محمد الحلبوسي رئيس البرلمان العراقي لدورته الرابعة

بعد مخاض عسير اجتمع مجلس النواب العراقي لدورته الرابعة يوم أمس السبت لانتخاب رئيس له، وتقدم عدد من الشخصيات البرلمانية لشغل المنصب حصرًا من السنة العرب ليقرر بعدها تحديد 3 أسماء أساسية وهم: وزير الدفاع السابق خالد العبيدي ونائب رئيس الجمهورية السابق أسامة النجيفي ومحافظ الأنبار السابق محمد الحلبوسي، ليفوز الأخير بالرئاسة بـ169 صوتًا مقابل 89 لمنافسه الأقرب العبيدي.

عملية انتخاب الحلبوسي ألقت بظلالها على واقع العملية السياسية واستمرار نظام المحاصصة في الترشح للمناصب كعرف في العملية السياسية بتولي عربي سني رئاسة البرلمان وعربي شيعي رئاسة الوزراء بينما يكون منصب رئاسة الجمهورية للأكراد.

منذ بداية القرن الماضي ومع انهيار الدولة العثمانية كان هاجس التمثيل السياسي للمكونات في المجتمع العراقي يلاحق تشكيل الدولة العراقية

هذا العرف المنبوذ مجتمعيًا انتقده صاحب الكتلة الفائزة في الانتخابات مقتدى الصدر، وكذلك حذرت منه مرجعية النجف عبر وكلاء المرجع الشيعي علي السيستاني وتظاهر ضده العراقيون طوال السنوات السابقة باعتباره أحد أسباب فشل الواقع السياسي في البلاد؛ الأمر الذي يجعلنا نحاول العودة للوراء لفهم قوة هذا الواقع الذي لم يستطع أحد القفز عليه ما بعد 2003.

العراق والمحاصصة.. لمحة تاريخية

منذ بداية القرن الماضي ومع انهيار الدولة العثمانية فإن هاجس التمثيل السياسي للمكونات في المجتمع العراقي كان يلاحق تشكيل الدولة العراقية الحديثة، وقد تغلب البريطانيون حينذاك باختيار شخصية هاشمية لحكم العراق يتوافق عليها السنة والشيعة كونها من آل بيت النبوة فيوافق التمثيل الشيعي وهو سني فيوافق تمثيل أهل السنة في العراق، هذه المعادلة ضمنت إلى حد ما تمثيل عراقي يتجاوز مفهوم المحاصصة والهويات الفرعية، وذكر ذلك الملك فيصل الأول في مذكراته عن الشعب العراقي وانقسام هويته.

هذا التوافق والتمثيل الشامل انتهى بعد الإطاحة بالملكية في العراق وتحولها لجمهورية، وبقي هاجس تمثيل مكونات الشعب العراقي بشقي السنة والشيعة يطارد ساسة العراق حتى أكثرهم قوة وسطوة، وقد تبين ذلك في خطاب لصدام حسين مطالبًا بعمل استفتاء يترشح فيه عن شيعة العراق فقط وأنه سوف يجلب الثلثين من أصوات الشيعة في تحدٍ للخميني في ثمانينيات القرن الماضي.



صدام حسين مطالبًا باستفتاء على مقبوليته لدى شيعة العراق

رغم أن صدام حسين اعتذر لهذه المقارنة في نهاية خاطبه، لكن مخاوف عدم القدرة على تمثيل الشعب بمكوناته الفرعية في المؤسسة السياسية كان واضحًا، رغم اعتبار أنها فترة تغلب على السلطة ولا وجود لانتخابات أو أي رأي حقيقي للشعب في شكل الحكم وطريقة التمثيل السياسي.

المحاصصة القادمة على ظهر الدبابة الأمريكية بعد 2003

مع رياح التغيير الأمريكية العاصفة بالعراق الجديد تشكل مجلس الحكم العراقي بقرار من الحاكم العسكري بول بريمر ليضم المكونات الأساسية للشعب العراقي من سنة وشيعة وأكراد وأقليات وفق الرؤية الأمريكية لشكل وحجم التمثيل الذي تريده لكل مكون في العراق، ومع تقادم الأحداث بدأ عراب الطائفية بالعراق أحمد الجلبي يشكل ما يسمى "البيت الشيعي" الذي دفع الأكراد والسنة لتشكيل تكتلات مشابهة؛ لتنتهي الدولة بمفهومها الشامل في العراق ويفتح الباب لدولة المكونات التي بقيت لعنتها إلى اليوم.

