لا شك أن ما أفرزته الانتخابات التشريعية الباكستانية الأخيرة من نتائج سيكون له ارتدادات محلية ودولية، لما تحمله من ملامح تغيير واضحة في سياسات الدولة النووية الآسيوية على مختلف الأصعدة لا سيما علاقاتها الخارجية مع دول الجوار التي ستحتل الصدارة في هذا التغيير.

الانتخابات في ضوء ما أسفرت عنه من نتائج عززت وبشكل كبير الخيبات السياسية المتتالية للسعودية داخل القارة الآسيوية، فلم تكد تستفق بعد من خسارة حليفها الماليزي نجيب عبد الرازق - الذي اُعتقل بتهم فساد - أمام خصمها السياسي مهاتير محمد في الانتخابات التي جرت مؤخرًا في ماليزيا، حتى استيقظت على صفعة جديدة بفوز عمران خان رئيس حزب "الإنصاف" على الأغلبية البرلمانية ورئاسة الحكومة الباكستانية مطيحًا بحليف الرياض نواز شريف المسجون هو الآخر بتهم فساد.

ورغم مبادرة القيادة السعودية، ملك وولي عهد، بتهنئة رئيس الحكومة الباكستاني الجديد، فإن عددًا من المراقبين ذهبوا إلى أن العلاقات المتأرجحة بطبيعتها بين الرياض وإسلام أباد ستشهد تحولات خلال المرحلة المقبلة في عهد رئاسة خان للحكومة الباكستانية، خاصة في ظل تعارض توجهاته حيال بعض الملفات مع الوجهة السعودية على رأسها الحرب في اليمن، وهو ما يضع العديد من السيناريوهات عن شكل العلاقة بين الطرفين خلال السنوات القادمة.

الجمعة الماضية، توجه وزير الإعلام السعودي عواد بن صالح العواد، في زيارة هي الأولى لمسؤول سعودي لإسلام أباد بعد فوز خان، التقى فيها نظيره الباكستاني فؤاد حسين شودري، تباحثا خلالها العلاقات الثنائية وسبل دعمها وتطويرها في مختلف المجالات، ما أثار الكثير من التساؤلات عن دوافع الزيارة ودلالاتها في وقت تعاني فيه المملكة من ضغوط داخلية وخارجية تدفعها إلى إعادة نظر في خريطة تحالفاتها التي تعاني من تأرجح خلال السنوات الأخيرة.

فتح صفحة جديدة

تسعى الرياض إلى فتح صفحة جديدة من العلاقات الثنائية مع إسلام أباد عبر توطيد العلاقة مع حكومة خان المعينة مؤخرًا، هذا ما أعرب عنه وزير الإعلام السعودي خلال لقائه بنظيره الباكستاني الذي أشاد بدوره بعمق العلاقات التي تربط بلاده مع المملكة ووصفها بالإستراتيجية، لافتًا إلى أنها ستشهد مزيدًا من القوة والمتانة مستقبلاً.

الزيارة عزاها البعض إلى حرص السعودية على تجنب تقليص نفوذها داخل الدولة النووية الكبرى خاصة بعد توتر العلاقات مؤخرًا في أعقاب رفض البرلمان الباكستاني مشاركة جيش بلاده ضمن قوات التحالف في اليمن، ورغم ذلك تتمسك المملكة بعلاقاتها القوية مع حلفائها التقليديين (الجيش وحزب الرابطة الإسلامية وحزب الشعب الباكستاني).

رغم هذا الخلاف مع شريف فإن السعودية كانت تعتبره وحزبه "الرابطة الإسلامية" حليفين مأمونين في ظل التحولات السياسية، ومن ثم فإن صعود شخصيات أخرى وأحزاب تتبنى خيوطًا سياسية مختلفة ربما يهدد نفوذ الرياض داخل الدولة الإسلامية النووية

شودي في تصريحاته على هامش اللقاء الذي جمعة ونظيره السعودي قال إن بلاده "لن تسمح لأي جهة كانت بالمساس بالحرمين الشريفين وأمن وسيادة المملكة"، مشددًا على أن أي اعتداء على المملكة العربية السعودية يعد اعتداءً على باكستان، وهي التصريحات التي فسرها البعض بمغازلة متبادلة بين الطرفين، تحكمها المصالح التي تحددها أجندة كلتا الدولتين.

