوري على محافظة إدلب في شمال غرب سوريا، بحسب ما ذكرته وسائل إعلام النظام، وهو ما يؤكده استقدام حشود عسكرية تابعة لقوات الأسد إلى محيط المنطقة.

وعلى خلفية هذه التهديدات يواصل الجيش التركي العمل على تقوية هذه النقاط من خلال بناء مزيد من التحصينات العسكرية التي بدأت من تخوم المنطقة الخاضعة لسيطرة المعارضة شمال غربي سوريا، وتشمل أيضًا محافظة إدلب وما يتصل بها من أرياف حلب وحماة واللاذقية الواقعة تحت سيطرة المعارضة، فيما تنتشر نقاط مراقبة أخرى روسية وإيرانية في المناطق المقابلة الواقعة تحت سيطرة نظام الأسد.

الحفاظ على إدلب من تكرار سيناريو حلب   

بذريعة تحرير المنطقة من هيئة تحرير الشام، وهي التمظهر الأخير للفصائل المحسوبة على "القاعدة" في سوريا، يهدد النظام ومن خلفه الداعمين الروس بعملية واسعة على المدينة؛ لتلقى مصيرًا أشبه بالذي حدث مع حلب، وهو الأمر الذي رفضته تركيا وتواصلت بشأنه مع روسيا كثيرًا لمنع حدوثه.

عملية كهذه ترفضها تركيا وتحاول قدر الإمكان تجنبها لعدة أسباب، أولها ما ستسببه من كارثة إنسانية كبيرة بالنظر للكثافة السكانية المرتفعة، وثانيها القلق من موجات اللجوء والنزوح الكبيرة المتوقعة في حال حدوثها، والتي سيكون نصيب الأسد فيها لتركيا التي تستضيف حوالي ثلاثة ملايين منهم، ولا تريد عبئًا إضافيًّا.

تنظر تركيا دومًا إلى سوريا بوصفها قضية أمن قومي بالدرجة الأولى

لهذه الأسباب ركزت تصريحات المسؤولين الأتراك على النتائج الكارثية للحملة المفترضة على إدلب وعلى مسار أستانا، حيث قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إن بلاده تسعى إلى ضمان سلامة حوالي 4 ملايين شخص قبل انهيار وقف إطلاق النار في محافظة إدلب، وإيصال المساعدات دون عوائق، ووقف الهجمات على المنطقة.

وتريد تركيا تفادي تدفق اللاجئين، فهناك ما لا يقل عن 250 ألف سوري يمكن أن يفروا إلى تركيا، إذا بدأت دمشق هجومًا على إدلب، وهو ما دفع المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستافان دي ميستورا للتحذير من مصير 3 ملايين شخص في محافظة إدلب، مشيراً إلى "أن هناك رسائل متبادلة بين أطراف دولية حول احتمال بدء معارك في إدلب".

وبحسب صحيفة "حريت" التركية، فإن أجهزة الاستخبارات التركية أوصت الحكومة التركية، في أحد التقارير الجديدة، بإبقاء اللاجئين في "مناطق آمنة" في شمال سوريا على طول الحدود التركية. وفي تقرير آخر، نصحت الحكومة بالتحقق بدقة من أصول جميع اللاجئين السوريين عند دخولهم تركيا للتأكد من أنهم غير مرتبطين بالجماعات الإرهابية في إدلب.

في حال شن النظام فعلًاً عملية عسكرية في المحافظة، فمن المنطقي أن طبيعة الرد التركي ستعتمد على مستوى ووتيرة هذا التدخل، خصوصًا وأنها موجودة على الأرض من خلال نقاط المراقبة العسكرية

ووسط توقعات بهجوم وشيك تستعد دمشق لشنه على المحافظة، حذر وزيرالخارجية التركي مولود جاويش أوغلو من مغبة اللجوء إلى حل عسكري في إدلب، فتركيا دومًا تنظر إلى سوريا بوصفها قضية أمن قومي بالدرجة الأولى، وعمقًا إستراتيجيًا لها، خاصة مع التطورات التي جاءت - من حيث لم تحتسب أنقرة - بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي إلى الواجهة كرقم صعب في المشهدين الميداني والسياسي، بسيطرته على نحو ثلث مساحة البلاد بدعم من واشنطن، وهو ما يثير قلق تركيا.   

أما في حال شن النظام فعلًاً عملية عسكرية في المحافظة، فمن المنطقي أن طبيعة الرد التركي ستعتمد على مستوى ووتيرة هذا التدخل، خصوصًا وأنها موجودة على الأرض من خلال نقاط المراقبة العسكرية. وبحسب الباحث السياسي المتخصص في الشان التركي سعيد الحاج، قد يكون الرد التركي عن طريق الجبهة الوطنية للتحرير تسهيلًا أو دعمًا، وقد تتدخل القوات التركية لحماية نقاط المراقبة وبعض المناطق المحاذية لها.

رسائل تركية.. "هذه المنطقة خطًا أحمر"

مع تزايد احتمالية الهجوم العسكري على إدلب تتجه الأنظار إلى السيناريوهات المحتملة لمصير المحافظة. فإدلب هي آخر أبرز معاقل الفصائل المعارضة وهيئة تحرير الشام التي تصنف على أنها "إرهابية"، كما أن هذا التصعيد العسكري يقلق الجانب التركي، خاصة وأن إدلب حدودية مع تركيا.

