تخطط أمريكا لبيع أسلحة لتايوان بقيمة 1.42 مليار دولار

بينما تتصاعد وتيرة الأحداث بين الصين والولايات المتحدة على خلفية الحرب التجارية المعلنة من الطرفين، رسوم جمركية جديدة تفرضها واشنطن تقابلها بكين بالمثل، وسط أنباء غير مؤكدة عن توقف المحادثات الثنائية بين البلدين بعدما قطع الجانبان شوطًا ليس بالقصير في هذا المضمار، إذ بالجانب الأمريكي يصب المزيد من الزيت على النار لتشتعل الأجواء بصورة قد تدفع بسبل التفاهم إلى طريق مسدود.

وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أعلنت أمس الإثنين أنها أقرت صفقة مبيعات محتملة لتايوان تشمل قطع غيار لطائرات من طراز "إف 16" وغيرها من المعدات العسكرية بقيمة 330 مليون دولار، قائلة في بيان لها إن الموافقة تغطي طلبًا لقطع غيار لطائرات "إف 16" و"سي 130" و"إف 5" وجميع أنظمة الطيران والأنظمة الفرعية الأخرى وعناصر أخرى من الدعم اللوجستي ودعم البرامج.

الوكالة في بيانها بررت هذه الخطوة بأن عملية البيع المقترحة هذه ستساهم في السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة بالمساعدة في تحسين القدرات الأمنية والدفاعية للدولة المستقبلة، غير أنها في المقابل لا شك أنها ستثير غضب الصينيين بصورة كبيرة خاصة أنها ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها واشنطن لهذه الورقة الضاغطة، ما قد يؤثر على مستقبل العلاقات - المتوترة في الأساس - بين البلدين.

ترامب يعلم جيدًا أهمية تايوان الإستراتيجية بالنسبة للصين كونها خطًا أحمر لا يقبل المساس، ومن ثم سعى إلى تعزيز سبل التعاون مع حكومتها كنوع من "المكايدة" السياسية للخصم الاقتصادي اللدود

التقارب الأمريكي التايواني

عقب انتهاء الحرب الأهلية بين الصين وتايوان عام 1949، انحازت الولايات المتحدة للأخيرة واعترفت بها كحكومة مستقلة بعيدًا عن جمهورية الصين الشعبية، وشكلت واشنطن تحالفًا رسميًا مع تايوان ووضعت قوات متمركزة فيها، لكن مع إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع الصين عام 1979 قطعت واشنطن العلاقات الرسمية مع تايوان، لتقيم معها حتى اليوم علاقات غير رسمية وإن شملت العديد من مجالات التعاون.

ورغم اعتراف أمريكا بجمهورية الصين الشعبية باعتبارها الحكومة الشرعية الوحيدة للصين، فإن لديها تحفظات كثيرة بشأن اعتبار تايوان جزء من الصين، وهي نقطة الخلاف التي تستغلها واشنطن بين الحين والآخر كورقة ضغط ضد بكين، تعمقت بصورة أكبر منذ تنصيب دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة.

علاوة على ذلك فإن أمن تايوان يعد قضية إستراتيجية للجانب الأمريكي، ومن ثم تحرص واشنطن على الحفاظ على الديمقراطية التايوانية بصورة كبيرة، فضلًا عن المخاوف الإستراتيجية في المنطقة، وهذا ما يفسر عرقلة أمريكا الصين بشأن مهاجمة تايوان عسكريًا، وقد دعا بعض كبار المسؤولين في إدارة ترامب في السابق إلى تكثيف الجهود في هذا الصدد.

ترامب يعلم جيدًا أهمية تايوان الإستراتيجية بالنسبة للصين كونها خطًا أحمر لا يقبل المساس، ومن ثم سعى إلى تعزيز سبل التعاون مع حكومتها كنوع من "المكايدة" السياسية للخصم الاقتصادي اللدود، وهو ما تجسده العديد من الخطوات التي اتخذها منذ قدومه للبيت الأبيض، أولها الاتصال الهاتفي الذي أجراه برئيسة تايوان تساي إنغ وين وهو الأول من نوعه منذ العام 1979.

في مارس/آذار الماضي وقع الرئيس الأمريكي على قانون السفر لتايوان الذي يدعو إلى إجراء زيارات على مستوى أعلى بين البلدين، وهي خطوة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات بينهما، هذا بخلاف دراسة الجانب الأمريكي لمسألة زيادة التعاون البحري مع تايوان عن طريق إرسال قطع بحرية أمريكية إلى القواعد التايوانية البحرية، وهو أمر لم يحدث منذ سبعينيات القرن الماضي.

صفقة الأسلحة التي وافقت عليها وزارة الدفاع الأمريكية لتايوان أمس الإثنين، تأتي في إطار توجه عام لدى إدارة ترامب بشأن زيادة قدرات الدولة الآسيوية التسليحية، إذ تخطط الولايات المتحدة لبيع أسلحة لتايوان بقيمة 1.42 مليار دولار من خلال 7 صفقات متعددة تضمن التفوق العسكري والقدرة على الرد على أي هجوم خارجي.

المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية هيذر ناويرت، كشفت أن الصفقات تتضمن دعمًا فنيًا فيما يتعلق برادارات الإنذار المبكر والصواريخ المضادة للإشعاع فائقة السرعة والطرابيد ومكونات الصواريخ، لافتة إلى أن تلك الصفقات تظهر دعم الولايات المتحدة لقدرة تايوان للحفاظ على إمكانات دفاع ذاتي كافية، لكن ليس هناك أي تغير في سياسة "الصين الواحدة" التي تنتهجها الولايات المتحدة منذ فترة طويلة وتعترف ببكين لا تايبيه، حسب قولها.