وزير الإعلام الباكستاني لفت إلى أن "رؤية المملكة 2030 تعد بكل المعايير نقلة نوعية في التفكير السياسي السعودي الناضح"، مؤكدًا أنها "ستقود العالم الإسلامي خصوصًا إزاء منهجية الإسلام الوسطي وتكريس قيم التسامح والتعايش السلمي"، وتابع: "العالم ينظر باحترام وتقدير كبيرين لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي أصبح مثالاً لجيل الشباب في العالم الإسلامي وزعيمًا ملهمًا في المحيط العالمي" على حد قوله.

وعلى هامش الزيارة التقى العواد كذلك مع قائد الجيش الباكستاني الجنرال قمر جاويد باجوه، فيما عقد سفير السعودية لدى باكستان، نواف بن سعيد المالكي، اجتماعًا مصغرًا مع وكيل وزارة الدفاع الباكستانية الجنرال المتقاعد إكرام الحق، وذلك بمقر وزارة الدفاع الباكستانية في مدينة راولبندي، تباحثا خلاله مستقبل العلاقات بين جيشي البلدين، بجانب تهنئته بمنصبه الجديد.

أول زيارة لوزير سعودي لباكستان بعد تنصيب خان رئيسًا للحكومة 

خان.. قلق سعودي

لم تكن علاقة المملكة مع رئيس الحكومة الباكستانية السابق نواز شريف، خلال الفترة الأخيرة، على نفس الوتيرة التي كانت عليها في السابق، إذ شهدت بعض الخلافات بشأن الموقف من الأزمة الخليجية ورفض إسلام أباد الانجرار خلف تصعيد السعودية وحلفائها ضد قطر، كذلك عدم انخراطها بشكل كامل في الحرب ضد الشعب اليمني على خلفية الرفض البرلماني.

ومع ذلك ورغم هذا الخلاف مع شريف فإن السعودية كانت تعتبره وحزبه "الرابطة الإسلامية" حليفين مأمونين في ظل التحولات السياسية، ومن ثم فإن صعود شخصيات أخرى وأحزاب تتبنى خيوط ًاسياسية مختلفة ربما يهدد نفوذ الرياض داخل الدولة الإسلامية النووية، وهو ما حدث بالفعل مع صعود عمران خان الذي جاء فوزه بمثابة الصدمة للسعوديين.

في أبريل/نيسان 2015 أنهى خان مقاطعته لبرلمان بلاده التي استمرت قرابة 7 أشهر، في أعقاب سعي رئيس الحكومة إلى مشاركة قوات باكستانية في التحالف السعودي ضد اليمن، وهو ما اعترض عليه بشدة حينها، طالبًا من أحزاب المعارضة في بلاده التوحد في مواجهة مخطط الزج بالجيش الباكستاني في حرب لا فائدة منها، وحتى لا يتفرّد الحزب الذي يتزعمه شريف بالقرار.

الرياض لا يمكنها أن تضحي بعلاقاتها مع دولة بحجم باكستان في ظل حاجتها الشديدة لها خلال المرحلة المقبلة في ظل تعدد جبهات المواجهة والخلاف مع دول المنطقة

وبالفعل أسفرت تلك الضغوط السياسية الداخلية التي قادها خان عن فشل حكومة حليف السعودية "شريف" في الحصول على موافقة برلمانها للتدخل العسكري في اليمن، ليصدر قرارًا يدعم فيه الجهود الرامية إلى إنهاء الأزمة اليمنية بالطرق السلمية فقط، مانعًا الحكومة من نشر وحدات عسكرية في الحرب اليمنية.

تغريد خان خارج السرب السعودي لم يتوقف عند حاجز رفض المشاركة ضمن قوات التحالف في اليمن فحسب، بل عارض وبشدة فكرة إرسال قوات باكستانية إلى السعودية بذريعة التدريب وتقديم الخبرات للجيش السعودي، خشية أن تكون تلك الخطوة التفافًا على قرار البرلمان الباكستاني الرافض للمشاركة في أي حرب خارجية.

