لم يتفهم الاحتلال الإسرائيلي ولا الولايات المتحدة الامريكية المتمثلة بإدارة ترامب حاجة حماس للوصول إلى استحقاقات الحرية والغذاء، ولم تتفهم حماس حاجة الاحتلال الإسرائيلي للأمن على الحدود بين غزة وفلسطين المحتلة، على مدار شهر ونصف من المباحثات غير المباشرة بين حماس والاحتلال الإسرائيلي عبر الوسيط المصري لم يتوصل الطرفان لنتيجة، على الرغم من أن هذه المفاوضات أزعجت السلطة الفلسطينية في رام الله بقيادة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي كان له الدور الرئيسي في إفشال المشاريع الاقتصادية المتوقع عقدها بعد الاتفاق، حتى لا تمر إلى حماس مباشرة دون السلطة الفلسطينية.

ونجح الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالضغط على مصر لتطبيق المصالحة الفلسطينية بشروطه قبل تمرير أي مشاريع اقتصادية لغزة، وهو الأمر الذي كشفه الوفد المصري في لقائه الأخير يوم السبت الماضي مع قيادة حماس في غزة.

حمل الوفد رسالة تطالب حماس بالموافقة على شروط الرئيس عباس للمصالحة الداعية لتمكين حكومة الدكتور رامي الحمد الله من العمل في غزة بلا استثناء - تشمل الأمن والقضاء وسلطة الأراضي - مقابل صرف رواتب موظفي حماس بنسبة 50% لحين انتهاء عمل اللجنة الإدارية والقانونية، وقد نقل الوفد رسالة الاحتلال الإسرائيلي لحماس بوقف كل أشكال التصعيد على الحدود مع غزة، وإن لم تلتزم حماس - وفق الوفد المصري - فإن الخيار العسكري من الاحتلال الإسرائيلي وارد.

لقد فقدت حماس كل خيارات الضغط على الاحتلال الإسرائيلي ولم يتبق لها إلا التصعيد على حدود غزة الشرقية

كما أن الوفد المصري أخبر حماس بإجراءات عقابية جديدة سيتخذها عباس باتجاه غزة مطلع أكتوبر/تشرين الأول القادم إذا لم توافق حماس على المصالحة بشروط عباس، وهو الأمر الذي نفاه عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عزام الأحمد، أما عضو المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية فقد قال: "أي عقوبات جديدة سيفرضها الرئيس على أبناء شعبنا في قطاع غزة، ستقابلها إجراءات فصائلية وشعبية". 

وفي سياق مرتبط اتهم عضو اللجنة المركزية لفتح عزام الأحمد حركة الجهاد الإسلامي بعرقلة المصالحة وتحريض حماس لفرض اتفاق 2017 وعدم دعم الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الأمم المتحدة، ورد خالد البطش القيادي في الجهاد الإسلامي على اتهامات الأحمد قائلًا: "أليس عدم الوفاء بدفع رواتب شهر 12 الماضي للموظفين في غزة، وقرار فرض العقوبات الجائرة سببًا مباشرًا في عرقلة الاتفاق وإرهاق الناس بغزة"؟

حماس والبطاقة الحمراء

لقد فقدت حماس كل خيارات الضغط على الاحتلال الإسرائيلي ولم يتبق لها إلا التصعيد على حدود غزة الشرقية، إذ أنشأت حماس وحدة جديدة أطلقت عليها "الإرباك الليلي"، وصعدت من إطلاق البالونات الحارقة على مستوطنات غلاف قطاع غزة ليرتفع عدد الحرائق إلى أكثر من 20 حريقًا يوميًا داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما أنها كثفت المسيرات باتجاه الحدود مع بحر زيكيم شمال غرب غزة، الأمر الذي تفهمه الاحتلال الإسرائيلي، إذ أرسل تهديدًا مباشرًا لحماس إذا استمر الحراك الليلي على حدود غزة.

قد يأتي هذا الحراك ككارت أحمر أخير تخرجه حماس قبل الذهاب إلى جولة جديدة من المواجهة العسكرية مع الاحتلال الإسرائيلي، لكن حماس تسعى للمواجهة كرد فعل بأن يكون الاحتلال هو المبتدء، وحاول الاحتلال خفض التصعيد والتوقف عند حدود إطلاق النار على المتظاهرين الذين يقتربون من السياج الفاصل دون تصعيد كبير للمواجهة.

