لم تستفق الجماعة الصحفية في مصر من صدمة قانون الصحافة الجديد الصادر في 2 من سبتمبر/أيلول الحاليّ، بموافقة البرلمان وتصديق رئيس الدولة عليه رسميًا، الذي تضمن قيودًا واسعة تحد من الحريات المتبقية في البلاد، إلا وضربة أخرى يتلقونها مع إعلان قانون آخر لتعديل القانون المعمول به في نقابة الصحفيين.

القانون المزمع للنقابة، سواء كان جديدًا أم يتضمن تعديلات على القانون القديم المعمول به من ستينيات القرن الماضي، أثار موجة من الجدل داخل الشارع الصحفي المصري، كونه يجهز - في الخفاء - داخل مطابخ المقربين من السلطة بعيدًا عن مشاركة جموع الصحفيين المعنيين بهذا القانون الذي من المقرر أن يطبق عليهم.

5 أعضاء بمجلس نقابة الصحفيين المصريين كشفوا النقاب عن ملامح هذا القانون الذي يتم العمل عليه بالسر عبر لجنة شكلها نقيب الصحفيين المقرب من النظام، عبد المحسن سلامة، منددين بمساعي القفز على ثوابت النقابة خلال العامين الأخيرين لحساب أجندات السلطات والأمن التي بدت تتكشف رويدًا رويدًا، مطالبين بضرورة مشاركة أعضاء مجلس النقابة وبقية أعضاء الجمعية العمومية في مثل هذه التعديلات التي وصفها البعض بأنها ستكون "الإجهاز الأخير على مهنة الصحافة في مصر".

قانون يثير الشكوك

"الرغبة في الإسراع بوضع قانون نقابة الصحافيين وتمريره يثير الكثير من الشكوك وعلامات الاستفهام، ويطرح عشرات الأسئلة عن المستفيد حقًا من التعديل، ويُظهر الأمر كأن هناك من يريد تفصيل قانون خاص يخدم به مصالحه ورغبته في الاستمرار في مواقع معينة بالنقابة ومجلسها، ويستبعد آخرين من وجودهم بالمجلس والعمل النقابي بشكل عام"، هكذا استهل أعضاء مجلس النقابة الخمس (جمال عبد الرحيم ومحمد خراجة ومحمود كامل ومحمد سعد عبد الحفيظ وعمرو بدر) المعارضون للقانون الجديد بيانهم المطالب بوقف أي عبث بمقدرات مهنة الصحافة وما تبقى من منظومة حريتها المتآكلة.

المعارضون أكدوا في بيانهم أن "قانونًا بهذه الأهمية لا يمكن أن يحتكر وضعه أحد، بل هو حق أصيل لأعضاء الجمعية العمومية للنقابة، ولا يمكن القبول باستبعاد كل الأجيال والرموز المهنية والنقابية وكل الخبرات من المشاركة في وضع قانون يحكم عمل النقابة ودورها وتأثيرها"، محذرين من أن قوانين تنظيم الصحافة الأخيرة التي تم وصفها بقوانين اغتيال المهنة هي "مؤشر مهم للعداء الواضح بين غالبية البرلمان الحاليّ والصحافة وحريتها، وهو الأمر الذي يفرض ضرورة التروي في طرح أي قانون جديد لمناقشته بلا داعٍ لهذا الاندفاع غير المحسوب".

" الرغبة في الإسراع بوضع قانون نقابة الصحافيين وتمريره يثير الكثير من الشكوك وعلامات الاستفهام، ويطرح عشرات الأسئلة عن المستفيد حقًا من التعديل"

وبناءً عليه، أعلن "أعضاء مجلس النقابة الموقعون على هذا البيان رفضهم التام لهذا القانون، الذي يتم وضعه في الظلام، وبعيدًا عن أعين أصحاب المصلحة الحقيقية"، مطالبين بـ"مشاركة كل أعضاء مجلس النقابة في أي نصوص خاصة بالقانون، وبالاستعانة بكل الخبرات النقابية والمهنية، من كل الأجيال والمؤسسات، لوضع تصور لمشروع القانون، ثم البدء في تنظيم حلقات نقاشية داخل وخارج المؤسسات الصحافية لفتح حوار واسع مع كل أعضاء الجمعية العمومية، قبل أن يتم إقرار القانون في جمعية عمومية قادمة".

