قبل أشهر قليلة، أطلّ وزير المالية الجزائري عبد الرحمان راوية، على الجزائريين قائلا إن حكومة بلاده عازمة على رفع الدعم بطريقة تدريجية بداية بالمواد الطاقية والكهرباء والغاز، لتمتد بعدها للمواد الاستهلاكية والماء، وهو ما أثار حينها موجة احتقان كبيرة في صفوف المواطنين كادت البلاد أن تدخل على إثرها في موجة من الاحتجاجات.

هذا الاحتقان، عملت السلطات الجزائرية خلال الفترة الماضية على معالجته حتى لا يزداد أكثر ويحصل ما لا يحمد عقباه، حتى أنها تخلّت عن فكرة رفع الدعم في الفترة القادمة، رغم تأكّدها من ضخامته، حيث تصل قيمته إلى ثلث الميزانية العامة السنوية للبلاد، فهل أصبحت سلطات الجزائر تشتري السلم الاجتماعي بإجراءات وقتية؟

الزيادة في قيمة الدعم

المحافظة على سياسة الدعم ورفع قيمته، تبيّنت من خلال ما تضمنته مسودة ميزانية الدولة للسنة المالية القادمة التي صادق عليها، مساء أول أمس الأربعاء، مجلس الوزراء الجزائري برئاسة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وهو ما يتنافى مع خطابات السلطة المتكررة حول مراجعة السياسة الاجتماعية للبلاد وتلافي الأعباء الثقيلة المخصصة لهذا المجال.

بحسب ما حملته النسخة الأولية من مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2019، فقد تمت زيادة ميزانية الدعم بنسبة 0.7 %، حيث بلغت قيمة التحويلات الاجتماعية المقررة 1.77 تريليون دينار (16 مليار دولار)، مقابل 1.76 تريليون دينار للعام الجاري 2018، ووفق البيانات يستحوذ دعم العائلات والسكن والصحة على نحو 64% من إجمالي ميزانية الدعم.

تطبق السلطات الدعم في قطاعات الصحة والتعليم، من خلال مجانية الاستفادة منهما

تأتي زيادة الدعم، رغم مرور البلاد بصعوبات مالية، نتيجة تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية، في وقت ما تزال تبحث فيه الجزائر عن طريقة سلسة للانتقال من الدعم العام للأسعار والخدمات إلى الدعم الموجه الذي يمسّ الفئات الهشة من المجتمع.

يقدر الخبراء الاقتصاديون عدد المستفيدين من سياسة الدعم الحكومية بنحو 10 ملايين جزائري، أي ربع عدد سكان الاجمالي للبلاد المقدّر بأكثر من 42 مليون نسمة، وفقا لأخر إحصاء.  ويشمل الدعم الحكومي قطاعات عدة من بينها الوقود والصحة والمياه والسكن، والسلع الأساسية كالزيوت والسكر والحبوب.

وكان صندوق النقد الدولي قد أوصى الجزائر في العديد من المناسبات، بضرورة مراجعة آليات الدعم، خاصة الموجّه إلى الوقود والكهرباء، حيث طالب خبراء الصندوق الجزائر بأن تباشر بخفض معظم الدعم المعمم تدريجيا وإبداله ببرنامج للتحويلات النقدية للأسر منخفضة الدخل.

حيث توجّه الأموال المخصّصة لسياسة الدعم لعدة قطاعات وفئات، ويتوزع الدعم ما بين دعم مباشر بمبالغ مالية للمعنيين به، وغير مباشر بتحمل الدولة لفارق سعر تسويق المنتجات الواسعة الاستهلاك.

يعمل نظام بوتفليقة على شراء الذمم

وتطبق السلطات الدعم في قطاعات الصحة والتعليم، من خلال مجانية الاستفادة منهما، إضافة لدعم الفقراء في رمضان بمنتجات غذائية. ويشمل الدعم أيضا مبالغ مالية شهرية تقدم لذوي الاحتياجات الخاصة والأرامل والنساء من ربات المنازل، والمواطنين محدودي الدخل بين 50 و100 دولار شهريا.

يمثل الدعم الحكومي للمواد الغذائية الأساسية وهي السكر والخبز والحليب، إضافة إلى الوقود والكهرباء والماء والصحة والسكن والتعليم، ما يعادل 23%من الناتج المحلي، بحسب صندوق النقد الدولي. كما يبرز قطاع الإسكان، حيث يتم توفير مساكن مجانية للفقراء الذين لا يتعدى دخلهم الشهري 24 ألف دينار تساوي نحو 240 دولارا تقريبا.

التخلي عن رفع الأسعار

مشروع ميزانية الدولة للسنة القادمة لم يأت حاملاً الزيادة في قيمة دعم المواد ذات الاستهلاك الواسع والتكفل بالخدمات الاجتماعية والصحية فقط، بل جاء أيضًا خاليًا من أيّ رسوم أو ضرائب جديدة، أو رفع للأسعار، وذلك في سياق سياسة شراء السلم الاجتماعي، وتمرير المحطات السياسية المقبلة وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية، وفق عديد المتابعين.

يتماشى هذا الأمر مع سياسة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي ألغى خلال هذا الصيف عددًا من الرسوم التي أقرتها حكومة أحمد أويحيى، خلال قانون الموازنة التكميلي في شهر يوليو الماضي، بعدما أثارت جدلاً واسعًا لدى الطبقة السياسية والرأي العام، لارتباطها باستخراج وثائق الهوية، كبطاقة التعريف الوطنية وجواز السفر ورخص السياقة وترقيم المركبات.