السيرة الذاتية لرئيس حكومة باكستان الجديد ربما لم تلق ترحيبًا من السعوديين خاصة بعد المواقف السابقة التي كشفت حجم الخلاف الكبير بين الطرفين، وهو ما كشفته التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام السعودية للانتخابات البرلمانية التي فاز فيها، وهو ما يستدعي التساؤل بشأن مستقبل العلاقات السعودية الباكستانية في عهد عمران خان.

3 محددات تحكم العلاقة

الرياض لا يمكنها أن تضحي بعلاقاتها مع دولة بحجم باكستان في ظل حاجتها الشديدة لها خلال المرحلة المقبلة في ظل تعدد جبهات المواجهة والخلاف مع دول المنطقة، لا سيما ما يتعلق بإمكانية الحصول على السلاح النووي إذا دعت الضرورة لذلك، وفي المقابل تسعى إسلام أباد إلى تعميق العلاقات مع المملكة نظرًا لحاجتها الشديدة إلى المال السعودي وتنويع مصادر الدعم والتمويل للدولة التي تعاني من أزمات اقتصادية طاحنة.

حاجة كل دولة إلى الأخرى رغم الخلاف بينهما حيال بعض الملفات دفع كل منهما إلى مغازلة الأخرى وطي صفحة الماضي رويدًا، وهو ما تجسده بعض المواقف السياسية الأخيرة على رأسها دعم إسلام أباد لقرار تعليق الرياض الصفقات التجارية مع كندا وطرد السفير الكندي لدى المملكة، إذ دافعت الحكومة الباكستانية عن إجراءات السعودية ووجهت انتقادات حادة لكندا.

تحت عنوان "خان مندوب "قم" في إسلام أباد" نشرت صحيفة عكاظ السعودية تقريرًا لها بتاريخ 10 من يناير 2016 أعربت فيه عن قلق الرياض من الصعود السياسي للاعب الكريكيت السابق، كما وجهت له تهم تأليب الشارع الباكستاني ضد المملكة والعمل ضد مصالحه

كما أشادت السلطات الباكستانية بحملة ولي العهد السعودي لمكافحة الفساد التي تعرضت لانتقادات واسعة من مراقبي حقوق الإنسان باعتبارها وسيلة للضغط على المنافسين السياسيين، وكان ذلك بعد أيام قليلة من دعم موقف الرياض حيال كندا، وفي المقابل وافق البنك الإسلامي للتنمية السعودي على تقديم قرض بقيمة أربعة مليارات دولار لإسلام أباد، ما أدى إلى تهدئة أزمة ميزان المدفوعات المتفاقمة في باكستان، ما اعتبره مراقبون دفعًا لتعزيز الثقة بين البلدين، غير أن المرحلة المقبلة من العلاقات ستكون أسيرة 3 محددات رئيسية.

أولاً: العلاقات مع إيران

منذ عام 2016 دأب خان وحزبه "الإنصاف" على إطلاق تصريحات إيجابية عن إيران، لافتًا إلى أن بلاده لا ينبغي أن تصبح جزءًا من أي تحالف ولا أن تنخرط في أي حرب بالوكالة ضد طهران، مضيفًا أن أحد أطراف الصراع، في إشارة إلى الرياض، كان صديقًا مقربًا من باكستان، والطرف الآخر، هو جار، في إشارة إلى طهران.

ومن هنا كان أول ما يقلق السعوديين من خان عقب إعلان فوزه ما يتعلق بعلاقته القوية مع إيران، إذ أكد في أول خطاب له بعد الانتخابات أن الحكومة المستقبلية لحزبه ترغب في تعزيز وتطوير العلاقات مع الدول المجاورة، بما في ذلك الجمهورية الإيرانية، مشددًا أكثر من مرة على أهمية علاقات بلاده مع طهران.