نقابة الصحفيين ترد

أثار بيان المعارضين الخمس داخل مجلس النقابة، عبد المحسن سلامة نقيب الصحفيين، الذي وصفه بـ"الخاطئ"، مؤكدًا أن تعديل قانون نقابة الصحفيين كان ضمن أهداف برنامجه الانتخابي، وأنه ذكر ذلك في جلسة مجلس النقابة السابقة، مُشيرًا إلى أن أعضاء مجلس النقابة المعترضين يُرددون نفس الكلام المتداول منذ 12 عامًا.

وأوضح سلامة الذي تم تعيينه رئيسًا لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام (حكومية) عقب نجاحه في انتخابات نقابة الصحفيين قبل عامين: "نحن لا ننشئ قانونًا جديدًا للنقابة، ولكننا نعدل الحاليّ، ولا يوجد شيء اسمه دعوة كل الناس عند وضع مسودة لقانون جديد"، مضيفًا: "نحن نُعدل قانونًا قائمًا ونستفيد مما هو موجود من دراسات بهدف مواكبة التطور كالصحافة الإلكترونية، ورأيي أن ما يفعله بعض أعضاء المجلس محاولة للتعطيل رغم ضرورة أن نكون جميعًا يدًا واحدةً"، لافتًا إلى أن القانون سيعرض عليهم في القريب العاجل لمناقشته بعد الانتهاء منه، حيث تعكف حاليًّا لجنة من القانونيين لإعداده.

وعن اتهامات إعداد القانون في الخفاء، أشار سلامة إلى أن هناك مسودة لتعديلات قانون النقابة سيتم طرحها على مجلس النقابة، لاستطلاع آراء الجميع بشأنها، لافتًا إلى أحقية جميع أعضاء المجلس والجمعية العمومية في المناقشة وإبداء الآراء والأفكار على المسودة، و"لن نصادر رأي أحد في هذه التعديلات"، حسب قوله.

الكاتب الصحفي محمد منير: "تغيير قانون النقابة على النحو الذي يسعى إليه الأمن، هو الإجهاز الأخير على مهنة الصحافة وحريتها بعد المقدمات التي شملت السيطرة على المهنة من خلال سيطرة الأمن على ملكية الصحف"

واستشهد سلامة بخروج ملاحظات مجلس نقابة الصحفيين عن قانون تنظيم الصحافة والإعلام بالإجماع، وتفاوض فيها بنفسه لتحقيق معظمها مع البرلمان، مشددًا على أنه لا نية لإلغاء القانون القديم، ولكن سيتم إضافة بعض التعديلات عليه، مع الاستفادة بكل الآراء، نافيًا وجود أى طرح من البرلمان أو الحكومة لفرض مسودة بعينها على النقابة، مطالبًا بالتروي لحين الانتهاء من المسودة وإرسالها للأعضاء لدراستها ثم مناقشتها باجتماع المجلس.

أما عن ملامح التعديلات المتوقعة على قانون النقابة، لفت النقيب إلى أنها ستشمل أربعة محاور وهى الإبقاء على المواد المستفيد منها الصحفي حاليًّا، وثانيًا تعديل بعض المواد كنظام الانتخاب، وثالثًا إضافة مواد جديدة تتعلق بالصحافة الإلكترونية، ورابعًا إلغاء المواد المتعلقة بعصور قديمة كعضوية الصحفي بالاتحاد الاشتراكي الملغي.