يراهن النظام الجزائري على الزيادة في المخصصات المالية لسياسة الدعم، وتفادي إطلاق ضرائب جديدة، لشراء الذمم وإسكات الشارع

تتوقع الحكومة الجزائرية أن يسجل احتياط النقد الأجنبي مزيدًا من التراجع ليبلغ 62 بليون دولار في نهاية 2019، في مقابل 85 بليون دولار عند نهاية السنة الحالية، خصوصاً بعدما تم السحب في شكل كبير من الاحتياط على مدار السنوات الثلاث الماضية مع تراجع أسعار النفط.

حيث تضمنت موازنة الجزائر العامة لسنة 2019 التي تبدأ مطلع يناير/ كانون الثاني المقبل، إيرادات إجمالية بـ 6.508 تريليون دينار (58 مليار دولار)، ونفقات كلية بلغت 8.557 تريليون دينار (75 مليار دولار). ومن المنتظر أن يشرع البرلمان بمناقشة مشروع القانون، في غضون أيام والتصديق عليه، بعد عرضه على لجنة المالية والميزانية للمجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى).

شراء السلم الاجتماعي

ترمي السلطات الجزائرية من خلال هذه الاجراءات، بحسب مراقبين للشأن الجزائري، إلى شراء السلم الاجتماعي في هذا البلد، الذي يشهد منذ صيف عام 2014 أزمة اقتصادية حادة؛ جراء انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية، خاصة وأن مداخيله (النفط) تشكّل أكثر من 95 % من مداخيل البلاد من النقد الأجنبي.

هذه الاجراءات، جاءت رغم استمرار العجز المقدّر بـ 17 مليار دولار في مشروع الموازنة للسنة القادمة، وهو ما يؤكّد ما ذهب إليه عديد المحلّلين، فالسلطة الجزائرية تحاول الاستفادة من توجه أسعار النفط إلى التوازن والاستقرار، وتوظيف الريع النفطي في شراء استقرار الشارع بغية تمرير أجندتها السياسية.

هذه الخطوات لها خلفيات سياسية، فحكومة الوزير الأول أحمد أويحي تريد من خلالها تهيئة الظروف، خاصة على الصعيد الاجتماعي، لتمرير استحقاقاتها السياسية قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة في إبريل/ نيسان 2019.

تخشى السلطات الجزائرية موجة احتجاجات قادمة

ويراد من هذه الاجراءات، تمهيد الطريق أمام مرشّح السلطة خلال الانتخابات القادمة، أو تعبيد الطريق أمام الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، في حال أراد الذهاب نحو عهدة رئاسية خامسة، وتسعى السلطات إلى عدم "استفزاز" الشارع الجزائري قبل الانتخابات الرئاسية.

نظام الرئيس بوتفليقة، يصر على إبقاء ميزانية الدعم في مستويات مرتفعة، على الرغم من مرور البلاد بأزمة مالية حادة خلّفها تهاوي أسعار النفط في الأسواق العالمية، في وقت ما تزال تبحث فيه البلاد عن طريقة سلسة للانتقال من الدعم العام للأسعار والخدمات إلى الدعم الموجه الذي يمسّ الفئات الهشة من المجتمع، وهو ما عبّر عنه عديد المسؤولين هناك.

وساهمت الأزمة المالية التي تعرفها البلاد منذ سنوات، في حدوث ارتدادات قوية على التوازنات الكبرى للبلاد، وكانت تبعاتها على الجبهتين الاقتصادية والاجتماعية وخيمة، إلا أن السلطات الجزائرية، ما فتئت تتوجه إلى المزيد من الإمعان في سياسة شراء السلم الاجتماعي، مخافة غضب الشارع.

وتخشى السلطات الجزائرية خوض أي مغامرة قبل الانتخابات الرئاسية من شأنها أن تعكّر الأجواء وتربك حساباتها السياسية، في هذا الوقت الذي تتهيأ فيه لتقديم مرشحها. وتمثل الاحتجاجات مصدر قلق كبير للسلطات والحكومات المتعاقبة.

لئن أسعدت هذه الاجراءات، المواطن البسيط فقد اعتبرها عديد الخبراء بمثابة الإفلاس السياسي، فهي تعبّر عن عجز السلطة في اقناع الشعب بخياراتها وتوجهاتها

يراهن النظام الجزائري على الزيادة في المخصصات المالية لسياسة الدعم، وتفادي إطلاق ضرائب جديدة قد تكون مصدر استفزاز، لشراء الذمم وإسكات الشارع، بعدما غالت الحكومة خلال السنوات الأخيرة، في استنزاف القدرة الشرائية للمواطنين، بدعوى إيجاد مصادر تمويل جديدة تساهم في الحد من عجز الخزينة العمومية.

وتعرف كثير من المناطق في الجزائر، خاصة المحافظات الجنوبية احتجاجات متكرّرة، للمطالبة بالتنمية ورفع التهميش عنهم، فضلاً عن المطالبة بنصيبهم من الثروة الوطنية، وكان آخرها احتجاجات أهالي محافظة ورقلة الغنية بالنفط. 

يرى الجزائريون، أن سياسات الحكومات المتعاقبة منذ استقلال البلاد لم تنصفهم بمشاريع تنموية تضع حدًا للبطالة المتفشية وسط الشباب وتحسن مستوى معيشتهم وتطور البنية التحتية لمنطقتهم، رغم مطالبهم المتكررة.

ولئن أسعدت هذه الاجراءات، المواطن البسيط فقد اعتبرها عديد الخبراء بمثابة الإفلاس السياسي، فهي تعبّر عن عجز السلطة في اقناع الشعب بخياراتها وتوجهاتها، ولتجاوز ذلك تعمل على تقديم المسكنات الوقتية دون البحث عن حلول عاجلة للوضع الذي يزداد كلّ يوم سوء على سوء.