تاريخيًا، استخدم البشر الموسيقى في الحرب منذ القدم، وهي أيّ موسيقى أو أغنية ترتبط بالحرب بشكلٍ أو بآخر؛ فقد تكون مؤيدةً لها أو ضدها، أو قد تركّز على وصف الحياة اليومية خلالها أو على موقف المجتمعات تجاهها. وقد عرفت الجيوش قديمًا الأبواق وإيقاعات الطبول كجزءٍ أساسيّ من العروض العسكرية أو في أوقات الحروب.

غيّرت الحربان العالميّتان الأولى والثانية من شكل التاريخ والحياة كثيرًا، حتى أنّ يد التغيير طالت الكثير من الجوانب التي تستطع النجاة من براثنها ونيرانها، بما في ذلك الموسيقى والأغاني، حتى أنه يمكننا القول أنّ ثمة عصرٍ جديد من الموسيقى بدأ منذ اندلاع الشرارة الأولى للحرب، بدءًا من تحوّلها لأداةِ حربٍ وبروباغندا مميزة يمكن استخدامها في إثارة النزعات القومية وبث الحماسة للحرب، ومرورًا بالتحولات التي طالتها نتيجةَ هجرة الملحّنين إبان الحرب واختلاطهم بالثقافات الأخرى، وغيرها من العوامل.

ألهمت الحرب بجوانبها المختلفة العديد من الملحّنين للتأليف إما بهدف دعم القضية التي يؤمنون بها، أي دعم دولتهم في الحرب، أو بهدف التعبير عن المآسي والدمار

وفي نهاية المطاف، أثرت الحرب العالمية على مسار التاريخ الموسيقيّ ذاته وأدت إلى ظهور العديد من القطع الموسيقية المذهلة التي ربما لم تكن لتوجد بدون الحرب أو لم تكن لتأخذ شهرتها بمعزلٍ عنها. فقد ألهمت الحرب بجوانبها المختلفة العديد من الملحّنين للتأليف إما بهدف دعم القضية التي يؤمنون بها، أي دعم دولتهم في الحرب، أو بهدف التعبير عن المآسي والدمار والقتل واليأس والكآبة التي عمّت الأجواء في تلك الأيام.

وعلى إثر ذلك، ظهرت حركات ثقافية وحكومية ترفض الموسيقى الألمانية وتدعو لمقاطعتها ولدعم موسيقاهم المحلية كبديلٍ عنها. وعلى الصعيد المقابل، فرضت ألمانيا حظرًا صارمًا على أيّ نوعٍ موسيقيّ يعتبره الحزب النازيّ "غير لائقٍ" للشعب بهدف إبراز الفنّ الألماني كقمّة الفنون وأفضلها.

ففي الأيام الأولى من الحرب العالمية على سبيل المثال، قامت بريطانيا باستغلال الموسيقى الكلاسيكية لأهداف الحشد والحماسة وبث النزعات الوطنية، ومنعت بث العديد من المعزوفات التي قام بتأليفها عدد من الملحّنين والمؤلّفين الألمان ممّن عُرفت أسماؤهم في المملكة المتحدة لفترة طويلة مثل شتراوس وفاغنر وبيتهوفن.

وقد ساعد تطوّر تكنولوجيا الاتصالات خاصة الراديو في استخدام الموسيقى كوسيلة دعائية وبرباغندا لبثّ الحماسة في الشعب من جهة وإحباط الأعداء من جهةٍ أخرى. وقد سعت كلّ دولة بحكومتها للعثور على صوتها الموسيقيّ الخاص أثناء الحرب. وبناء على ذلك، ظهر سؤال الهوية المرتبطة بالفنّ والموسيقى عند البريطانيين نتيجةً لكون الموسيقى الكلاسيكية البريطانية كانت ألمانية إلى حد كبير، فكان من المعروف أنّ المواهب الرائدة تسافر إلى ألمانيا للدراسة والتدريب.

قام الحزب النازيّ بالعديد من المحاولات لتطهير الأوركسترا السيمفونية من اليهود والجنسيات الأخرى، فحظرت أعمال عدد من الملحّنين ممّن يملكون أصولًا يهودية

لاحقًا، استخدم الحلفاء سيمفونية بيتهوفن الخامسة كرمزٍ للمقاومة ضد الألمان. إذ أنّ نغماتها الافتتاحية الأربعة تتوافق مع الحرف  "V" في شيفرة مورس، والذي يشير للنصر أو الفوز، وقد كان رمزًا معروفًا آنذاك خاصة بعدما اشتهر به ونستون تشرشل بالإشارة إليه في خطاباته الجماهيريّة الحاشدة.

أما في ألمانيا، فقد قام الحزب النازيّ بالعديد من المحاولات لتطهير الأوركسترا السيمفونية من اليهود والجنسيات الأخرى، فحظرت أعمال عدد من الملحّنين ممّن يملكون أصولًا يهودية مثل مالر ومندلسون وفايل وشونبرج وفرانز شريكر. كما قام بوضع موسيقى "فريدريك شوبان" على القائمة السوداء بعد التحامه بالثورة البولندية ضدّ روسيا، خوفًا من إثارتها للنزعات القومية البولندية ضدّ الحزب النازيّ والحكومة الألمانية.

وقد كان من المعروف عن هتلر أيضًا دوامه بحضور العروض السيمفونية لموسيقى "ريتشارد فاغنر"، الذي كان بدوره يكنّ العداء والكراهية لليهود ويدعم الحزب النازيّ أيما دعمٍ، ما يشير إلى استغلال العروض الموسيقية من أجل بث الروح الشوفينية لدى الجماهير وحشدها.

حكايات موسيقية من الحربين

أخرجت لنا الحربان العالميّتان العديد من المعزوفات السيمفونية المشهورة، من بينها السيمفونية السابعة للمؤلف الروسيّ ديميتري شوستاكوفيتش، التي خرجت للنور من بين أصوات القصف وصفّارات الإنذار إبان حصار مدينة لينينجراد التي حملت اسمها. وقد كانت هذه القطعة الموسيقية الفريدة كنبوءة النصر على الفاشية.

أما ريتشارد شتراوس، المؤلف الألماني الشهير، فقد جاءت معزوفته "التحوّلات" أو "Metamorphosen" كتعبيرٍ عن الأمل والتفاؤل وسط الحزن والدمار السائدين. فشتراوس كيهوديّ ألمانيّ طاله ما طال بقية الشعب اليهوديّ على يد النازية الألمانية، فمنع من العزف في دور الأوبرا والمسارح، كما قامت الدولة بملاحقة من يتعاون معه ويشاركه في العزف. فجاءت "التحوّلات" كرثاءٍ للحياة الموسيقية في ألمانيا وتعبيرًا عن حزنه على حاله الموسيقيّ بعد أكثر من نصف قرنٍ من الريادة والإبداع متناهيي النظير.

وإضافةً لمقطوعات شتراوس وشوستاكوفيتش، فقد عرفت أوروبا عددًا آخر من المعزوفات التي حملت قصص الحربين العالميّتين بين ألحانها، فهناك السيمفونية الثالثة لرالف فون ويليامز، ومقطوعة تذكار إلى ليديتشه للمؤلف التشيكي بوهوسلاف مارتينو، وغيرها الكثير ممّن أصبحت رموزًا من رموز الحرب التي سيخلّدها الزمن طويلًا.