ترجمة وتحرير: نون بوست

وفقاً لأحدث البيانات والتحليلات، لا تزال الحكومة السعودية عاجزة عن استقطاب حزم من الاستثمار الأجنبي في اقتصادها، بينما أثبتت أنها لا تستطيع أو (لا ترغب) في التصدي لسيل الأموال التي تغادر البلاد. فخلال فصل الصيف، تبيّن أن المملكة، التي تحتاج إلى استثمار أجنبي من أجل تمويل أجندة الحكومة الطموحة المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي، عانت من انهيار صادم في الاستثمار الداخلي خلال السنة الفارطة.

ووفقاً لتقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الذي نُشر في السابع من حزيران/يونيو الماضي، انخفض صافي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 1.4 مليار دولار خلال سنة 2017، مقارنة بحوالي 7.5 مليار دولار خلال سنة 2016. ومنذ ذلك الحين، لم يكن هناك أي مؤشر يدل على تحسن الأمور. وبحسب شركة "كابيتال إكونوميكس للاستشارات"، التي تتخذ من لندن مقرا لها، واصل تدفق رأس المال من المملكة العربية السعودية بلوغه أعلى المستويات خلال هذه السنة.

في تقرير نُشر في 20 أيلول/سبتمبر، قالت الشركة إن صافي تدفقات رأس المال كانت تبلغ حوالي 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول من السنة الحالية مقارنة بأقل من 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في أواخر سنة 2016.

تحتوي المحفظة الاستثمارية لصندوق الاستثمار العام المملوك من قبل الدولة على فوائد العشرات من الشركات بداية من الشركة الصناعية العملاقة "آرسيلور- ميتال" وصولا إلى تطبيق أوبر.

في الواقع، هناك عدد من الأسباب التي من شأنها أن تفسر هذا التوجه، حيث تتمثل إحدى التفسيرات المنطقية نسبيا في نقل الحكومة السعودية للأموال إلى الخارج بهدف القيام باستثمارات. وقد قدّم هذا التفسير مؤخراً، أيمن بن محمد السياري، وكيل محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي للاستثمار وهو البنك المركزي في البلاد. وفي مؤتمر صحفي عقده في 16 أيلول/سبتمبر، قال السياري إن "الكثير من التدفقات الرأسمالية أو على الأقل جزء كبير منها، كان يتمثل في بعض المستثمرين المؤسساتيين الآخرين، وهي جهات شبه سيادية تم انتخابها لمزيد الاستثمار على المستويين الدولي والمحلي".

وتجدر الإشارة إلى أن صندوق الاستثمار العام المملوك من قبل الدولة، يعد من أبرز الجهات المستثمرة في السعودية حيث يستخدمه ولي العهد محمد بن سلمان القوي من أجل الدفع بأجندة الإصلاح الاقتصادي، المتمثلة في رؤية 2030. وفي الوقت الراهن، تحتوي المحفظة الاستثمارية لصندوق الاستثمار العام المملوك من قبل الدولة على فوائد العشرات من الشركات بداية من الشركة الصناعية العملاقة "آرسيلور- ميتال" وصولا إلى تطبيق أوبر.

تمثلت أحدث صفقة رفيعة المستوى في استثمار قُدّر بحوالي مليار دولار أمريكي في شركة "لوسيد موتورز" الأمريكية التي تهتم بصناعة السيارات الكهربائية بهدف مساعدة الشركة على الاستعداد لإطلاق أول سيارة خاصة بها تحمل اسم "لوسيد إير" في سنة 2022. في المقابل، هناك توجهات أخرى من المرجح أن تكون مصدر قلق أكبر للسلطات في الرياض.

