أحد مداخل قصر الحمراء في إسبانيا

إذا وجدت نفسك في مكان غير مألوف تزوره للمرة الأولى، فإن أول ما تفعله حسّيّاً هو البحث عن شيء يربطك بالمكان، وغالباً ما تنظر إلى المباني المحيطة، وتتفحّص الملامح المجاورة، لتهتدي إلى ضالّتك، وهي طريقة تسلكها تلقائياً لتشكيل فكرة عن المكان، ومعرفة طبائع المجتمع فيه. بعبارة أخرى تمثّل العمارة واحدة من أهم أوعية الحضارة، ومرآةً تعكس أصدق أنباء التاريخ، تنبؤك عن ثقافة الشعوب، وهي قوةٌ خازنة للخيال والإبداع الإنساني، وتجسيدٌ ملهمٌ للمجتمعات بكل تفاصيلها وتفاعلاتها، ويُعرف هذا الإحساس الجمالي بالطابع المعماري، أو الهوية الثقافية للعمارة.

والمتمعن في النماذج العالمية الشهيرة للعمارة يجد فيها عبقاً من التاريخ، وإرثاً واسعاً من الفلسفة والثقافة، ويستشعر خلالها قيماً روحيّةً جمّة. تُبهرك عظمة الأهرامات بمصر للوهلة الأولى عند زيارتها، تخبرك عن سعة الخيال، وعبقرية المهندسين، وإعجاز البناء، وهيبة الحكام، وجبروت ملكهم، لدى مرقد الملوك تجد المدافن مشيدة بطريقة تدلل على إيمانهم بالآخرة، ويقينهم بعودة الروح والبعث من جديد، ناهيك عن ضلوعهم في علم الإدارة وفنونها، تلك التي تجمع بين براعة التخطيط، ودقة التنفيذ، وانتقاء الكفاءات، وتدبير الموارد المادية والبشرية. لقد صوّرت الأهرامات شعباً مبدعاً، قدّم للتاريخ عملاً إنسانياً فريداً، وصنع بعقله معجزة معمارية.

كنت قبل سنوات في زيارة لمدينة القيروان بتونس، وقفت مشدوهاً في جامع القيروان الكبير وتسمّرت عيناي وأنا أنظر إلى مئذنته العتيقة، وجدتها تحفةً فنّية، تقاوم عوامل التعرية، ومحاولات التغريب التي طالت البلاد منذ عقود

وحينما تدخل قصور الحمراء في غرناطة، يخالجك شعور بهيبة كبيرة، فتفاصيل الجدران والأروقة والعقود والمقرنصات فيها تشي بحكايا العشق والجمال، وتوحي لك بأن الإسلام لم يكن حينئذٍ مجرد طقوس وعبادات مجردة، بل نظام حياة قائماً على المثل والقيم والأخلاق، وانتشار الفنون وازدهارها في ذلك العصر يعكس امتداد الفكر والآداب في حياة الناس، في حين تجذبك مفاتن النقوش المتقنة، والزخارف الإسلامية البديعة، وقد سُخِّرت في مشهد وجدانيٍ وعقلانيٍ معاً لإثبات وحدانيَّة الله سبحانه وتعالى، تجد كتابات تشهد "لا غالب إلا الله" تزين وحدات التصميم المتكرر فوق كل الأسطح والجدران، لتشهد بذلك على أن الله هو الغالب، وتنفي عن الإنسان أي فكرة بالزهو أو الغلو، لقد حمل كلٌ من المعماري والفنان والبنّاء إيمانهم بالله، وإسلامهم بين يديه، فحولوا مضامين الفكر الإسلامي إلى رموزَ جمالية توحي للمتأمِّل فيها بذكر قدرة الله تعالى. ولا تزال تلك القيم الفنية والروحية شاهدة على تفوق الحضارة الإسلامية وقدرتها على البقاء والصمود.

