سنوات 6 على تأسيس "نداء تونس" عمود الأحزاب الحاكمة في البلاد، كانت كفيلة بأن ترينا صعود حزب فتي إلى الواجهة السياسية في تونس بسرعة البرق، وكيفية تحكمه في مفاصل الدولة وسيطرته على الرئاسات الـ3 (الحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية)، كما أنها كانت كفيلة أيضًا أن ترينا سقوط نفس الحزب في الهاوية ونشهد تراجع مكانته إلى الحضيض قبل أن يعقد مؤتمره الانتخابي الأول.

خلال هذه السنوات الـ6 رأى التونسيون العجب العجاب في هذا الحزب الذي أسسه رئيس البلاد الباجي قائد السبسي ويسعى نجله حافظ إلى وراثته، من التراشق بالحجارة إلى الاشتباك بالعصي والأيدي خلال الاجتماعات الداخلية إلى الاستقالات الفردية والجماعية والانشقاقات، وصولًا هذه المرة إلى تجميد عضوية رئيس الحكومة المنتمي سياسيًا إليه.

تجميد عضوية الشاهد

في خطوة منتظرة قرر حزب نداء تونس الحاكم أمس الجمعة تجميد عضوية رئيس الحكومة يوسف الشاهد في صفوف الحزب، ويأتي تجميد عضوية الشاهد بعد رفضه الإجابة عن استجواب داخلي للحزب يتهمه فيه بالخروج عن الخط الحزبي.

وكانت الهيئة السياسية للـ"النداء" عقدت الأربعاء اجتماعًا مغلقًا، انتهى بمنح يوسف الشاهد مهلة لا تتجاوز 24 ساعة للإجابة عن 4 أسئلة تتعلق بعلاقته بالحزب وأسباب عدم تلبيته لطلب الرئيس الباجي قائد السبسي التوجه للبرلمان لنيل ثقته، فضلًا عن علاقته بحركة "النهضة".

يعتبر هذا القرار حلقة جديدة من مسلسل الصراع بين الشاهد ونجل السبسي الذي بدأت أولى حلقاته مع انطلاق الحرب على الفساد

تضمن الاستجواب كذلك أسئلة عن مدى مسؤوليته عن الاستقالات الأخيرة في نداء تونس، وعن مشروعه السياسي الجديد وعلاقته بكتلة الائتلاف الوطني المكونة من نواب مستقلين من النداء و"مشروع تونس" لصاحبه محسن مرزوق.

وكان الشاهد قد قال ساعات قليلة قبل صدور قرار تجميده من النداء إنه لا يملك الوقت للاهتمام بهذا الأمر حاليًّا، معتبرًا أن الصراعات السياسية في البلاد شـوشت على عمل حكومته وعطلت مسيرة الإصلاح واتخاذ الإجراءات الضرورية لتحقيق التقدم الاقتصادي لتونس.

وقال خلال افتتاحه لندوة عن مشروع قانون المالية لعام 2019 إنه رغم الضجيج السياسي في البلاد الذي يشوش على عمل الحكومة ورغم ضعف الدعم السياسي لها "فإنها ماضية قدمًا في الإصلاحات الاقتصادية خلال العام المقبل ومن بينها إصلاح الدعم والصناديق الاجتماعية".

السبسي والشاهد.. صراع متواصل

قبل يومين قال الرئيس التنفيذي لنداء تونس حافظ قائد السبسي في تصريح إذاعي إن ما يحدث في الساحة السياسية طبيعي وعادي، نافيًا وجود صراع بينه وبين رئيس الحكومة يوسف الشاهد، ومؤكدًا أن الإشكال القائم بينهما يتمثل في اختلاف الرؤى وعدم تطابقها.

تصريح السبسي الابن كان الغرض منه، وفقًا لعدد من المحللين، التقرب من الشاهد واستمالته للرجوع لبيت الطاعة وإعلانه انتمائه لنداء تونس وعدم الخروج عن طواعية الأب المؤسس للحزب "الباجي قائد السبسي"، إلا أن محاولته باءت بالفشل.

فشل هذه المحاولة كانت سببًا في هذا التصعيد من حافظ والمحيطين به، ويؤكد قرار التجميد احتدام الصراع بين رئيس الحكومة ونجل الرئيس التونسي حافظ قائد السبسي الذي يشغل منصب المدير التنفيذي لحزب نداء تونس.