رغم أن نظام المحاصصة ينتقده الجميع في العراق، لكن الكتل السياسية وحتى الناخبين يعودون له دائمًا صاغرين لتشكيل الحكومات الجديدة، ورغم أن تاريخ العملية السياسية طوال الـ15 عامًا الماضية لم يحفل بغير محاولتين يتيمتين للقفز على التخندق خلف المحاصة فإن المحاولتين كان مصيرهما الفشل.

لم تتوقف المحاصصة في العملية السياسية على مناصب رئيس الوزراء والبرلمان والجمهورية فقد امتدت لتشمل نوابهم ووزارات بعينها

فقد أجهض القضاء العراقي المحاولة الأولى سنة 2010 عندما فازت القائمة العراقية ذات التمثيل متعدد الطوائف بزعامة إياد علاوي بـ91 مقعدًا ولكن القضاء العراقي حسم الفوز للمالكي الذي جاء ثانيًا بـ89 مقعدًا بعد تفسير الدستور الذي يمنح الكتلة الأكبر الأحقية في تشكيل الحكومة، حيث فسر أن الكتلة الأكبر هي من تشكل داخل البرلمان وليست التي تفوز بالانتخابات بأكثر المقاعد؛ الأمر الذي أجهض المحاولة الأولى لتشكيل حكومة بكتلة عابرة للطائفية.

فيما أجهضت المحاولة الثانية في انتخابات 2018 بعد إخفاق رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في الفوز بأغلبية برلمانية رغم الطيف الواسع الذي ترسخ في قائمة النصر للعبادي، لكن عدم منح العراقيين الأصوات الكافية له لأسباب متعدد جعل محاولته تخفق لتنتصر المحاصصة من جديد.

المحاصصة في العراق لا تقتصر على الرئاسات الثلاثة

لم تتوقف المحاصصة في العملية السياسية على مناصب رئيس الوزراء والبرلمان والجمهورية، فقد امتدت لتشمل نوابهم ووزارات بعينها، ففي الرئاسات الثلاثة يجب أن يقسم نوابها على المكونات التي لا ينتمي لها الرئيس.

يبقى السؤال: هل يمكن الخروج من نظام المحاصصة إلى نظام القوائم والحكومات العابرة للطوائف والأديان والقوميات لتكون ذات تمثيل وطني شامل للعراق؟

فيما عرف ضمنيًا في العملية السياسية بالعراق أن وزير الدفاع يجب أن يكون من العرب السنة ويقابله وزير داخلية من المكون الشيعي، كذلك فإن وزارة النفط شيعية بامتياز وتمنح غالبًا وزارة التربية للسنة، وهكذا إلى أبسط المناصب وأصغرها، كما يتطرق الدستور العراقي لمفهوم التمثيل والمحاصصة في القوات المسلحة العراقية في المادة التاسعة؛ الأمر الذي يجعلنا ندرك واقع المحاصصة وحجمه في العراق.

ويبقى السؤال: هل يمكن الخروج من نظام المحاصصة إلى نظام القوائم والحكومات العابرة للطوائف والأديان والقوميات لتكون ذات تمثيل وطني شامل للعراق؟ من وجهة نظر شخصية فإن العملية السياسية الحاليّة غير قادرة على ذلك لأنها مبنية على أسس تدفع باتجاه المحاصصة بداية من الدستور وليس نهاية بقرارات وتفسيرات المحكمة الاتحادية وكذلك رغبات وتجاذبات العوامل الخارجية المؤثرة على الشأن العراقي التي ترغب باستمرار بتمثيل على شكل مكونات وكتل صغيرة غير قادرة على الإحاطة بتمثيل وطني شامل من الفاو جنوبًا وحتى زاخو أقصى شمال البلاد.