من المنطقي التفكير في أن السعوديين الأثرياء يبحثون في الخارج عن ملاذ آمن لأصولهم، بعد أن أمر ولي العهد باعتقال عدة مئات من أفراد العائلة المالكة وكبار رجال الأعمال ومسؤولون في الحكومة

في هذا السياق، أشار، جيسون تواي، الخبير الاقتصادي البارز في مجال الأسواق الناشئة في شركة كابيتال إيكونوميكس إلى أن "هناك المزيد من التباطؤ في الاستثمار الأجنبي المباشر نحو المملكة العربية السعودية... لقد بذلت الحكومة جهودًا حثيثة خلال السنوات الأخيرة، كجزء من إصلاحات رؤية 2030، بهدف استقطاب المزيد من الاستثمارات المباشرة نحو المملكة. لكن، حتى الآن على الأقل، لم تؤت هذه الجهود أكلها".

أفاد تواي أن معدل الاستثمار الأجنبي المباشر انخفض من 1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة الممتدة بين سنة 2014 وسنة 2016 إلى 0.3 بالمئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول من السنة الحالية. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن السعوديين أصبحوا ينقلون أموالهم بصفة متزايدة نحو الخارج. فقد فاق صافي التدفقات الاستثمارية الخارجية المتأتية من القطاع المصرفي 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول من السنة الحالية، مقارنةً بصافي التدفقات الاستثمارية الذي بلغ حوالي 1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنة 2016. وفي هذا الصدد، صرح تواي قائلا: "لقد تمثل الدافع الرئيسي وراء هذا الأمر في هبّة السعوديين ونقلهم لودائعهم المصرفية إلى الخارج".

عموما، من الصعب معرفة الأسباب الكامنة وراء حركة المال هذه، ولكن من المنطقي التفكير في أن السعوديين الأثرياء يبحثون في الخارج عن ملاذ آمن لأصولهم، بعد أن أمر ولي العهد باعتقال عدة مئات من أفراد العائلة المالكة وكبار رجال الأعمال ومسؤولون في الحكومة في تشرين الثاني/نوفمبر من السنة الفارطة فيما وُصف بحملة لمكافحة الفساد.

يتوقع بعض المراقبين أن يهدأ السوق وأن تنخفض الأسعار خلال السنة المقبلة، وفي حال حدوث ذلك، ستُجبر الحكومة السعودية على مزيد التقليص من احتياطاتها من النقد الأجنبي وعلى فرض ضغوط على الريال السعودي وارتباطه بالدولار الأمريكي

في الآونة الأخيرة، لا تعد جل الأخبار سيئة. فقد استفاد الاقتصاد السعودي، وبالتالي الموارد المالية للحكومة، من ارتفاع أسعار النفط خلال هذه السنة. ويتم تداول خام برنت في معدل يتراوح بين 70 و80 دولارا للبرميل الواحد منذ أبريل/ نيسان، وهو المستوى الذي لم يتم الحفاظ عليه منذ سنة 2014. وقد كان هذا الارتفاع بشكل أساسي نتيجة الخسائر المحتملة في إمدادات النفط الإيرانية من السوق الدولية نتيجة للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على طهران.

في المقابل، يتوقع بعض المراقبين أن يهدأ السوق وأن تنخفض الأسعار خلال السنة المقبلة. وفي حال حدوث ذلك، ستُجبر الحكومة السعودية على مزيد التقليص من احتياطاتها من النقد الأجنبي وعلى فرض ضغوط على الريال السعودي وارتباطه بالدولار الأمريكي. وفي هذا الشأن، اقترح تواي أنه في حال تعرض الريال بالفعل لضغوط، فسيكون بإمكان الحكومة أن تطلب من صندوق الاستثمار العام تغيير النهج الذي يتبعه وإبطاء حملة الاستثمار الدولي. في المقابل، لدى الرياض سيطرة أقل بكثير حول ما يقرره كل من المواطنون السعوديون والشركات الدولية فيما يتعلق بأموالهم الخاصة.

في هذا السياق، أفاد تواي قائلا: "نشك في أن تجبر الحكومة صندوق الاستثمار العام على إبطاء استثماراته الأجنبية في حال ظهور ضغوط كبيرة". وأضاف تواي قائلا: " سيكون هناك مصدر قلق أكبر إذا ما تسبب انخفاض أسعار النفط في انتعاش معدل تدفقات رأس المال الخاص".

المصدر: فوربس