حماس لا تعرف كيف تجيب الجماهير التي تنتظر الفرج، فسلاح المقاومة خط أحمر بالنسبة لها وللجماهير

ومع أن الظروف التي هيأها الاحتلال للدخول في حرب يسعى من خلالها القضاء على حماس وتقويض حكمها في غزة، إلا أنه يتخوف من أمرين؛ أولهما: الفراغ الحاصل بعد غياب حماس من المشهد في غزة الذي يتيح لجماعات جديدة لا تلتزم باتفاقيات تهدئة بينها وبين "إسرائيل" لإطلاق الصواريخ بشكل عشوائي متواصل، وإدراكه التام أن حماس قادرة على ضبط الأمور في غزة إذ تحولت بشكل أو بآخر إلى ما يشبه الجيش النظامي الذي لا يتعامل بردة الفعل الآنية من خلال تجاربها السابقة في حروبها مع الاحتلال الإسرائيلي.

أما الأمر الثاني فيتخوف الاحتلال الإسرائيلي من إقدام حماس على ضرب أهداف إسرائيلية داخل فلسطين المحتلة بدفاعات كبيرة من الصواريخ "كثافة النيران" لا تستطيع القبة الحديدة السيطرة عليها، مع هجوم سيبراني تستعد له وحدات حماس القتالية قد يوقع عددًا كبيرًا من القتلى في صفوف المستوطنين الذين يسكنون المدن الفلسطينية المحتلة "المدنيين الإسرائيليين"، كما أنها لا تتخوف من توسيع دائرة المواجهة في الشمال والجنوب الأمر الذي تفقد السيطرة عليه.

يعلم الاحتلال الإسرائيلي حجم الأزمة الداخلية التي يعاني منها قطاع غزة جراء الحصار على مدار 12 عامًا، أزمة اقتصادية خانقة تتقاطع مع أزمة نفسية يعاني منها أهالي القطاع، وتعتمد سياسة الخنق البطيء لكسب الوقت، فهي مقدمة على مرحلة بعد الرئيس عباس وتحتاج فيها لضبط الهدوء على أعلى مستوياته لضبط الحالة السياسية والأمنية في الضفة الغربية.

من أفشل مشاريع غزة؟

على مدار شهرين من جولات المفاوضات التي ابتدأت بقدوم وفد حماس السياسي من الخارج لغزة لمحاولة إقناع الخارج بجدوى المشاريع الاقتصادية القادمة من خلال المفاوضات التي حصلت مع الاحتلال الإسرائيلي وأمريكا عبر الوسيط المصري، كان الاحتلال يسعى لكسب الوقت لتهدئة الأمور على حدود غزة، أو الاقتراب من فصل الشتاء لتفرض جغرافيا الشتاء في غزة تقليص المسيرات والبالونات الحارقة، وقد تم الأمر بالتنسيق الكلي بين أمريكا والاحتلال الإسرائيلي ليبقى الانقسام السياسي حاصلًا على أعلى مستوى بين الضفة وغزة والتعامل مع كلا المنطقتين الجغرافيتين كل على حدة.

لا يريد الاحتلال الإسرائيلي منح الفلسطينيين دولة أكثر منه في دخول جولة جديدة في المفاوضات مع السلطة وفق الواقع الاستيطاني في الضفة والخطوات الأمريكية الجديدة ابتداءً بالقدس وانتهاءً باللاجئين

لقد أوصل الاحتلال الإسرائيلي الفلسطينيين في غزة لحالة اليأس والاستنزاف اليومي في الأرواح استعدادًا لقبول الخيار الأصعب، وهو نزع سلاح حماس أو إعادة ترويضه عبر شروط المصالحة التي يفرضها الرئيس عباس بمعادلة "الأمن مقابل الغذاء"، وحراك سلمي وسياسي في الإطار الدولي ضمن الفيتو الأمريكي، وعليه لا يريد الاحتلال الإسرائيلي منح الفلسطينيين دولة أكثر منه في دخول جولة جديدة في المفاوضات مع السلطة وفق الواقع الاستيطاني في الضفة والخطوات الأمريكية الجديدة ابتداءً بالقدس وانتهاءً باللاجئين، تمنح الفلسطيني تحسنًا اقتصاديًا مؤقتًا مرتبطًا باستقرار الحالة الأمنية. 

حماس لا تعرف كيف تجيب الجماهير التي تنتظر الفرج، فسلاح المقاومة خط أحمر بالنسبة لها وللجماهير، وتحاول تعزيز علاقتها مع مصر بشكل أقوى لتحسين الأوضاع ولو قليلًا، ولكسب الوقت أيضًا مراهنة على تغيرات في الأفق، أما الرئيس الفلسطيني فقد ذهب للأمم المتحدة منفردًا دون إجماع فصائلي يدعم خطواته، ويبدو أن العصا سبقت الجزرة من عباس باتجاه غزة، فهل تتجه حماس للحرب آخر المطاف؟