ويعتبر هذا القرار حلقة جديدة من مسلسل الصراع بين الشاهد ونجل السبسي الذي بدأت أولى حلقاته، مع انطلاق الحرب على الفساد التي أعلنها رئيس الحكومة التونسية في الـ23 من مايو/أيار سنة 2017، حينها اعتبرت بعض قيادات النداء أن الحرب انتقائية وموجهة لحزبهم، ذلك أن أول الموقوفين في الحملة وأبرزهم كان رجل الأعمال شفيق جراية أكبر ممولي الحزب.

ويتهم السبسي الابن يوسف الشاهد باستهداف ممولي الحزب وجناحه المالي للترويج لشخصه على حساب الحزب، كما يتهمه بالتمرد على نداء تونس وعدم الانضباط لمقرراته، وكان حافظ قد اتهم في أحد الاجتماعات الحزبية الداخلية رئيس الحكومة بتوظيف أجهزة الحكم ومستشاريه وبعض وسائل الإعلام المحلية لتشويه حزب نداء تونس لخدمة غايات وأجندات انتخابية سابقة لأوانها وغير مشروعة.

باتت الكتلة الجديدة الثالثة عدديًا بعد النهضة بـ68 نائبًا وكتلة نداء تونس بـ45 نائبًا

قبل أشهر دشن السبسي الأب والابن حملة لإقالة الشاهد أو استقالته بدعوى إخفاقه في إنعاش الاقتصاد المنهك ووصول المؤشرات الاقتصادية إلى مستويات "كارثية"، بالتوازي مع بحثهم عن ربان جديد لرئاسة الحكومة، على أن تكون شخصية ندائية تلتزم بعدم الترشح للانتخابات المقبلة في العام 2019، وتحظى بثقة حافظ قائد السبسي المدير التنفيذي لحزب نداء تونس.

في مقابل ذلك يتهم يوسف الشاهد نجل الرئيس الباجي قايد السبسي بالوقوف وراء حملة المطالبة بإقالته، وبتدمير الحزب الحاكم نداء تونس وتصدير أزمة الحزب إلى مؤسسات الدولة ما أثر عليها سلبًا.

ويرى الشاهد أن أزمة النداء أثرت على مؤسسات الدولة، حيث تسربت إلى مفاصل الدولة وأصبحت تهدد المسار الديمقراطي والتوازن السياسي في تونس، معتبرًا أن وجود القيادة الحاليّة على رأس حزب نداء تونس خطر على المشروع المجتمعي للبلاد.

تحولات سياسية جديدة.. الشاهد يحصن نفسه

هذا الصراع المحتدم بين الطرفين عجل بانهيار نداء تونس وتراجع مكانته، فمع افتتاح العام الأخير من ولاية البرلمان التونسي قبل انتخابات 2019، سيكون مجلس النواب مختلفًا تمامًا عما أنتجته انتخابات أكتوبر 2014، وسيعكس الوجه الجديد للبرلمان عند افتتاح دورته في 2 من أكتوبر/تشرين الأول المقبل عمق التحولات السياسية التي شهدتها تونس مؤخرًا.

تراجع دعم النداء للشاهد لن يكون له تأثير كبير في البرلمان، فهناك قوة برلمانية جديدة داعمة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد، تشكلت حديثًا وسترى النور في مجلس نواب الشعب قريبًا لتكون ثالث أكبر كتلة في البرلمان حتى الآن.

وتشكلت الكتلة من اندماج حزب "الوطني الحر" و"الكتلة الوطنية" (مستقيلون سابقون من نداء تونس ومشروع تونس) ومن مستقيلين من حزب "آفاق تونس" ومستقيلين حديثًا من نداء تونس، ليبلغ عدد نوابها حتى الآن 41 مع توقع انضمام آخرين إليها.

الشاهد يؤسس كتلة برلمانية جديدة لدعمه

باتت الكتلة الجديدة الثالثة عدديًا بعد النهضة بـ68 نائبًا وكتلة نداء تونس بـ45 نائبًا، وتأتي بعدها في الترتيب كتلة الجبهة الشعبية بـ15 نائبًا، ثم كتلة الحرة لمشروع تونس بـ14 نائبًا، وكتلة الولاء للوطن بـ12 نائبًا والكتلة الديمقراطية بـ12 نائبًا أيضًا.

واستنكر نداء تونس في بيان ما وصفه بـ"إقدام رئيس الحكومة يوسف الشاهد على استقبال مجموعة من نواب كتلة نداء تونس في مقرات الدولة في قصر الضيافة بقرطاج، ليطلب منهم الاستقالة من كتلة نداء تونس والالتحاق بكتلة الائتلاف الوطني"، وندد الحزب بما اعتبره ممارسات تؤكد أن رئيس الحكومة الحاليّ يضع الاهتمام بالمناورات السياسية وشق وحدة الأحزاب والكتل البرلمانية في صدارة اهتمامه وشغله عوض التركيز على مشاكل البلاد المتراكمة.