وقفات احتجاجية لجموع الصحفيين تنديدًا بقوانين مصادرة الحريات

الإجهاز الأخير على المهنة

حالة من الغضب سيطرت على عشرات الصحفيين جراء هذا الإجراء الأحادي من الفريق الداعم للسلطة داخل النقابة، ما دفع النقيب السابق يحيى قلاش للتأكيد عبر صفحته على "فيسبوك" أن "تعديل قانون نقابة الصحفيين ليس ملكًا لنقيب أو مجلس نقابة"، مضيفًا "الجمعية العمومية هي صاحبة السيادة، ومشروعات القوانين سابقة التجهيز التي تتم في الخفاء أو تسقط علينا فجأة، باطلة ولقيطة.. زملائي انتبهوا وتوحدوا".

فيما ذهب خالد البلشي وكيل نقابة الصحفيين السابق، إلى أن القانون "لا يضعه إلا الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، أما ما يثار عن قانون تعده في الخفاء لجنة عبد المحسن سلامة فهو المرحلة الأخيرة للسيطرة على النقابة"، مضيفًا عبر حسابه على "فيسبوك": "لا لقانون عبد المحسن.. لا لقانون تأميم نقابة الصحفيين".

وتابع: "معركة قانون النقابة ربما تكون معركتنا الأخيرة، وحضور الجمعية العمومية لإعلان موقفها من قوانين إعدام المهنة سيظل حائط الصد للحفاظ على حرية الصحافة ومصالح الصحفيين وحق المجتمع في صحافة حرة تعبر عنه".

قانون نقابة الصحفيين الجاري إعداده وما سبقه من قانون تنظيم الصحافة يأتي في إطار سلسلة من التشريعات التي أقرها البرلمان منذ انتخابه في العام 2015، تهدف إلى غلق المجال العام وحرمان المواطنين من حقوقهم

أما الكاتب الصحفي محمد منير عضو النقابة، فكتب يقول: "تغيير قانون النقابة على النحو الذي يسعى إليه الأمن، هو الإجهاز الأخير على مهنة الصحافة وحريتها بعد المقدمات التي شملت السيطرة على المهنة من خلال سيطرة الأمن على ملكية الصحف"، وهو نفس ما ذهب إليه حازم حسني الصحفي بالأخبار، بقوله: "تعديل قانون النقابة في الخفاء هو استكمال لقوانين اغتيال الصحافة.. ليس من حق عبد المحسن أو مجلسه أو أي نقيب ومجلس آخرين إعداد قانون النقابة بعيدًا عن الجمعية العمومية، وإصرار عبد المحسن على إعداد القانون بالليل دون مشاركة الجمعية العمومية من خلال الحوار في جلسات علنية يؤكد أنه يريد شرًا بالنقابة والقضاء تمامًا على استقلال الصحافة تنفيذًا لتعليمات السلطة.. اسقطوا قوانين اغتيال الصحافة، واجهضوا محاولات السلطة ومندوبها في النقابة عبد المحسن سلامة لاغتيال الصحفيين".

يذكر أنه في الـ2 من سبتمبر الحاليّ، صادق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، بعد إصداره بشكل نهائي من جانب مجلس النواب، القانون الذي أثار موجة اعتراضات كبيرة من الصحفيين الذين وصفوه بأنه "يصادر ما تبقى من مساحات للتعبير عن الرأي، ويخل بتعهدات مصر الدولية".

قانون نقابة الصحفيين الجاري إعداده وما سبقه من قانون تنظيم الصحافة يأتي إطار سلسلة من التشريعات التي أقرها البرلمان منذ انتخابه في العام 2015، تهدف إلى غلق المجال العام وحرمان المواطنين من حقوقهم، وخاصة الحق في حرية التعبير والحق في حرية التنظيم، وعلى رأسها قانون الجمعيات الأهلية (1 و2)، بخلاف قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وهو ما دفع بمصر إلى تذيل قائمة الحريات الإعلامية خلال السنوات الأخيرة.