وتعد الصفقة المعلنة الأولى لتايوان في ظل إدارة ترامب بعد آخر صفقة بين البلدين التي كانت في عهد الرئيس السابق باراك أوباما في ديسمبر/كانون الأول 2015، وكانت بقيمة 1.83 مليار دولار، وتضمنت فرقاطتين إضافة لصواريخ مضادة للدبابات ومركبات هجومية برمائية.

تقارب بين أمريكا وتايوان مع قدوم ترامب

غضب صيني

أثارت التحركات الأمريكية لدعم القدرات التسليحية لتايوان حفيظة وقلق الصين بصورة دفعت الأخيرة إلى التلويح بأن مثل هذه الخطوات من شأنها أن تضر بالعلاقات الثنائية بين البلدين، كما جاء على لسان سفير الصين لدى واشنطن تسوي تيان كاي في أكثر من تصريح تعليقًا على الصفقات المزمع إبرامها بين واشنطن وتايبيه.

التزامن بين العقوبات الأمريكية المفروضة على شركات صينية والإفراج عن صفقات السلاح لتايوان كان حاضرًا وبقوة في تصريحات كاي، الذي قال خلال مؤتمر صحفي عقده في مقر سفارة بلاده في واشنطن "كل تلك الإجراءات والعقوبات ضد شركات صينية وبخاصة مبيعات الأسلحة لتايوان ستقوض بالتأكيد الثقة المتبادلة بين الجانبين وتتعارض مع روح قمة مار الاجو" في إشارة إلى قمة بين ترمب والرئيس الصيني شي جين بينج في فلوريدا أبريل/نيسان الماضي.

في يوليو/تموز 2017 احتجت السفارة الصينية في الولايات المتحدة على بيع البنتاغون أسلحة لتايوان، داعية إلى إلغاء ما وصفته بـ"القرار الخاطئ" ووقف مبيعات أسلحة مزمعة إلى تايبيه بقيمة 1.42 مليار دولار، حيث قالت في بيان لها "الحكومة الصينية والشعب الصيني لهما كل الحق في الغضب"، مضيفة أن المبيعات تبعث برسالة خاطئة للغاية لقوى الاستقلال في تايوان.

التقديرات في معظمها تشير إلى تصاعد التوتر في العلاقات بين البلدين، اقتصاديًا على الأكثر، غير أن الذهاب إلى حرب عالمية ثالثة كما طرح البعض يبدو أنه أمر مستبعد

يذكر أنه في 2010 أكد نائب وزير الدفاع الأمريكي لمنطقتي المحيط الهادئ وآسيا آنذاك والس جريجسون، التزام بلاده بالايفاء بتعهداتها لضمان قدرة تايوان في الدفاع عن نفسها، في أعقاب إعلان واشنطن نيتها بيع تايوان أسلحة بقيمة 6.4 مليار دولار، مضيفًا أن بلاده ملتزمة بضمان قدرة تايوان في الدفاع عن نفسها وستقوم بذلك في المستقبل أيضًا.

حينها اتهمت وسائل الإعلام الحكومية الصينية واشنطن بالغطرسة وازدواجية المعايير، وحذرت من رد فعل بكين على هذه الخطوة، واصفة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بأنه لم يكن "صادقًا" عندما تعهد بعدم سعي بلاده لاحتواء الصين، محذرة من سلسلة من الإجراءات المزمع اتخاذها من السلطات الصينية ردًا على هذه الصفقة.

احتجاج صيني على تسليح أمريكا لتايوان

العلاقات إلى أين؟

لم تشهد العلاقات الصينية الأمريكية منذ تدشينها توترًا كالذي تشهده هذه الأيام، إثر تصعيد أمريكي غير مسبوق يتخذ من الاقتصاد شعارًا له، عبر حرب تجارية تستند إلى فرض عقوبات ورسوم جمركية، قوبلت بالرد بالمثل من الجانب الصيني، غير أن الأجواء في مجملها تشير إلى استمرار أمد هذا التوتر إلى عقود قادمة، حتى وإن عاد الطرفان خطوة للوراء عبر معاودة الجلوس على طاولة المفاوضات والمحادثات مرة أخرى.

إدارة ترامب تسعى إلى تضييق الخناق على بكين بصورة محكمة، تارة عبر التهديد الاقتصادي من خلال التعريفات الجمركية الجديدة وتشديد الحصار على الشركات الصينية العاملة في الولايات المتحدة، وتارة عبر التهديد الأمني بتسليح تايوان، وتارة ثالثة من خلال التلويح بتقويض النفوذ الصيني إقليميًا ودوليًا.

التفوق الاقتصادي الصيني الذي بات حقيقة لا تقبل الشك، وما تبعه من زيادة رقعة النفوذ لتصل إلى حديقة أمريكا الخلفية، عبر تعزيز التعاون مع فنزويلا وباراغواي، فضلًا عن الحضور القوي في إفريقيا ودول أوروبا، كان باعثًا لقلق المسؤولين الأمريكيين الذين سعوا إلى تقويض هذا النفوذ عبر زرع العراقيل وإثارة الأزمات.

التقديرات في معظمها تشير إلى تصاعد التوتر في العلاقات بين البلدين، اقتصاديًا على الأكثر، غير أن الذهاب إلى حرب عالمية ثالثة كما طرح البعض يبدو أنه أمر مستبعد، فكلا البلدين يعرف ما يريد وحدود ما يمكن أن يذهب إليه، في ظل مستجدات إقليمية ودولية تجبر الجميع على الالتزام بسقوف محددة تضمن التفوق والبقاء دون مغامرة غير محسوبة العواقب.