واعتبرت قيادة نداء تونس في ردها على الاجتماع أن تلقي رئيس الحكومة لتواقيع عدد من النواب الذين اختاروا الاستجابة لضغوطه في مقرات الدولة التونسية، يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن المعني بالأمر قد رهن الحكومة والأدوات التنفيذية للدولة لخدمة مشروعه السياسي الشخصي في استهتار كامل بمصلحة الدولة وحساسية الظرف الذي تعيشه البلاد.

الإطاحة بالشاهد.. مسألة شخصية

يرى العديد من المراقبين أن إصرار السبسي الأب والابن على الإطاحة برئيس الحكومة يوسف الشاهد رغم ما حققته حكومته من إنجازات وإن كانت قليلة ومعارضة جهات عديدة لهذا التمشي، يؤكد تحول القضية إلى قضية شخصية.

ويصر حافظ قائد السبسي الرئيس التنفيذي للحزب ونجل الرئيس التونسي على الإطاحة بالحكومة التي يقودها يوسف الشاهد رغم حساسية الأوضاع التي تمر بها البلاد، وترى قيادات في النداء أن هذا السعي المحموم للإطاحة بالحكومة مهما كلف الأمر سيعكر أوضاع البلاد المتردية أصلًا جراء الأزمة الاقتصادية.

ترى قيادات في النداء أن حزبهم كان منذ البداية حاملًا لأسباب انقسامه

بالتوازي مع استقالتهم من كتلة النداء، حمّل المستقيلون الـ8 حافظ قائد السبسي المسؤولية المباشرة في تدمير الحزب، من خلال استفراده بالرأي وإقصاء القيادات المؤسسة له والتعامل مع الحزب كملكية خاصة، وليس كهيكل سياسي ديمقراطي.

ويؤكد متابعون للشأن السياسي في تونس أن حافظ السبسي يرى في الشاهد منافسًا وليس زميلًا له في الحزب، لذلك وجب الوقوف أمامه ووضع حد لنشاطه الحزبي والسياسي وإرجاعه لبيت الطاعة خاصة بعد ارتفاع أسهم يوسف في الفترة الأخيرة وتصدره قائمة الشخصيات السياسية التي يثق فيها التونسيين، وتمكنه من استقطاب شق واسع من النواب وأنصار النداء.

استقالات متتالية والسبب حرب زعامات

لإن كان السبب المعلن للاستقالات الأخيرة في النداء محاولة السبسي الابن التفرد بالحكم وسعيه المتواصل لإقالة الشاهد من منصب رئاسة الحكومة، فإن العديد من الخبراء في تونس يرون أن هذه الاستقالات امتداد لاستقالات سابقة ناتجة عن حرب التموقع في الحزب.

ويرى هؤلاء الخبراء أن الاستقالات المتكررة داخل حركة نداء تونس منذ عام 2015 جاءت نتيجة صراع المواقع، فكل طرف يسعى لضمان موقع قوي في الحزب يمكنه من موقع أقوى في الدولة والحكومة، فلا رابط بين قيادات الحزب سوى حب السلطة.

تتهم قيادات النداء حافظ السبسي بالاستيلاء على الحزب

يقول محللون إن التقاء هذه الشخصيات صيف 2012 في مشروع يعارض حكم النهضة ويسعى إلى إبعاد الحزب الإسلامي عن الحكم، لم يشفع لهم البقاء كتلة واحدة، فالنهضة عرفت كيف تتحكم بالعملية السياسية في البلاد وفي هذا الحزب رغم حصولها على المرتبة الثانية في انتخابات 2014

وتأسست حركة نداء تونس عام 2012 بزعامة الرئيس الباجي قائد السبسي الذي استطاع تجميع شخصيات ذات مرجعيات مختلفة منتمية للدستوريين والتجمعيين والنقابيين واليساريين والمستقلين لخلق توازن سياسي مع حزب النهضة.

وترى قيادات في النداء أن حزبهم كان منذ البداية حاملًا لأسباب انقسامه في ظل تأخر عقد مؤتمره الانتخابي الأول وغياب هيكلة قانونية له، فبمجرد انتقال زعيمه السبسي لرئاسة الدولة أصبح الحزب مرتعًا للصراعات الشخصية، فقد ابتعد عنه "الزعيم" الذي يجمع الجميع حوله رغم الاختلافات.