كنت قبل سنوات في زيارة لمدينة القيروان بتونس، وقفت مشدوهاً في جامع القيروان الكبير وتسمّرت عيناي وأنا أنظر إلى مئذنته العتيقة، وجدتها تحفةً فنّية، تقاوم عوامل التعرية، ومحاولات التغريب التي طالت البلاد منذ عقود، كانت تصدح برسالة السماء، وتقدم خطاباً توحيدياً فريداً، تشعر بالأمن والسكينة أسفل قبّة الجامع، وترى مناجاة الخالق في محرابه، وصلة المخلوق بالخالق في فنائه، رأيت تعبيراً فيزيائياً ملموساً للمؤمنين، يفتح الوجدان ويلامس الروح، ويتجسّد فيه الانتماء الروحي لخالق الأرض والسماء، رب الشعرى سبحانه.

هذه ليست قصصاً عابرة، بل هي نتاج إنساني، وإبداع فكري، وموروث حضاري، اتّسعته العمارة في تجلياتها المتنوعة وسلوكها الدقيق، لتعكس منظومة من القيم الاجتماعية والدينية والروحية لمن عايشوا تلك العصور، وتُظهر نُبلَهم، وصفاءَ سريرتهم، ونقاءَ نفوسِهم، وطهارةَ قلوبِهم، وقد جاءوا من البِيد والفيافي، عاشت الفكرة في قلوبهم، فتحوّلت عواطفهم إلى صروحٍ معمارية خالدة، تصدح بهوية المكان، وتعبِّر عن خطابِ المجتمع ورؤيته، ولا زلنا حتى يومنا هذا نستمتع بقيمها الجمالية، ونتغنّى بالمفردات الثقافية التي أنتجتها كلُّ حقبةٍ تاريخيةٍ فيها.

الحق أن المهندس المعماري يتحمل مسؤولية كبيرة، تتعدى نطاق ممارسته للمهنة، فعليه أن يكون خلّاقاً كالطبيعة، يستعمل قدراته في التفكير الناقد للتأثير على المجتمعات

من الجدير ذكره أن عدداً من بلاد الدول العربية والإسلامية شهدت تحولات اجتماعية وثقافية، نتيجة ازدهارها الاقتصادي، وانجرافها نحو العولمة، الأمر الذي أثّر على جوانب الحياة كافّةً، ومن ضمنها البيئة العمرانية، وذلك باستيراد تكنولوجيا البناء، والشكل الخارجي للعمارة، دون مراعاة لعوامل البيئة المحلية، الأمر الذي أدى إلى ذوبان شخصية العمارة التقليدية، واستبدالها بعمارة الحداثة وما بعدها، مما أفقد العمارة كنهها وروحها، وتأثيرها في الحفاظ على قيم المجتمعات في تلك البلدان. وفي تقديري الشخصي لا يختلف هذا الأمر كثيراً عن محاولات سلطات الاحتلال الإسرائيلي اغتيال الشواهد التاريخية للعمارة الفلسطينية المتجذرة في مدينة القدس وغيرها من القرى الأصيلة، عبر محاولات طمس معالم الهوية الحضارية العربية والإسلامية لمدينة القدس ومكوناتها المعمارية، لتبقى صامدة مُقاوِمةً، عصيّة عن الزوال.

والحق أن المهندس المعماري يتحمل مسؤولية كبيرة، تتعدى نطاق ممارسته للمهنة، فعليه أن يكون خلّاقاً كالطبيعة، يستعمل قدراته في التفكير الناقد للتأثير على المجتمعات، عبر نشر الوعي، للحفاظ على الهوية الثقافية والاجتماعية للمكان، وكذلك الاهتمام بقضايا البيئةِ، ومفاهيم الاستدامة، فضلاً عن دوره في تنمية الذوق العام للمجتمع، والتوجيه العاطفي المباشر، عبر إبراز القيم الجمالية، المستمدة من الموروث الثقافي والاجتماعي، والتواصل مع الهيئات والمنظمات التي يمكن أن يكون لها دور في الحفاظ على خصوصية الهوية الثقافية، وتقديم الوجه الحقيقي للحضارة، وإبراز جوهر قيمنا الفكرية، والاعتزاز بموروثنا العريق. وإن غياب دور المعماري في ظل هذه المتغيرات سيكون له آثارٌ سلبية على العمارة، أشبه ما تكون كالموسيقى بلا صوت.