تصريحات وزير الخارجية  التركي تعني بكل وضوح وقوف أنقرة في وجه تنفيذ "مجزرة" جديدة في آخر معاقل سيطرة المعارضة السورية في الشمال السوري

ولم تغب قضية إدلب في القمة المشتركة التي عقدت بين وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو ونظيره الروسي سيرجي لافروف، بعدما أعرب تشاوش أوغلو عن أمله في التوصل لحل بشأن منطقة إدلب السورية، خلال مؤتمر صحافي مشترك عقد في العاصمة أنقرة، لفت خلاله إلى ضرورة تحديد "الإرهابيين" في مدينة إدلب ومحاربتهم، موضحًا أن "قصف كل أنحاء إدلب والمدنيين بذريعة وجود إرهابيين يعني القيام بمجزرة".

تصريحات الوزير التركي تعني بكل وضوح وقوف أنقرة في وجه تنفيذ "مجزرة" جديدة في آخر معاقل سيطرة المعارضة السورية في الشمال السوري بعدما أعلن نظام الأسد المدعوم من موسكو في وقت سابق وجود نية لمهاجمة إدلب لاستعادة السيطرة عليها. 

وقبيل اللقاء الأخير بين وزير الخارجية التركي ونظيره الروسي، في 24 آب/أغسطس، تكررت الرسائل التحذيرية التركية أكثر من مرة للنظام السوري ولحليفه الروسي، كما جاء على لسان أحد كبار مستشاري الرئيس التركي حينما أكد أن أنقرة لن تقف مكتوفة الأيدي في حال شن النظام هجومًا على إدلب، كما تصريحات نقلتها إذاعة "صوت أمريكا"، عن المستشار التركي الذي لم تسمه، أن "تركيا تعتبر هذه المنطقة خطًا أحمر" حيث أنها ستؤثر في عملية التسوية السياسية بسوريا ككل.   

ورغم التحالف الذي يجمع الولايات المتحدة وتركيا في "الناتو"، إلا أن البلدين يشهدان أسوأ فترة في علاقتهما على الصعيدين الدبلوماسي والعسكري، تسببت بها صفقة منظومة صواريخ الدفاع الجوي "إس 400″ التي تعتزم تركيا شراءها من روسيا.

استثمرت أنقرة وموسكو التوتر الأخير مع الولايات المتحدة للتقارب حول ملف سوريا

في المقابل، تشهد العلاقات التركية- الروسية تقاربًا و"نشوة" بعد سلسلة من الأحداث كانت تقرب البلدين من حرب وشيكة، لكن رغم أن كل من أنقرة وموسكو استثمر التوتر الأخير مع الولايات المتحدة، في تعزيز التقارب بينهما، إلا أن الساحة السورية تشكل صراعًا خلفيًا من أجل تحقيق المصالح، في ظل تبني كل بلد منهما لطرف من طرفي الصراع في سوريا.

وفي ظل حرارة التصريحات والاتهامات التي تحمل في ثناياها تهديدات، باتت سوريا منطقة الحرب الأكثر دفئًا بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وتعكسها التحركات العسكرية لكل منهما، من خلال استقدام تعزيزات غير مسبوقة وحشد وحدات قادرة على تنفيذ مهمات قتالية هجومية.  

وبالنسبة لروسيا، فإن إدلب باتت الشغل الشاغل لها على كل المستويات، فالساسة الروس يستغلون كل فرصة للترويج لما تنوي بلادهم فعله في إدلب، ويستبقونه بالتحذير من الاستخدام المحتمل للسلاح الكيماوي، بعد تحذير الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا للنظام برد مناسب ضد أي استخدام للأسلحة الكيماوية في إدلب.   

وعلى الصعيد العسكري، دفع الجيش الروسي بالمزيد من التعزيزات البحرية لتدعيم أسطوله المواجد قبالة السواحل السورية، وبررت وزارة الدفاع لدى السؤال عن هذه التعزيزات بالاستعداد للتصدي لأي استفزاز جديد في محافظات إدلب، بذريعة هجوم كيماوي مفبركة، متهمة الولايات المتحدة بمواصلة تعزيز قوتها العسكرية القادرة على إطلاق صواريخ مجنحة في منطقة الشرق الأوسط، والتي قد تستخدمها واشنطن لتوجيه أي ضربة لنظام الأسد.   

تعول تركيا كثيرًا على عامل الزمن وعلى القمة الثلاثية المقبلة في إيران، إن لم تبدأ العملية العسكرية قبلها

وبالنظر لموازين القوى العسكرية فلا يمكن لتركيا أن تدخل في مواجهة عسكرية إذا ما كان طرفها الآخر روسيا، ويزيد من حساسية الموقف الحسابات السياسية مؤخرًا في ظل الأزمة مع واشنطن بعد فرض عقوبات متبادلة بين الطرفين، وهو ما يبدو أن موسكو تستغله بشكل كبير للضغط على أنقرة في موضوع إدلب.

ولذا، تعول تركيا كثيرًا على عامل الزمن وعلى القمة الثلاثية المقبلة في إيران، إن لم تبدأ العملية العسكرية قبلها، لاجتراح حل بديل عن التدخل العسكري، لتثبت الأيام لاحقًا هل يكون حلًّا مستدامًا أو مؤقتًا لتعود بعده تهديدات النظام وروسيا أو خططهما البديلة.

 وعلى الرغم من أن التعزيزات العسكرية لقوى الولايات المتحدة وروسيا وتركيا تشكل مفارقة من ناحية تزامنها ونوعيتها وحجمها مقارنة بأخرى على مدار سنوات الحرب في سوريا، إلا أنه لم يحدث أي صدام بين تلك القوى، باستثناء حادثة إسقاط الطائرة الروسية، ما يجعل التنبؤ باحتمالية وقوع صدام بين الدول الكبرى أمرًا بهيد المنال.