خان سيكون تحت ضغوط كبيرة إذا قرر التخلي عن أي من حليفي بلاده، إيران والسعودية، فمصالح باكستان تقتضي الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات الطيبة بالبلدين

تحت عنوان "خان مندوب "قم" في إسلام أباد" نشرت صحيفة عكاظ السعودية تقريرًا لها بتاريخ 10 من يناير 2016 أعربت فيه عن قلق الرياض من الصعود السياسي للاعب الكريكيت السابق، كما وجهت له تهم تأليب الشارع الباكستاني ضد المملكة والعمل ضد مصالحها هناك في مقابل تعزيز المصالح اليمنية، لافتة إلى أنه أحد أكبر المحرضين ضد الحرب التي تشنها قوات التحالف بقيادة السعودية في اليمن.

بعض الأصوات داخل السعودية تخوفت من تأثير العلاقات القوية التي تربط بين رئيس حكومة باكستان الجديد وإيران على العلاقات مع المملكة، غير أنه ونظرًا إلى الدور السعودي في دعم إسلام أباد اقتصاديًا ونفوذ الرياض السياسي التقليدي بين كثير من الأحزاب السياسية، ليس من الحكمة والمصلحة أن يفتح عمران خان النار على المملكة، ولكن في الوقت نفسه ذهب البعض إلى احتمالية تقليص دورها في كثير من مراكز القرار السيادية الباكستانية، خصوصًا في الخارجية والدفاع والداخلية والأمن.

بخسارة نواز شريف فقدت السعودية حليفها القوي في باكستان

ثانيًا: الهند ورقة ضغط سعودية

في المقابل تمتلك الرياض ورقة ضغط قوية ضد إسلام أباد، تلك المتعلقة بعلاقاتها القوية بالهند، الخصم اللدود للدولة الباكستانية، التي تحسنت بشكل كبير منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وهو ما ترجمه قيام رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بزيارتين رسميتين للمملكة منذ توليه منصبه عام 2014.

التقارب السعودي الهندي أسفر عن زيادة في حجم التعامل الاقتصادي بين البلدين وتعزيز القدرات الهندية في العديد من مجالات التعاون وهو ما انعكس بصورة سلبية على باكستان، ما دفع عدد من صناع القرار هناك بالإعراب عن قلقهم حيال هذا التقارب حيث اتهموا نيودلهي بالسعي إلى تقويض قوة العلاقة بين باكستان والسعودية، بحسب تقرير نشره موقع "thediplomat" أغسطس الماضي.

ثالثًا: المصالح المشتركة

تشير التقارير إلى أن خان سيكون تحت ضغوط كبيرة إذا قرر التخلي عن أي من حليفي بلاده، إيران والسعودية، فمصالح باكستان تقتضي الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات الطيبة بالبلدين، وهو ما دفع إسلام أباد خلال الفترة الأخيرة إلى الوقوف على مسافة واحدة من الرياض وطهران فيما يتعلق بالملفات الحساسة بينهما.

وتعزيزًا لهذا التوجه فقد أعلن رئيس الحكومة الجديد عن زيارة السعودية وإيران كأول بلدين يقوم بزيارتهما رسميًا بعد فوزه في الانتخابات الأخيرة، وبحسب ما نقلت "سبوتنيك" عن موقع "تايمز إسلام أباد" الباكستاني، فإن طهران ستكون الوجهة الأولى للزيارة تليها الرياض مباشرة، على أن يكون ذلك في سبتمبر الحاليّ.

وفي المقابل تفرض الظروف والمستجدات الإقليمية على كل من الرياض وطهران الحفاظ على العلاقات مع إسلام أباد أيًا كان مستواها، فلا يمكن لأحد التنبؤ في الوقت الراهن إلى أي المعسكرين سينحاز خان، غير أن المؤكد أنه سيوظف الجبهات المفتوحة على حليفيه لصالح بلاده، إما بالحصول على تمويل مالي ينقذ ما يمكن إنقاذه أو بالدعم السياسي اللوجيستي الذي يقوي مكانة بلاده واستقرارها في ظل الصراعات الحدودية التي تشهدها.